Detailed Arabic Refutation of Barelwis

February 17, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

انحراف البريلوية عن أهل السنة والجماعة

الجماعة المنتستبون إلى أحمد رضا خان البريلوي، المسماة ب’البريلوية’، يزعمون أنهم هم الذابون عن عقيدة أهل السنة والجماعة بشبه القارة الهندية، وأن مخالفيهم من الديوبندية وأهل الحديث (غير المقلدين/اللامذهبيين) منحرفون عن منهج أهل السنة، وأنهم ليسوا على الحق، بل فيهم نزعة البغض على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيسيئون الأدب معه ويميلون إلى تنقيص شأنه

والحق خلافه، فإن الذابين الحقيقيين عن عقيدة أهل السنة والجماعة بالقارة الهندية هم: السادة الديوبندية، من العلامة الفقيه رشيد أحمد الگنگوهي والعلامة الفيلسوف قاسم النانوتوي وتلامذتهم وتلامذة تلامذتهم، وهم المسمون ب’أكابر علماء ديوبند’، الذين خدمتهم لإحياء علوم السنة ولنشر العلوم الشرعية معروفة لدي أهل العرب أيضا، وجهودهم فى الدفاع عن اتباع المذاهب الأربعة ولا سيما مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة قد وقعت موقع القبول فى عامة الناس من العرب والعجم، وحركة العلامة المحدث الصوفي الجليل مولانا محمد إلياس الكاندهلوي – من أرشد أصحاب العلامة رشيد أحمد الگنگوهي والمحدث خليل أحمد السهارنپوري – المعروفة باسم ‘جماعة التبليغ’ قد أثرت في عوام الناس وخواصهم في جميع أنحاء العالم، وأحيت فيهم عواطف الدين وانفعالاته، وهذا كله من ثمرات ما زرعه قاسم العلوم النانوتوي والإمام الرباني الگنگوهي رحمهما الله تعالى

والديوبندية صرحوا في عدة من مؤلفاتهم أنهم على عقيدة أهل السنة، وأنهم منتسبون إلى مذهب الأشاعرة والماتريدية، كما صرح به العلامة خليل أحمد السهارنپوري فى ‘المهند على المفند’ الذي وقع عليه أكثر كبار الديوبندية في ذلك العصر، وصرح به العلامة محمد طيب القاسمي والعلامة ظفر أحمد العثماني والعلامة إدريس الكاندهلوي وغيرهم أيضا من أكابر علماء ديوبند. الحاصل: أن الديوبندية هم قلعة أهل السنة بالهند، فجاهدوا في إعلاء كلمة الله بها، وحملوا لواء السنة وعلومها، وزكوا بواطنهن على طريقة الصوفية، وقاموا بدعوة الناس إلى الدين الخالص وإلى محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم

أما البريلوية فقاموا بمعاداة أهل الحق ومعاداة أولياء الرحمن، فكفروا أكابر الديوبندية ونسبوا إليهم أقوالا شنيعة بهتانا وزورا، ورموهم بتهم هم عنها برآء، ومع هذا كله تغالوا في تظاهر المحبة للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووصفوه بما ليس فيه، وبالغوا في هذا الأمر، حتى دخلوا في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)). وقال عليه السلام: ((لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)) من مسند أحمد ج٢٠ ص٢٣، مؤسسة الرسالة، وإسناده صحيح على شرط مسلم

قال العلامة الإمام الفقيه عبد الحي بن مولانا عبد الحليم اللكنوي رحمهما الله تعالى: ((كذلك نسبة فضيلة أو مرتبة لم تثبت وجودها فى الذات المقدسة النبوية بالآيات أو الأحاديث المعتبرة إلى ذاته المطهرة أيضا من أكبر الكبائر، فليتيقظ الوعاظ المذكورون وليحذر القصاص والخطباء الآمرون الزاجرون حيث ينسبون كثيرا من الأمور إلى الحضرة المقدسة التي لم يثبت وجودها فيها، ويظنون أن في ذلك أجرا عظيما لإثبات فضل الذات المقدسة وعلو قدرها، ولا يعلمون أن فى الفضائل النبوية التي تثبت بالأحاديث الصحيحة غنية عن تلك الأكاذيب الواهية. ولعمري! فضائله صلى الله عليه وسلم خارجة عن حد الإحاطة والإحصاء ومناقبه التي فاق بها على جميع الورى كثيرة جدا من غير انتهاء، فأي حاجة إلى تفضيله بالأباطيل؟! بل هو موجب للإثم العظيم وضلالة عن سواء السبيل)). انتهى من الآثار المرفوعة فى الأخبار الموضوعة، دار الكتب العلمية، ص٣٦

ونريد هنا بيان بعض هذه الإنحرافات للبريلوية عن أهل السنة والجماعة فيما يعتقدونه بالنسبة إلى ذات الرسول صلى الله عليه وسلم المقدسة وصفاته، فإن البريلوية قالوا فيه صلى الله عليه وسلم أنه يعلم وقت الساعة بالضبط، وأن له علما محيطا بجميع كوائن الدنيا من بدء الخلق إلى وقت الساعة بالتفصيل، وأنه ليس من جنس البشر فى الحقيقة بل جنسه مختلف من جنس البشر. وهذا كله انحراف عن منهج السنة بلا ريب، وواجب على العلماء مخالفتهم فيها والإنكار عليهم وبيان فساد عقائدهم

سنتعرض فيما يلي لكل من هذه العقائد الباطلة الفاسدة، ولا يظن القارئ الكريم أن انحرافات البريلوية منحصرة في هذه الأمور، فإنما نذكر هذه المسائل الخاصة تمثيلا لضلالاتهم، لا استقصاء وحصرا. وسنثبت بإذن الله تعالى أنهم قائلون بها، ولا تكاد تجد منهم أحدا ينكرها، وسنذكر بالإختصار – إن شاء الله تعالى – مدى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة

*******************************

العقيدة الأولى للبريوية: قد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم العلم بتعين وقت الساعة

صرح به إمامهم أحمد رضا خان البريلوي في بعض مؤلفاته، فقال فى ‘الدولة المكية بالمادة الغيبية’: ((فثبت حصول العلم به [أي: وقت الساعة] قبل قيامها له صلى الله تعالى عليه وسلم)). واتبعه فيه جماعته، فقال أحد كبار البريلوية أحمد يار خان النعيمي (١٣١٤ – ١٣٩١ ه) ما ترجمته: ((إن الرب تعالى قد أعطى هذا العلم [أي: بوقت الساعة] أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم)). انتهى من جاء الحق مع سعيد الحق، مكتبة غوثية، ص٢٩٠

وهذا من أشنع البدع ومن أنكر الخرافات. فإن الله تعالى استأثر بعلم وقت الساعة لذاته العلية، فلا يظهر عليه أحدا من خلقه إلا عند وقوعها. وقول البريلوية هذا قد قال به البعض الغير المعروفون من المتقدمين وبعض من عرف بالعلم من المتأخرين كالصاوي المالكي. لكنه قول باطل شاذ خلاف للنصوص الشرعية الصريحة، بل كفر بعض المتقدمين من قال به

قال الله تعالى: ((إن الساعة آتية أكاد أخفيها)) [سورة طه، ٢٠:١٥] روى الطبري بإسناد صحيح عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة تحت هذه الآية: ((وهي في بعض القراءة: أخفيها من نفسي. ولعمري! لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء المرسلين)) [تفسير الطبري، مكتبة هجر، ج١٦ ص٣٥] وروى ابن أبي حاتم عن التابعي الجليل إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: ((ليس من أهل السماوات والأرض أحد إلا أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي. يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت)) [تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة نزار مصطفى الباز، ص٢٤١٩] وذهب الإمام الطبري رحمه الله تعالى أن هذا التفسير للآية – أي: أن معناه: أكاد أخفيها من نفسي مبالغة في إرادته تعالى إخفاءه عن الخلق – متعين، ولا يجوز تفسيرها بغيره لما صح فيه من الآثار المروية عن الصحابة وغيرهم

وانظروا مع هذا تفاسير الأئمة للآيات التالية: ٧:١٨٧، ٦٧:٢٥، ١٠:٤٨، ١٧:٥١، ٢١:١٠٨، ٧٢:٢٥، ٦:٢، ٢٧:٦٥، ٤١:٤٧، ٤٣:٨٥، ٧٩:٤٢، ٦:٥٩، ٣١:٣٤، فترون أن هذا الأمر ثابت فى القرآن ومن أقوال الأئمة غاية الثبوت، لا يجوز خلافه لمن آمن بكلام الله سبحانه وتعالى

وهذا هو مذهب أئمتنا الحنفية الماتريدية. فقال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره: ((فجائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام…إلا الساعة فإنه لا يطلع عليه أحدا)) [تأويلات أهل السنة، مؤسسة الرسالة، ج٤ ص٨٠] وقال أيضا: ((وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن يكون لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم)) انتهى

قال الإمام الطحاوي في عقيدته: ((وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل)) قال الإمام سراج الدين الغزنوي المصري الحنفي (٧٠٤ – ٧٧٣ ه) في شرحه عليها: ((القدر: جعل كل ما هو واقع فى العالم على ما هو عليه من خير وشر ونفع وضر، وبيان ما وقع عن سنن القضاء في كل زمان ومكان، وهو تأويل الحكمة والعناية السابقة الأزلية…فتكون عقول البشر قاصرة عن الإحاطة بكنه الحكم الإلهية والبصائر قاصرة عن إدراك الأسرار الربانية، فيكون القدر من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وجعله سرا مكتوما عن خلقه، لم يظهر ذلك لملك مقرب ولا نبي مرسل)) [شرح عقيدة الإمام الطحاوي للغزنوي، دار الكرز، ص٩٩] ثم قال تحت قول الإمام الطحاوي: ((لأن العلم علمان: علم فى الخلق موجود وعلم فى الخلق مفقود فإنكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر)): ((إن العلم الموجود فى العالم والخلق هو ما علم بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة كالعلم بالصانع بما نصت عليه دلائل الوحدانية وقدمه وكماله وعلمه وحكمته وبراءته من سمات النقص وأمارات الحدوث…وأما العلم المفقود فيهم فهو: العلم الذي أخفاه الله عن خلقه كعلم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، كعلم [أصل] القضاء والقدر و[وقت] قيام الساعة، كما قال تعالى: قل لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا الله، وقال تعالى: لا يجليها لوقتها إلا هو، فادعاء هذا العلم وطلبه كفر أيضا، لأنه دعوى المشاركة مع الله عز وجل فيما استأثره)) انتهى من المصدر السابق، ص١٠٠

فهذا نص من إمام حنفي ماتريدي في كفر من ادعى علم وقت الساعة لأحد من الخلق

وقال العلامة المفتي أبو السعود محمد بن محمد الرومي (٨٩٨ – ٩٨٢ ه) في تفسيره المشهور: ((لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته، كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول، تعلقا تاما، إما لكونه من مبادئ رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون وكيفيات أعمالهم وأجزيتها المترتبة عليها فى الآخرة وما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها [نفس] قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة، وأما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر عليه أحدا أبدا على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة)) [إرشاد العقل السليم، مكتب الرياض، ج٥ ص٤٠٩] ونقل هذه العبارة العلامة ابن عابدين الشامي وأقره كما في مجموعة رسائل ابن عابدين، ج٢ ص٣١٣-٣١٤

وقال الإمام كمال الدين أحمد بن الحسن البياضي الحنفي الماتريدي (١٠٤٤ – ١٠٩٧): ((فإن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، ووقت الساعة ليس منه)) انتهى من إشارات المرام، دار الكتب العلمية، ص٥٠

فهذه نصوص صريحة من أئمتنا الحنفية – الذين ادعى البريلوية أنهم يتبعونهم ويقلدونهم – في عدم دخول علم وقت الساعة فيما أطلعه الله تبارك وتعالى على نبيه المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم. والقول بخلافه قريب من الكفر إن لم يكنه

*******************************

العقيدة الثانية للبريلوية: قد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم علم جميع الحوادث من بدء الخلق إلى قيام الساعة بالتفصيل

صرح به إمامهم أيضا فى ‘الدولة المكية’ فقال: ((وأما نحن معاشر أهل الحق فقد علمنا – ولله الحمد – أن هذا الذي ذكرنا من تفاصيل كل ما كان من أول يوم [للخلق] وما يكون إلى آخر الأيام [قبل قيام الساعة] ليس بجنب علوم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إلا شيئا قليلا)) واتبعه فيه جماعته أيضا، فقالوا فى علم النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قيل في علم الله: لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموت ولا فى الأرض

وهذه العقيدة أيضا تنافي النصوص الصريحة. فقد ذكر الله عز وجل أشياء خمسة التي لا يعلمها إلا هو، وهي: علم الساعة، والعلم بالمطر، والعلم بما فى الأرحام، والعلم بما فى الغد، والعلم بأحوال وفيات الناس (سورة لقمان، آية ٣٤). ويجوز أن يطلع الله على البعض بعض هذه الأشياء، لكن لا يطلع على أحد كليات أحد من هذه الأشياء. فقال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى تحت هذه الآية: ((ويعلم ما فى الأرحام: من انتقال النطفة إلى العلقة وانتقال العلقة إلى المضغة وتحول ما فى الأرحام من حال إلى حال أخرى وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله، وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضا.)) فهذا النص يدل على أنه لا يجوز العلم بكليات أحد من هذه الأشياء الخمسة لأحد من الخلق، وإن جاز الإطلاع على الجزئيات منه. فقال الملا علي القارئ فى المرقاة: ((والمعنى لا يعلم كلياتها غير الله، وقد يطلع بعض أصفيائه على جزئيات منهن)) وقال: ((فإن قلت: قد أخبر الأنبياء، والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر؟ قلت: الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها)) وأما تأويل البريلوي بأن الحصر من جهة العلم الذاتي لا العلم العطائي، فهذا تأويل بعيد، فإنه جاء في حديث رواه أحمد وصححه الحافظ ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قد علم الله خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله: الخمس))، فهذا الحديث ينافي تعليم الخمس أيضا من جهة الله تعالى، فيتعين كون الحصر المذكور فى الآية في كليات هذه الخمس. وقول البريلوية بإحاطة علم النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الكوائن المستقبلة إلى قيام الساعة يلزم منه القول بأنه عالم بكليات هذه الأمور من نزول الغيث ومما فى الأرحام ومن أماكن وأوقات الوفيات. ويلزم منه أيضا القول بأنه صلى الله عليه وسلم عالم بوقت الساعة – وهو باطل قطعا كما علمت – فإن من تفصيلات العلم بالحوادث تواريخها وأوقاتها، فإذا كان عالما بما يقع إلى الساعة بالتفصيل يلزم كونه عالما بوقت الساعة بعينه

وبالتالي، قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجيء أناس ممن صحبه إلى حوضه فيمنعهم الملائكة من التقدم إلى الحوض، فيقول صلى الله عليه وسلم: أصحابي، هم مني، إلى غير ذلك، فأخبره الله تعالى والملائكة بأنه لا علم له بما أحدث هؤلاء بعده من الإرتداد عن دينه، فيقول صلى الله عليه وسلم – كما جاء في رواية –: ((وكنت علهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم.)) فهذا الدليل القطعي الثبوت يدل على بطلان قول البريلوية هذا، والتأويل فيه بعيد جدا. أما ما قد يشكل على البعض من حديث عرض الأعمال على النبي صلى لله عليه وسلم، فقال ابن الملقن في شرحه على البخاري وغيره من الشراح أن العرض المذكور في ذلك الحديث مخصوص بأعمال المؤمنين لا أعمال المرتدين والزنادقة والكفار، فهذا وجه الجمع بين الحديثين ووجه دفع هذا الإشكال

وهذا بيان تواتر حديث الحوض المذكور

ابن عباس رضي الله عنهما

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ “: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} – إِلَى قَوْلِهِ – {العَزِيزُ الحَكِيمُ} – متفق عليه، واللفظ للبخاري

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – متفق عليه، واللفظ لمسلم

أنس بن مالك رضي الله عنه

حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – متفق عليه، واللفظ للبخاري

حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما

وحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ” تَابَعَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَقَالَ حُصَيْنٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صحيح البخاري

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقَّامُ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلُوسِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ أَقْوَامٌ، فَأَعْرِفُهُمْ، فَيَخْتَلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – المعجم الأوسط

سهل بن سعد رضي الله عنه

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: ” فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي – متفق عليه، واللفظ للبخاري

أبو هريرة رضي الله عنه

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الحَبَطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى – متفق عليه، واللفظ للبخاري

أبو سعيد الخدري رضي الله عنه

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: ” فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي – صحيح البخاري

عائشة رضي الله عنها

وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ ” إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» – صحيح مسلم

أم سلمة رضي الله عنها

وحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا، حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ» فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا – صحيح مسلم

أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما

حدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: لاَ تَدْرِي، مَشَوْا عَلَى القَهْقَرَى – متفق عليه، واللفظ للبخاري)

أبو بكرة رضي الله عنه

حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي فَلَأَقُولَنَّ: رَبِّ , أَصْحَابِي , فَلَيُقَالَنَّ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – مصنف ابن أبي شيبة

أبو الدرداء رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أُلْفِيَنَّ مَا نُوزِعْتُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: هَذَا مِنْ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «لَسْتَ مِنْهُمْ»

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني ممسك بحجزكم: هلم عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي رب، قومي، أي رب أمتي فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم. انتهى من تفسير ابن كثير

قال ابن كثير تحته: وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي. قلت: بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح. ووثقه النسائي وابن حبان. انتهى من تفسير ابن كثير

هذا، وقد قال الإمام الفقيه أبو القاسم أحمد بن عصمة الصفار (ت: ٣٣٦) من متقدمي الحنفية أن الذي أشهد الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم على نكاحه كفر، فإنه يدعى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب – أي ما لا طريقة له إلى حصوله. ونقل هذا القول من الإمام أبى القاسم كثير من أصحاب الفتاوى، فالمسألة منقولة فى الفاتوى الولوالجية (ج ٥ ص٤٢٢) وخلاصة الفتاوى والمحيط البرهاني والفتاوى البزازية والفتاوى التتارخانية وغيرها. لكن أورد صاحب الفتاوى التتارخانية على قول أبى القاسم الصفار هذا أن صاحب الملتقط (لعله أبو القاسم السمرقندي من علماء القرن السادس) قال بأنه لا يكفر فإنه يحتمل أن يكون هذا النكاح من الأشياء التي عرضت على روح النبي صلى الله عليه وسلم. ففى التتارخانية (ج٤ ص٣٨-٣٩): [تزوج امرأة بشهادة الله ورسوله لا يجوز، وعن الشيخ الإمام أبى القاسم الصفار أنه قال: يكفر من فعل هذا لأنه اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الغيب. وفى الحجة: ذكر فى الملتقط أنه لا يكفر لأن الأشياء تعرض على روح النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الرسل يعرفون بعض الغيب. قال الله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول] وفي مجمع الأنهر نحو هذه العبارة: (وَ) شُرِطَ أَيْضًا (حُضُورُ) شَاهِدَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَعَنْ أبى القَاسِمٍ الصَّفَّارِ وَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهَذَا كُفْرٌ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُعْرَضُ عَلَى رُوحِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – فَيَعْرِفُ بِبَعْضِ الْغَيْبِ. انتهى كلامه

فذهب بعض المتقدمين من فقهاء الحنفية إلى تكفير من ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم علما بجزئية بعينها من الحوادث الواقعة بعده فإنه مما لا يثبت له طريق إلى وصوله، وذهب آخرون إلى عدم كفره لاحتمال كون هذه الجزئية مما عرض على روحه صلى الله عليه وسلم. لكن الجميع متفقون على أنه لا يعلم جميع الكوائن المسقبلة إلى وقت الساعة. فهذا إذن رأي المذهب الحنفي فى المسألة، وخالفه البريلوية كما خالف المذهب فى المسألة السابقة

*******************************

العقيدة الثالثة للبريلوية: النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقته ليس من جنس البشر

أشار إليه أحمد رضا خان البريلوي في ترجمته للقرآن المسماة ب’كنز الإيمان’ فترجم قول الله تعالى: ((قل: إنما أنا بشر مثلكم)) هكذا: ((قل: أنا مثلكم في ظاهر الصورة البشرية)) [كنز الإيمان، ص٤٤١]. وصرح به أئمة جماعة البريلوية، فقال مناظرهم وإمامهم محمد عمر الإجهروي (١٣١٩ – ١٣٩١ ه) ما ترجمته: ((فثبت من هذه الآية أن حقيقة المصطفى صلى الله عليه وسلم لم تكن بشريا، بل كان حقيقته نوريا)) [مقياس النور، ص٢٤] وقال: ((قلت: المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحقيقة نور، وبعثته القدرة الإليهية فى الدنيا من واسطة الوالد والوالدة إعطاء للنور جسما إنسانيا نوريا، وغلب نور الحقيقة المحمدية على جسمه، فعلى سبيل المثال: الملائكة أيضا من المخلوقات التي خلقت من النور، لكن لما جاء حضرة جبريل الأمين عليه السلام ملبوسا فى الجسم الإنساني غلب جسمانيته على نورانيته إلى الحد الذي لا يستيطيع أن يطير في هذه الهيئة الجسمانية الكذائية إلى السدرة المنتهى، بل لا يستطيع أن يعلو إلى السماء الدنيا، ولكن نور المصطفى صلى الله عليه وسلم الحقيقي غلب على الجسم الإنساني فمع الجسمية النورانية بلغ إلى ‘لا مكان’ عبورا السماوات كلها وتجاوزا السدرة المنتهى)) انتهى من المصدر السابق، ص٢٦-٢٧

وقال أحمد يار خان في كتابه ‘جاء الحق’ ما حاصله: النبي صلى الله عليه وسلم من البشر، لكن هذا بالنسبة إلى أحكام الدنيا، أما في نفس الأمر وفى الواقع ليس هو من البشر ولا من الجن ولا من الملائكة، بل هو نور خلقه الله تعالى قبل خلق آدم، بدليل أن البشرية إنما بدأت من آدم عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم كان نبيا وآدم بين الروح والجسد، فهذا يعني أنه لم يكن من البشر آنذاك، بل كان خلقا آخر، وإنما ظهر فى الدنيا في صورة الإنسان، وبناء على هذا لا يجوز لأحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم القول بأنه بشر أو إنسي، بل يجب التحرز عن مثل هذا فإنه من جنس قول الكفار: ((إن أنتم إلا بشر مثلنا)) ومن قول إبليس الذي رأى الظاهر فقط في قوله: ((أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين))، وأما قول الله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم، فهذا تسويغ للنبي صلى الله عليه وسلم فقط من قبل التواضع، ومن قبل تأليف قلوب الكافرين، فإن شخصا يتنافر مما لا يعرف ومما هو ليس من جنسه، فهذا القول كصنيع الصائد إذا حاكى صوت الصيد لتقريبه منه حتى يتمكن من قبضه. ملخص من جاء الحق مع سعيد الحق، ص ٣٩٢-٣٩٤

وهذه العقيدة خطيرة إلى الغاية، فإن بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم من ضروريات الدين، فإنكارها كفر، فقال الولي العراقي رحمه الله تعالى: ((أما العلم بكونه عليه الصلاة والسلام بشرا وهو من العرب فهو شرط في صحة الإيمان، فلو قال شخص: أؤمن برسالة محمد إلى جميع الخلق ولكني لا أدري هو هو من البشر أو الملائكة أو الجن…فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن العظيم)) انتهى من الأجوبة المرضية، مكتبة التوعية الإسلامية، ص٢٨

ولم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم القول بأنه بشر مثلنا (أي مثلنا فى البشرية) إلى الكفار فقط كما زعمه أحمد يار خان، بل قاله للمؤمنين أيضا في أحاديث كثيرة مشهورة. فروى ابن مسعود رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون)) [صحيح مسلم] وروت عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أضيق بما يضيق به البشر)) [مسند أحمد] وروى أبو هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر)) [صحيح مسلم] وروى سلمان الفارسي رضي الله عنه قوله: ((إنما أنا من ولد آدم، أًغضب كما يغضبون)) [مسند أحمد] وروت أم سلمة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا بشر أقضي له على نحو ما أسمع به)) [صحيح مسلم] وروى طلحة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما هو ظن ظننته إن كان يغني شيئا فاصنعوا فإنما أنا بشر والظن يخطئ ويصيب)) مسند أحمد

وأفتى حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى فيمن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بشرا في ظاهره فقط، أما فى الحقيقة فهو ليس ببشر، بأن هذه الدعوى كفر، كما في إمداد الفتاوى له

*******************************

فعقائد البريلوية هذه وغيرها – كقولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ‘مختار الكل’ وأن الإختيارات كلها بيده يفعل ما يشاء فى الكون ويتصرف فيه كيف يشاء وقولهم بأنه ليس بأمي حقيقة بل يقرأ ويكتب وقولهم بأن له سماعا محيطا وهو في قبره فيسمع من البعيد كما يسمع من القريب إلى غير ذلك من العقائد الباطلة الفاسدة – كلها ضلالات وانحرافات، وتبطل زعمهم أنهم أهل السنة والجماعة وأنهم قائمون بنصرة الحق بالقارة الهندية، والحق – كما ترى – أن البريلوية فرقة ضالة مبتدعة خارجة من دائرة أهل السنة، يضاهون الوهابية في توسعهم فى التكفير، وجمعوا الشواذ والغرائب من أقوال المتصوفين المتأخرين. ما أحسن ما روي عن الإمام المجتهد المحدث عبد الرحمن الأوزاعي رحمه الله من قوله: ((من أخذ بنوادر العلماء فقد خرج من الإسلام))، فكيف بمن أخذ بنوادر الجهلاء؟ وجعلوها كأنها من أصول الدين وأسسه التي جاءت الأنبياء والرسل لدعوة الناس إليها؟! أعاذنا الله من هذه الفتن والخرافات والمخالفات، وجعلنا أمة وسطا عدلا، سائرين على النهج القويم بين إفراط الغلاة المبتدعين وتفريط الأغبياء المتشددين، آمين يا رب العلمين.

وصلى الله تعالى على سيدنا ونبينا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

Advertisements

An Explanation of a Passage from the Tafsīr of Imām Abū Mansūr al-Māturīdī

February 4, 2015

A poster commented on the following article:

https://barelwism.wordpress.com/2013/06/02/8th-century-maturidi-imam-imam-al-babarti-to-claim-knowledge-of-hour-for-any-of-creation-is-kufr/

Claiming that Imām Abū Mansūr al-Māturīdī held the view that the Prophet (‘alayhissalām) was given knowledge of the exact timing of the Hour. He quotes him from his tafsīr, Ta’wīlāt Ahl al-Sunnah, as follows:

“فلا یحتمل ابو بکر یعلم ذلک لما القی الیہ، و رسول اللہ ﷺ لا یعلم الساعۃ؟ فانہ لا یطلع علیہ احد”

“So it is not possible that Abu Bakr knows it when it’s (knowledge) is given to him and the Prophet (peace be upon him) doesn’t have the knowledge of the Hour.”

The first thing one who reads the entire passage will notice is the lack of congruence between the first part of this sentence and the second. The first part of the sentence is referring to the knowledge that was put in Abū Bakr’s (radiyallāhu ‘anhu) heart regarding the gender of a foetus. The second part apparently argues: how can it be that Abū Bakr had knowledge of this from what was put into his heart while the Prophet (‘alayhissalām) was unaware of the Hour? As one can see there is no connection between knowledge of the gender of a foetus and knowledge of the timing of the Hour. Hence, the two parts of the sentence do not fit. Moreover, immediately following this, the passage continues to say: “Because no one is aware of it.” This reasoning, again, does not fit with the sentence before it if it is claimed it is arguing the Prophet (‘alayhissalām) was given knowledge of the Hour.

In fact, this passage has been slightly distorted, resulting in the lack of congruence in the sentence. The above sentence is from the Dārul Kutub al-‘Ilmiyyah edition. In the Mu’assasat al-Risālah edition, the sentence is presented correctly as follows (vol 4, p 80):

فلا يحتمل أن يكون أبو بكر يعلم ذلك ورسول الله لا يعلم، إلا الساعة فإنه لا يطلع عليها أحدا

http://ia601707.us.archive.org/23/items/abuyaala_tafsir_maturidi/tafsir_maturidi_04.pdf

To understand this sentence, it is necessary to read the entire section leading up to it. Imām al-Māturīdī is discussing verse 31:34 regarding the five things which Allāh has exclusive knowledge of. That is: the knowledge of the Hour, the sending of rain, what is contained in the wombs, a man’s future earnings and where he will die. In its commentary, al-Māturīdī writes:

وقوله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام، ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. وعد هذه الخمسة التي ذكرت في هذه الآية.

وكذلك روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: خمس لا يعلمهن إلا الله. قوله: إن الله عنده علم الساعة، إلى آخر الآية.

فإن ثبت هذا فهو ما ذكر، ويرجع إلى معرفة حقيقة ما ذكر، وإلا فجائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام من نحو المطر متى يمطر أو ما فى الأرحام أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى وإن لم يعلم ماهية ما فى الأرحام نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام يخرج ذلك على الصدق مما أخبروا ربما – ألا ترى أن إبراهيم صلوات الله عليه قال إني سقيم لما نظر فى النجوم أي: سأسقم وروي أن أبا بكر الصديق قال: إني ألقي إلي أن ذا بطن جارية وكان كما ذكر، فلا يحتمل أن يكون أبو بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه ورسول الله لا يعلم

إلا الساعة فإنه لا يطلع عليها أحدا، إلا أن يقال: إن رسول الله لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا من جهة الوحي من السماء

“His (Exalted is He) saying: ‘Verily, Allāh, with Him is knowledge of the Hour. And He sends down rain and He knows what is in the wombs…’ It is mentioned in some reports from Ibn ‘Umar that he said: The Messenger of Allāh (Allāh bless him and grant him peace) said: The keys of the unseen are five, none but Allāh knows them, and he counted these five which are mentioned in this verse. Abū Hurayrah narrated likewise from the Messenger of Allāh (Allāh bless him and grant him peace) that he said: Five, none but Allāh knows them. His saying: Verily, Allāh with Him is knowledge of the Hour, till the end of the verse.

“If this is established it is what he mentioned. It refers to knowledge of the reality of what is mentioned. Otherwise, it is possible (i.e. correct) to say: He gives knowledge of some of these things via signs, from the like of rain, when it will rain, or what is in the wombs, that it is a child, and that it is a male or a female, although He does not give knowledge of the precise reality of what is in the wombs. [This is] like what He gives the astrologers knowledge of thereby through calculation and through signs that sometimes comes out according to the truth of what they foretold. Do you not see that Ibrāhim (blessings be upon him) said: ‘I am ill’ when he looked at the stars, i.e. I will be sick, and it is narrated from Abū Bakr al-Siddīq he said: ‘Verily, it was delivered to me (through ilhām) that this womb is of a girl,’ and it was as he mentioned? Thus, it is not conceivable that Abū Bakr knows such due to what was delivered to him and the Messenger of Allāh does not know. [This is with] the exception of the Hour, because He does not disclose it to anyone. But it will be said that the Messenger of Allāh was not given permission to speak or discuss anything except through the route of revelation from the sky.”

In short, Imām al-Māturīdī is asserting that knowledge of some aspects of the five things mentioned in the verse can be given to some of Allāh’s creation through signs or other means. An example of this is what was given to Abū Bakr (radiyallāhu ‘anhu) through ilhām about the gender of a foetus. Then al-Māturīdī says that the Prophet (‘alayhissalām) must have received such knowledge through ilhām also but he would not discuss the knowledge that he received from these five things unless it came to him through wahy (a definite means) and not merely ilhām. And in this discussion, al-Māturīdī explains that the knowledge of the Hour is an exception to this general rule that Allāh may disclose certain aspects of the five things, “because He does not disclose it to anyone.” Hence, the “exception” mentioned refers to his earlier statement: “it is possible (i.e. correct) to say: He gives knowledge of some of these things via signs” – i.e. that this is with the exception of knowledge of the Hour.

Hence, this sentence, in fact, shows Imām al-Māturīdī, as with all of the major early scholars of tafsīr and other fields, held that the knowledge of the Hour is kept hidden from all creation until the moment before the commencement of the Hour. This is supported by his statements elsewhere in the book where he says this explicitly. He for example said in the explanation of 7:187:

وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن يكون لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم

“As for the Hour, it will commence without there being any influence or knowledge from any of creation.”

And he said:

ثم قال: قل: ما لي بها من علم، إنما علمها عند الله

“Then He said: Say: I (i.e. the Prophet) have no knowledge of it (i.e. the Hour). Its knowledge lies only with Allāh.”

Note:

In the same discussion on the knowledge of the five, al-Māturīdī says:

ويعلم ما فى الأرحام: من انتقال النطفة إلى العلقة وانتقال العلقة إلى المضغة وتحول ما فى الأرحام من حال إلى حال أخرى وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله، وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضا

“He knows what is in the wombs, in terms of shifting from a small drop to a blood clot and shifting from a blood clot to a lump of flesh and the transformation of what is in the wombs from one state to another state and the amount to which what is in it increases at every moment and in every period. The like of that is known to none but Allāh. As for the knowledge that there is a child in it and that it is a boy or a girl, it is possible that He gives knowledge of that to other than Him also.”

In other words, complete and total knowledge of these five things rests with Allāh alone. Allāh alone has knowledge of the full details of what is in the womb, and knowledge of full details of when and where it will rain, in what quantity and so on, and knowledge of full details of where, how and when all people will die, and so on. Knowledge of particular details of these things can be acquired by others, but only Allāh has knowledge of the complete details of each of them.


Refutation of the False Allegation against Shaykh al-Thanawi [Arabic]

February 4, 2015

مولانا أشرف علي التهانوي وبحثه عن مسألة علم الغيب في رسالة حفظ الإيمان

قد زعم أحمد رضا خان البريلوي في كتابه ‘حسام الحرمين’ وغيره من الكتب أن مولانا أشرف علي التهانوي سوى في رسالته ‘حفظ الإيمان’ بين علم النبي صلى الله عليه وسلم وبين علم الصبيان والمجانين والبهائم – والعياذ بالله. فقال البريلوي:((وصرح (أي: مولانا التهانوي) فيها (أي: في رسالته ‘حفظ الإيمان’) بأن العلم الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، فإن مثله حاصل لكل صبي وكل مجنون بل لكل حيوان وكل بهيمة.)) ثم التقط عبارة لمولانا المذكور وقام بنقلها إلى العربية (مع ما فيها من الحذف والنقص)، ثم قال: ((فانظروا…كيف يسوي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كذا وكذا.)) انتهى كلامه

وقد أجاب عن هذا الإتهام مولانا التهانوي نفسه في حياة البريلوي بما تعريبه: ((ما كتبت هذا المضمون الخبيث (في تسوية علم النبي صلى الله عليه وسلم بعلم غيره) في أي كتاب، ولم يخطر هذا المعنى على قلبي فضلا عن كتابته، ولا يلزم هذا المعنى من أي عبارة لي، فالمعروض أخيرا: بما أني أرى هذا المعنى خبيثا ولم يخطر هو على قلبي كما ذكرت آنفا فكيف يكون هو مرادي؟! من اعتقد هذا، أو تكلم به من غير اعتقاد، صراحة أو إشارة، أرى أنه خرج من الإسلام فإنه كذب النصوص القطعية وطعن في حضرة فخر العالم وفخر بني آدم صلى الله عليه وسلم.)) هذا الكلام من أول رسالته ‘بسط البنان’ التي صنفها مولانا التهانوي لتوضيح مراده من الفقرة التي التقطها البريلوي وقام بنقلها إلى العربية

وها أنا أقدم للقارئين ترجمة لفظية كاملة للجواب الثالث من رسالة ‘حفظ الإيمان’ الذي بحث فيه مولانا التهانوي عن مسألة علم الغيب بحثا مختصرا، حتى يتحقق المنصف مدى تحريف البريلوي لكلام مولانا التهانوي؛ فهل يتصور عن مسلم فضلا عن علامة كبير كمولانا التهانوي أنه يسوي بين علم الرسول صلى الله عليه وسلم وبين علم المجانين والبهائم؟! وسيلاحظ القارئ اللبيب – بإذن الله تعالى – أن مراد مولانا التهانوي من قوله: ‘مثل هذا العلم بالغيب’ – الذي أثبته لزيد وعمرو إلخ – ليس هو العلم الثابت الحاصل للنبي صلى الله عليه وسلم كما حرفه البريلوي، بل مراده: العلم ببعض العلوم الغيبية كما يتضح من السياق والسباق

قال في حفظ الإيمان

السؤال الثالث: وقال (زيد): إن علم الغيب قسمان: (أحدهما) بالذات، وعلى هذا المعنى لا يمكن لأحد غير الله أن يكون عالم الغيب؛ و(ثانيهما) بالواسطة، وعلى هذا المعنى كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالم الغيب. ما هو حقيقة استدلال زيد وعقيدته وعمله؟ بينوا توجروا

الجواب عن السؤال الثالث

المراد بمطلق الغيب في إطلاقات الشريعة هو: ذاك الغيب الذي لا يقوم عليه دليل، ولا واسطة ولا سبيل إلى إدراكه، وبناء على هذا ورد (فى القرآن): ‘لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله’ و’لو كنت أعلم الغيب’ وغيرهما من الآيات

وإطلاق (لفظ) ‘الغيب’ على العلم الذي يكون بواسطة (شيء ما) يحتاج إلى قرينة، فإطلاق ‘علم الغيب’ على المخلوق بلا قرينة ممنوع وغير جائز لكونه موهما للشرك، وورد المنع من لفظ ‘راعنا’ فى القرآن ومن ‘عبدي’ و’أمتي’ و’ربي’ في حديث صحيح مسلم لهذا المعنى (أي لكونه موهما لمعنى ممنوع). وبناء على هذا لا يجوز إطلاق ‘علم الغيب’ على حضرة فخر العالم صلى الله عليه وسلم

ولو جاز إطلاق هذه الألفاظ انطلاقا من مثل هذه التأويلات لجاز إطلاق ‘خالق’ و’رازق’ وغيرهما بتأويل الإسناد إلى السبب، لأنه (صلى الله عليه وسلم) سبب لإيجاد العالم وبقائه ١، بل لصح إطلاق ‘خذا’ بمعنى مالك وإطلاق ‘معبود’ بمعنى مطاع

ومن هذا الوجه بعينه الذي يبنى عليه صحة إطلاق ‘عالم الغيب’ عليه (صلى الله عليه وسلم) انطلاقا من هذا التأويل الخاص، يصح نفي هذه الصفة عن الحق جل وعلا شأنه انطلاقا من تأويل آخر! أعني: لم يثبت علم الغيب بالمعنى الثاني – أي: بالواسطة – لله تعالى، فلو استحضر أحد المعنى الثاني في ذهنه ثم قال: ‘إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الغيب والحق تعالى شأنه ليس بعالم الغيب’ – نعوذ بالله منه – هل يستطيع عاقل متدين أن يتحمل تجويز خروج مثل هذه الجملة من الفم؟ وبناء على هذا (الرأي الفاسد) لم يعد جميع الدعوات الفاحشة لبني أفقر٢ مخالفا للشرع. فما هو الشرع؟ أهو لعب للصبيان؟ إذا شاؤوا قاموا بالبناء وإذا شاؤوا قاموا بالتدمير؟!

ثم لو صح الحكم على ذاته المقدسة بعلم الغيب في قول زيد يحقق هذا الأمر: هل المراد بهذا الغيب: بعض المغيبات أو جميع المغيبات؟ إن كان المراد بعض العلوم الغيبية فأي خصوصية فيه لحضرته صلى الله عليه وسلم؟ قد حصل على مثل هذا العلم بالغيب زيد وعمرو، بل كل صبي ومجنون، بل جميع الحيوانات والبهائم، فإن كل شخص له علم بشيء من الأشياء الذي يخفى على غيره، فينبغي تسمية الكل ب’عالم الغيب’! ولو التزم بهذا زيد (فيقول): ‘إني أسمي الكل بعالم الغيب’، فما هو وجه اندراج الغيب في جملة الكمالات النبوية؟ كيف يكون الأمر الذي لا يختص به مؤمن – بل ولا يختص به إنسان – من الكمالات النبوية؟ وإن لم يلتزم به يلزم عليه بيان وجه الفرق بين نبي وبين غير نبي. وإن كان المراد جميع العلوم الغيبية بحيث لا يخرج منه فرد واحد فإنه ثبت بطلانه من أدلة النقل والعقل ٣

الدلائل النقلية خارج عن العد. ذكر فى القرآن نفسه على وجه واضح صريح نفي علم الغيب عنه – في آية ‘ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير’ – ونفي العلم بالوقت المعين لقيام الساعة عنه ونفي علوم كثيرة. وورد فى الأحاديث ألوف واقعات من إرساله (صلى الله عليه وسلم) كتب ورسائل ليتحقق الأخبار الغائبة من المخبرين والجواسيس

وإن ادعي أنه حصل له جميع العلوم الغيبية ولكن استحضارها يتوقف على توجهه، وبما أنه لم يتوجه تماما على بعض الأمور لم يستحضرها في بعض الواقعات، فجوابه: هناك كثير من الأمور التي بالرغم من توجهه الخاص عليها، بل وقوعه فى الحزن والقلق (منها)، ثبت كونها مخفية عليه. ورد فى الصحاح: تفتيشه واستكشافه في قصة الإفك بأبلغ الوجوه، ولكن لم ينكشف الأمر بمجرد توجهه، إنما اطمئن بعد شهر كامل بذريعة الوحي

والدليل العقلي أن العلوم غير متناهية، وقد ثبت وتقرر استحالة اجتماع الأمور الغير المتناهية بما هو متناه

ولو اشتبه (على أحد) مثل هذه الألفاظ التي وردت من قول حضرته (صلى الله عليه وسلم) – كما روي فى المشكاة عن الدارمي –: ‘فعلمت ما فى السموات والأرض’، فينبغي أن يتفطن بأن المراد هنا ليس العموم والإستغراق الحقيقيين، فإن استحالته قد أثبتت آنفا من أدلة النقل والعقل، بل المراد العموم والإستغراق الإضافيان، أعني: باعتبار بعض العلوم – وهي العلوم الضرورية المتعلقة بالنبوة – قد أوتيها عموما. فمقتضىاه إنما هو حصوله على جميع العلوم التي هي ضرورة ولازمة للنبوة. قد اشتهر استعمال ألفاظ العموم للعموم الإضافي في محاورات جميع الألسنة. ورد في حق بلقيس: ‘وأوتيت من كل شيء’، والظاهر أنه لم يكن عندها القطار والهاتف والغاز وآلة التصوير الشائعة في هذا الزمان وغيرها. والمراد هنا أيضا عموم الأشياء التي هي ضرورة ولازمة للسلطنة. فهذه العمومات لا تثبت بها مدعى زيد

كتبه الأحقر محمد أشرف علي عفي عنه. ٨ محرم الحرام ١٣١٩ ه

(انتهى الترجمة من رسالة حفظ الإيمان)

١ هذا بناء على صحة ما جاء في بعض الروايات أنه لو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلق الله تعالى الكون

٢  لم أقف على المراد بهم

٣ ونظير هذا الإلزام ما أورده متكلمو أهل السنة ردا على الفلاسفة في قولهم بكون الإطلاع على بعض العلوم الغيبية من ميزات النبوة. وقد نقل قول السيد الشريف الجرجاني مولانا التهانوي نفسه في رسالته ‘بسط البنان’ التي صنفها لتوضيح مراده من هذه الفقرة. قال السيد الشريف رحمه الله: [(وأما الفلاسفة فقالوا: هو) أي النبي (من اجتمع فيه خواص ثلاث) يمتاز بها عن غيره (إحداها) أي إحدى الأمور المختصة به (أن يكون له اطلاع على المغيبات) الكائنة والماضية والآتية…(قلنا:) ما ذكرتم (مردود) بوجوه (إذ الاطلاع على جميع المغيبات لا يجب للنبي اتفاقا) منا ومنكم، ولهذا قال سيد الأنبياء: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء (والبعض) أي الاطلاع على البعض (لا يختص به) أي بالنبي (كما أقررتم) حوث جوزتموه للمرتاضين والمرضى والنائمين فلا يتميز به النبي عن غيره] (شرح المواقف، دار الكتب العلمية، ج٨ ص٢٤٢-٣) وقال العلامة محمود الأصفهاني: [وأما فى الشريعة فذهب الحكماء إلى أن النبي من كان مختصا بخواص ثلث: الأولى أن يكون مطلعا على الغيب…وقد أورد على هذا بأنهم إن أرادوا بالإطلاع الإطلاع على جميع الغائبات فهو ليس بشرط في كون الشخص نبيا بالإتفاق، وإن أرادوا به الإطلاع على بعضها فلا يكون ذلك خاصة للنبي، إذ ما من أحد إلا ويجوز أن يطلع على بعض الغائبات] انتهى من مطالع الأنظار، ص٤٠٨

تنبيهات

ترجمت الكلمة الأردوية ‘ايسا‘ فى الفقرة التي نحن بصددها إلى ‘مثل’، ومعناه كما جاء فى المعاجم: ‘هذا النوع من’ (‘اس قسم كا’)؛ فمعنى ‘ايسا علم غيب’ هو: ‘هذا النوع من علم الغيب’ فالمراد في هذا السياق: العلم ببعض العلوم الغيبية

المهم: أن مولانا التهانوي لم يتعرض في هذه الفقرة لما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم من العلوم الغيبية كما أو كيفا. بل أثبت أنه حصل على بعض العلوم الغيبية بغض النظر عن كميته أو كيفيته، كما هو ظاهر من سياق كلامه، فلا يمكن أن يشك أحد أن مراد التهانوي من قوله: ‘مثل هذا العلم بالغيب’ هو: العلم ببعض العلوم الغيبية، وهذا يتضح بكمال الوضوح من تعليله في نفس الجملة، فإنه قال: ‘فإن كل شخص يعلم شيئا الذي يخفى على غيره’، ولم يقل: ‘فإن كل شخص حصل على مثل ما حصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلوم الغيبية’! وهذا التعليل مما حذفه البريلوي في ترجمته حتى يتمكن من تلبيس القارئ

ثم: مراد التهانوي بالغيب هنا: الغيب الإضافي، أي ما غاب عن الحواس مطلقا، وقد جاء فى القرآن أن أنباء الأمم السابقة من الغيب، ولا يشك أحد أن هذه الأنباء كانت معلومة لدي تلك الأقوام المتكلم عنها، فعند التهانوي: المراد بالغيب الإضافي هو ما يخفى على أحد أيا من كان، والإطلاع على بعض ما غاب عن آخر مما حصل لكل أحد

وأخيرا، إنه من إخلاص التهانوي أنه بعد تفسيره لتلك الفقرة وبعد تبيينه أنه لا يمكن لمنصف أن يتوهم ذلك المعنى الذي حمل البريلوي كلامه عليه، قد غير تلك الكلمات ونشره في رسالة سماها ‘تغيير العنوان في بعض عبارات حفظ الإيمان’؛ فبدل قوله ‘ قد حصل على مثل هذا العلم بالغيب زيد وعمرو إلخ’ إلى: ‘قد حصل على مطلق بعض العلوم الغيبية غير الأنبياء أيضا.’ فكيف ينسب إليه هذا القول – بعد هذا كله – من التسوية بين علم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم غيره؟


Refutation of the False Allegations against Shaykh Khalil Ahmad Saharanpuri [Arabic]

February 4, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

إتهامات البريلوي على العلامة خليل أحمد السهارنپوري والجواب عنها

قال أحمد رضا خان البريلوي في ‘حسام الحرمين’: [صرح (أي: العلامة خليل أحمد السهارنپوري صاحب بذل المجهود في حل أبي داود) في كتابه البراهين القاطعة…بأن شيخهم إبليس أوسع علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا نصه الشنيع بلفظه الفظيع: ((إن هذه السعة فى العلم ثبتت للشيطان وملك الموت بالنص، وأي نص قطعي في سعة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرد به النصوص جميعا ويثبت شرك؟)) وكتب قبله: ((إن هذا الشرك ليس في حبة خردل من إيمان))]. ثم قال البريلوي: [وقد قال في نسيم الرياض كما تقدم: ((من قال فلان أعلم منه صلى الله عليه وسلم فقد عابه ونقصه فهو ساب، والحكم فيه حكم الساب من غير فرق لا نستثني منه صورة، وهذا كله إجماع من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.))]. وقال: [يؤمن (أي: السهارنپوري) بعلم الأرض المحيط لإبليس، وإذا جاء ذكر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا الشرك، وإنما الشرك إثبات الشريك لله تعالى، فالشيء إذا كان إثباته لأحد من المخلوقين شركا كان شركا قطعا لكل الخلائق، إذ لا يصح أن يكون أحد شريكا لله تعالى، فانظروا كيف آمن بأن إبليس شريك له سبحانه وإنما الشركة منتفية عن محمد صلى الله عليه وسلم]. وقال: [يطالب (أي: السهارنپوري) في علم محمد صلى الله عليه وسلم بالنص ولا يرضى به حتى يكون قطعيا، فإذا جاء على سلب علمه صلى الله عليه وسلم تمسك في هذا البيان نفسه على ص٤٦ بستة أسطر قبل هذا الكفر المهين بحديث باطل لا أصل له فى الدين وينسبه كذبا إلى من لم يروه بل رده بالرد المبين حيث قال: ((روى الشيخ عبد الحق قدس سره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أعلم ما وراء هذا الجدار.)) مع أن الشيخ قدس الله سره إنما قال في مدارح النبوة هكذا: ((يشكل ههنا بأن جاء في بعض الروايات أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا عبد لا أعلم ما وراء هذا الجدار، وجوابه أن هذا القول لا أصل له ولم تصح به الرواية….)) وكذلك قال الإمام ابن حجر العسقلاني: لا أصل له.]. انتهى كلامه

ففي كلامه هذا اتهم البريلوي صاحب ‘البراهين القاطعة’ العلامة خليل أحمد السهارنپوري بأربع اتهامات، وهي كالتالي

١. أنه جعل علم النبي صلى الله عليه وسلم أقل من علم الشيطان اللعين
٢. أنه جعل العلم المحيط بالأرض شركا إذا أثبته أحد للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أثبته للشيطان اللعين، فكأنه جعل الشيطان شريكا لله تعالى! نعوذ بالله منه.
٣. أنه طالب النص القطعي في إثبات علم النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه تمسك بما لا أصل له في نفيه
٤. وأنه قد كذب على الشيخ عبد الحق في نسبة رواية الحديث إليه، حيث لم يروه الشيخ عبد الحق، بل نقله للرد عليه والطعن فيه.

ويأتى الجواب التفصيلي عن هذه الإتهامات على الشيخ السهارنپوري فيما يلي، إن شاء الله تعالى

الجواب عن الإتهام الأول

أما قول البريلوي أن العلامة السهارنپوري جعل علم الشيطان أوسع من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا بهتان عظيم. ولا بد أولا أن يتنبه القارئ على أن كتاب ‘البراهين القاطعة’ ليس كتابا مستقلا، بل هو رد علمي على كتاب آخر اسمه: ‘الأنوار الساطعة’، لمؤلفه مولانا عبد السميع الرامپوري، وعلى هذا لا بد من قراءة ما أورده الرامپوري في كتابه لتتبع كلام السهارنپوري ولفهمه الصواب، ولهذا تجد ‘الأنوار الساطعة’ في أعلى كل صفحة من البراهين القاطعة، وجواب السهارنپوري يشرع عند كل بحث بقوله: ‘أقول’ بعد أن نقل من كلام الرامپوري بقوله: ‘قوله…’ أي: قول الرامپوري

البحث الذي نحن بصدده يبتدأ من ص٥٢ وينتهي إلى ص٥٧ من النسخة التي تتوفر على الرابط التالي

https://ia700504.us.archive.org/…/Braheen-e-QatiaByShaykhKh…

وكلام السهارنپوري في هذا البحث هو حول دفاع الرامپوري عن اعتقاد كثير من المحتفلين بالمولد النبوي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحضر هذه المجالس وله علم بما يقع فيها. قام الرامپوري فى ‘الأنوار الساطع’ بالرد على زعم الشيخ عبد الجبار العمپروري أحد علماء ‘أهل الحديث’ (غير المقلدين) فى الهند (وله ترجمة في ‘نزهة الخواطر’) القائل بأن هذا الإعتقاد للمحتفلين بالمولد النبوي هو من الشرك فإنما هو الله تعالى وحده الذي يوجد في كل مكان، أي: بعلمه. فرد على هذا القائل الرامپوري بما حاصله: العالم أكبر بكبير من مجالس المولد والأوقات أكثر بكثير من الأزمنة التي احتفل فيها بالمولد، والله تعالى يحضر بعلمه في جميع الأمكنة والأزمنة، فعلى هذا لا يلزم البتة من قول القائلون بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم في مجالس المولد الشرك بالله في الصفات الخاصة به. من البراهين نقلا عن الأنوار، ص. ٥٣ – ٥٤

ثم قال الرامپوري: عقيدة أهل السنة هي أن الله تعالى يختص بما هو خاص له، ومعنى الخصوصية هو أنه يوجد فيه ولا يوجد في غيره، أما العلم بجميع الأمكنة على ظهر الأرض فليس هذا مما يختص به الله سبحانه. ونقل عن معالم التنزيل للبغوي وشرح الصدور للسيوطي والمواهب اللدنية للزرقاني ما يثبت أن ملك الموت يقبض أرواح جميع المخلوقات من الإنس والجن والبهائم وجعلت الأرض له مثل الطست فيقبض من ههنا وههنا. قد جاء هذه الروايات في تفسير قول الله تعالى: ‘قل يتوفاكم ملك الموت’. ثم ذكر حديثا آخر رواه الطبراني وابن منده الذي يثبت علم ملك الموت بأحوال جميع الناس. ثم ذكر الرامپوري أنه لو اشتبه على أحد أن هذه الصفة إنما حصلت لملك مقرب فينبغي أن يعلم أن مثل هذا العلم ثابت للشيطان، فنقل عن رد المحتار لابن عابدين قوله: إبليس مع ابن آدم بالنهار…وأقدره على ذلك كما أقدر ملك الموت على نظير ذلك. من البراهين نقلا عن الأنوار، ص. ٥٥

ثم مثل هذه القاعدة بالشمس والقمر الموجودين في نظر الناظرين في جميع الأمكنة، وقال: فلو وقع نظر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أعلى العليين على جميع الأمنكة أو على أمكنة مخصوصة، لا بعد فيه ولا استحالة. ثم أخذ الرامپوري في إثبات كون النبي صلى الله عليه وسلم موجودا في جميع الأمكنة كوجود الشمس والقمر – بمعنى أنهما مرئيان في جميع الأمكنة ويقع نورهما فيها. (البراهين نقلا عن الأنوار، ص. ٥٦) هذا حاصل كلام الرامپوري.

ويبدو من كلام الرامپوري أنه يثبت العلم المحيط بالأرض للنبي صلى الله عليه وسلم بناء على كونه أفضل وأعلى درجة من ملك الموت والشيطان اللعين الذين قد ثبتت سعة علمهما بأمور الدنيا بدلائل كثيرة صريحة. فقام العلامة خليل أحمد السهارنپوري بالرد على هذا القياس الفاسد، والبحث – كما ترى – محصور في العلم بحوادث الدنيا وأحوال من مشى عليها، وليس هو فى العلم المطلق والعلم الذي عليه مدار الفضيلة أي: العلم بذات الله تعالى وصفاته وأحكامه وشرائعه إلى غير ذلك من العلوم العالية الشرعية النافعة والعلوم اللازمة للنبوة والرسالة، فإنه لم يتعرض الرامپوري ولا السهارنپوري للعلم المطلق ولا العلم الذي يدار الفضيلة عليه

فقال السهارنپوري في ضمن رده: [الحاصل: ينبغي أن يتأمل: إثبات العلم المحيط بالدنيا لفخر العالم (صلى الله عليه وسلم) نظرا إلى حال الشيطان وملك الموت ومخالفة للنصوص القطعية بلا دليل وانطلاقا من قياس فاسد: إن لم يكن شركا فمن أي حصة الإيمان هو؟!] من البراهين، ص. ٥٥

أما قوله في حق هذا الإعتقاد أنه شرك فيأتى البيان عن مراده به فى الجواب عن الإتهام الثاني إن شاء الله تعالى. والآن فليركز القارئ نظره على قول السهارنپوري: [إثبات العلم المحيط بالدنيا]. فالكلام إنما هو فى العلم الدنيوي لا العلم المطلق ولا العلم الذي عليه مدار الفضيلة

ثم قال السهارنپوري في نفس البحث: [فحضور الروح المبارك عليه السلام في أعلى العليين وكونه أفضل من ملك الموت لا يثبت به البتة كون علمه مثل علم ملك الموت أو أكثر منه في هذه الأمور] من البراهين، ص. ٥٦

فلينظر القارئ قوله صراحة: [في هذه الأمور] (بالأردوية: ان أمور مين). أي فى الأمور الدنيوية من الحوادث والكوائن وأحوال الرجال والنساء

ومع هذا كله قال البريلوي: [صرح في كتابه البراهين القاطعة…بأن شيخهم إبليس أوسع علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم]! فهل هذا إنصاف؟

والعلم المعتبر ليس هو العلم بالدنيا وأحوالها، فلا يطلق أبدا القول بأن فلانا أعلم من فلان بناء على كونه حاصلا لعلوم من الأمور الدنيوية أكثر منه. قال القاضي عياض رحمه الله فى الشفاء: [فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه (صلى الله عليه وسلم) فيه ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوارح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية] (الشفاء، دار الحديث، ص٤٠٥) وقال الإمام الفخر الرازي: [يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها] من تفسير الفخر الرازي، دار الفكر، ج٢١ ص١٥٠

هذا، وقد رد على هذا الإتهام العلامة السهارنپوري نفسه في كتابه المختصر المفيد ‘المهند على المفند’. ودونكم نص الكتاب

السؤال: أ ترون أن إبليس اللعين أعلم من سيد الكائنات عليه السلام وأوسع علما منه مطلقا؟ و هل كتبتم ذلك في تصنيف ما؟ وبم تحكمون على من اعتقد ذلك؟

الجواب: قد سبق منا تحرير هذه المسألة: أن النبي عليه السلام أعلم الخلق على الإطلاق بالعلوم و الحكم و الأسرار و غيرها من ملكوت الآفاق، و نتيقن أن من قال: ‘إن فلانا أعلم من النبي عليه السلام’ فقد كفر وقد أفتى مشايخنا بتكفير من قال: ‘إن إبليس أعلم من النبي عليه السلام’، فكيف يمكن أن توجد هذه المسألة في تأليف ما من كتبنا؟ غير أن غيبوبة بعض الحوادث الجزئية الحقيرة عن النبي عليه السلام لعدم التفاته إليه لا تورث نقصا ما في أعلميته عليه السلام بعدما ثبت أنه أعلم الخلق بالعلوم الشريفة اللائقة بمنصبه الأعلى، كما لا يورث الاطلاع على أكثر تلك الحوادث الحقيرة لشدة التفات إبليس إليها شرفاً وكمالاً علمياً فيه، فإنه ليس عليها مدار الفضل و الكمال، ومن ههنا لا يصح أن يقال: ‘إن إبليس أعلم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم’، كما لا يصح أن يقال لصبي علم بعض الجزئيات: ‘إنه أعلم من عالم متبحر محقق في العلوم والفنون الذي غابت عنه تلك الجزئيات.’ ولقد تلونا عليك قصة الهدهد مع سليمان على نبينا وعليه السلام وقوله: ‘إني أحطت بما لم تحط به.’ ودواوين الحديث ودفاتر التفسير مشحونة بنظائرها المتكاثرة المشتهرة بين الأنام… ومبتدعة ديارنا يثبتون للذات الشريفة النبوية عليه ألف ألف تحية وسلام جميع علوم الأسافل الأراذل والأفاضل الأكابر قائلين: ‘إنه عليه السلام لما كان أفضل الخلق كافة فلا بد أن يحتوي على علومهم جميعها كل جزئي جزئي وكلي كلي’، ونحن أنكرنا إثبات هذا الأمر بهذا القياس الفاسد بغير نص من النصوص المعتدة بها، ألا ترى أن كل مؤمن أفضل و أشرف من إبليس فيلزم على هذا القياس أن يكون كل شخص من آحاد الأمة حاويا على علوم إبليس، ويلزم على ذلك أن يكون سليمان عليه السلام عالما بما علمه الهدهد …و اللوازم باطلة بأسرها كما هو المشاهد. وهذا خلاصة ما قلناه في البراهين القاطعة لعروق الأغبياء المارقين القاصمة لأعناق الدجالة المفترين، فلم يكن بحثنا فيه إلا عن بعض الجزئيات المستحدثة، ومن أجل ذلك أتينا فيه بلفظ الإشارة حتى تدل أن المقصود بالنفي و الإثبات هنالك تلك الجزئيات لا غير، لكن المفسدين يحرفون الكلام ولا يخافون محاسبة الملك العلام، وإنا جازمون أن من قال: ‘إن فلانا أعلم من النبي عليه السلام’ فهو كافر كما صرح به غير واحد من علمائنا الكرام، ومن افترى علينا بغير ما ذكرناه فعليه البرهان خائفا عن مناقشة الملك الديان و الله على ما نقول وكيل

فانظر إلى قوله: [ومن أجل ذلك أتينا فيه بلفظ الإشارة حتى تدل أن المقصود بالنفي و الإثبات هنالك تلك الجزئيات لا غير]، وهذا حق واضح يراه قارئ هذا البحث من البراهين القاطعة بالسهولة، وقد أشرنا إلى موضع منه الذي صرح فيه العلامة السهارنپوري أن كلامه هو ‘في هذه الأمور’. وحتى فى العبارة التي نقلها البرليوي في ‘حسام الحرمين’ يلاحظ القارئ اسم الإشارة، فقال السهارنپوري: [هذه السعة قد ثبتت للشيطان وملك الموت بالنص] (البراهين، ص. ٥٥) ولم يفسر السهارنپوري في هذه الجملة مراده ب’هذه السعة’ اعتمادا على تتبع القارئ لسياق الكلام، فالمراد ب’هذه السعة’ (ولم يقل ‘هذه السعة فى العلم’ كما في ترجمة البريلوي) هي: السعة في علوم الدنيا من الحوادث والكوائن وأحوال البشر كما قدمنا

والإلزام الذي أورده العلامة السهارنپوري على القياس المذكور بقوله: [ألا ترى أن كل مؤمن أفضل و أشرف من إبليس فيلزم على هذا القياس أن يكون كل شخص من آحاد الأمة حاويا على علوم إبليس] إلخ، فقد ذكره بعينه فى البراهين القاطعة ص. ٥٥

فهل يقول المنصف بعد هذا أن العلامة السهارنپوري جعل علم الشيطان اللعين أوسع من علم الرسول صلوات الله وسلامه عليه؟

الجواب عن الإتهام الثاني

وأما قول البريلوي أن العلامة السهارنپوري جعل إثبات العلم المحيط بالأرض من الشرك إذا أثبت للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أثبته هو للشيطان اللعين، فكأنه جعل الشيطان شريكا لله تعالى، فالجواب عنه بالإختصار أن العلامة السهارنپوري إنما جعل الشرك إثبات العلم الذاتي الغير المكتسب لغير الله تعالى، وأما ما أثبته للشيطان فإنما هو العلم المكتسب عن طريق الحواس

أما على وجه التفصيل فأقول أولا: لم يثبت العلامة السهارنپوري العلم المحيط بالأرض للشيطان كما زعمه البريلوي، وإنما أثبت للشيطان سعة العلم بأمور الدنيا بناء على الأدلة التي أوردها خصمه مولانا الرامپوري فى ‘الأنوار الساطعة’، وأنكر القول بإثبات ‘العلم المحيط بالأرض’ للنبي صلى الله عليه وسلم بناء على قياس أفضليته. فهذه هي عبارة السهارنپوري [الحاصل: ينبغي أن يتأمل: إثبات العلم المحيط بالدنيا لفخر العالم (صلى الله عليه وسلم) نظرا إلى حال الشيطان وملك الموت ومخالفة للنصوص القطعية بلا دليل وانطلاقا من قياس فاسد: إن لم يكن شركا فمن أي حصة الإيمان هو؟!] (البراهين، ص. ٥٥) وحال الشيطان وملك الموت التي يتكلم عنها هي ما أثبتها الرامپوري من سعة علمهما بأمور الدنيا، لا العلم المحيط، فإن الشيخ السهارنپوري لم يثبت مثل هذا العلم للشيطان قطعا.
ثم ينبغي للقارئ أن يتأمل: ما هو الجواب العام الذي أورده السهارنپوري على القياس المذكور؟ حتى يتمكن من الفهم الصحيح لمراد السهارنپوري من هذه العبارات. والحديث في هذا الجواب العام هو الذي استغرق معظم كلامه في هذا البحث، ولم يتعرض له البريلوي أصلا، فإن فيه ما يفضح تلبيساته وتحريفاته لكلام السهارنپوري

يقول السهارنپوري أولا ردا على قول الرامپوري: العالم أكبر بكبير من مجالس المولد إلخ: إن عقيدة الأمة الإسلامية هي أن العلم الذي آتاه الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من المخلوقات، فإثبات أكثر منه ولو بأقل قليل هو من الشرك. قال تعالى: ‘وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو’. وجاء فى البحر الرائق والفتاوى الهندية ورد المحتار وغيرها من كتب الفقه أن من أشهد الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم على نكاحه فقد كفر فإنه أثبت للرسول صلى الله عليه وسلم علم الغيب. وهذا إنما في إثبات العلم بمجلس النكاح، ولم يشترط أحد في كون هذا الإعتقاد كفرا أن يعتقد مساواة علمه بعلم الله تعالى كيفا وكما. من البراهين، ص. ٥٣

ثم قال السهارنپوري ردا على قول الرامپوري: عقيدة أهل السنة هي أن الله تعالى يختص بما هو خاص له إلخ: بل إن عقيدة أهل السنة هي أنه لا توجد صفة من صفات الله تعالى فى الخلق أصلا، وأما ما آتاه الله تعالى خلقه من ظل صفاته كالسمع والبصر والقدرة والعلم فلا يمكن لأحد منهم أن يزيد فيه بشيء، فما آتاه الله الشيطان وملك الموت من السعة (في علم الدنيا) وما خلق الله الشمس والقمر عليه (من سعة نورهما) ليس في قدرة هؤلاء أن يزيدوا على ذلك من شيء، ولا يتوقف الفضيلة على قلة هذه الأشياء ولا كثرتها. كان موسى عليه السلام أفضل من الخضر عليه السلام، ومع هذا لم يكن عنده ما كان عند الخضر من علم الكشف، وبالتالي لم يكن في قدرة الخضر أن يزيد على ما قد أوتيه من علم الكشف. من البراهين، ص. ٥٤-٥٥

ثم قال السهارنپوري ردا على قول الرامپوري: أما العلم بجميع الأمكنة على ظهر الأرض فليس هذا مما يختص به الله سبحانه إلخ: الذي يختص الله تعالى به في صفة علمه هو كون علمه ذاتيا وحقيقيا، ولازم كون صفة علمه هكذا: إحاطة علمه بكل شيء. أما علم جميع المخلوقات فهو مجازي ظلي، فإنه مستفاد من الله تعالى على قدر العطاء. فحضور الرسول صلى الله عليه وسلم في أعلى العليين وكونه أفضل من ملك الموت لا يثبت به البتة كون علمه مثل علم ملك الموت أو أكثر منه في هذه الأمور. وإثبات هذا العلم بناء على القياس هو جهل إن لم يكن شركا. من ص. ٥٦

هذا كله من كلام السهارنپوري، ولم أزد فيه شيئا من نفسي

فيرى القارئ الكريم أن ما يعتبره العلامة السهارنپوري من الشرك هو: إثبات العلم بشيء ما لمن لم يثبت له العلم به من طريق المشهادة أو من طريق الدلائل الصريحة النقلية، فإن إثبات مثل هذا العلم له هو إثبات العلم الذاتي الغير المكتسب لذلك الشخص، وهو خاص بالله تعالى ولا يشاركه فيه أحد. وإثباته بناء على كونه أفضل ممن ثبت له العلم بالشيء الفلاني، لا من طريق إثبات اكتسابه بالأدلة المعتبرة، هو من الشرك، فإن حاصله أن له علما ذاتيا غير مكتسب. هذا هو حاصل رد السهارنپوري على الرامپوري، وهو رد علمي دقيق

إنما أثبت السهارنپوري العلم المكتسب للشيطان، فقال في ص٥٤: [السعة التي أوتيها الشيطان وملك الموت]، وقال بعد أسطر: [وحال هذه السعة فى العلم التي أوتيها الشيطان وملك الموت قد ثبتت بطريق المشاهدة والنصوص القطعية] (البراهين، ص. ٥٥) فانظر كلمة: [أوتيها]. تنبيه: وليلاحظ القارئ وجود اسم الإشارة ‘هذه’ (بالأردوية: ‘يه’)، وهو يرجع إلى العلم بأمور الدنيا لا العلم المطلق كما زعمه البريلوي، وكما بيناه فى الجواب عن الإتهام الأول

وقد صرح العلامة السهارنپوري بأن مراده في إثبات الشرك لمن يعتقد العلم المحيط بالدنيا للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو لمن يعتقد كون هذا العلم علما ذاتيا. فقال السهارپوري عند اختتام بحثه هذا: [وهذا البحث إنما هو فيمن يعتقد أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم علما ذاتيا كما هو عقيدة الجهلاء، أما من يعتقد هذا وقال هو بإطلاع الله عليه فهو ليس بشرك ولكن لا يصح هذا القول بغير دليل يعتبر فى الشرع] من البراهين، ص. ٥٧)

فهل علينا أن نطول الكلام بعد تصريح السهارنپوري هذا؟

الجواب عن الإتهام الثالث

أما زعم البريلوي أن العلامة السهارنپوري طالب النص القطعي في إثبات علم النبي صلى الله عليه وسلم وتمسك بما لا أصل له في نفيه، فالجواب عنه أنه إنما أتى بحديث [ما أعلم ما خلف جداري هذا] تمثيلا لا حصرا، فادعى السهارنپوري أنه ثبت عدم إحاطة علمه الشريف صلوات الله عليه وسلامه بجميع الأمور الدنيوية بدلائل كثيرة ، وأتى بهذا الحديث تمثيلا بعد ما أورد آية من القرآن وهي قوله تعالى: [قل…وما أدري ما يفعل بي ولا بكم] (البراهين، ص.٥٥) والآية قطعية، وهي تفيد عند جمع من العلماء عدم علمه صلى الله عليه وسلم بما يفعل به على سبيل التفصيل وإن كان عنده العلم به على سبيل الإجمال. وهناك أدلة كثيرة التي تدل على عدم إحاطة علمه الشريف بجميع الحوادث الدنيوية كما لا يخفى على أهل العلم

الجواب عن الإتهام الرابع

أما قول البريلوي أن العلامة السهارنپوري كذب على الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي في نسبة رواية هذا الحديث إليه، حيث لم يروه الشيخ عبد الحق، بل نقله للرد عليه والطعن فيه، فالجواب عنه أن العلامة السهارنپوري إنما قال: [وروى الشيخ عبد الحق: ((ما أعلم ما خلف جداري هذا))] (البراهين، ص.٥٥) ولم يحل على كتاب معين للشيخ المذكور. وما نقله البريلوي من كلام الشيخ عبد الحق إنما هو من كتابه مدارج النبوة

والحقيقة أن العلامة السهارنپوري لم ينقل من كتابه هذا كما توهمه البريلوي، وإنما نقل عن شرحه على مشكاة المصابيح المسمى ب’أشعة اللمعات’، فعند حديث المشكاة: [ألا تتقى الله؟! ألا ترى كيف تصلي؟ إنكم ترون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون. والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي!] قال الشيخ عبد الحق ما ترجمته بالعربية: [ليعلم أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم أمامه وخلفه إنما وقع بطريق خرق العادة، من الوحي والإلهام، وإنما وقع في بعض الأحيان لا على سبيل الإستمرار، ويؤيده ما جاء فى الحديث أنه لما ضل ناقته ولم يدر مكانه قال المنافقون: زعم محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه يأتي بأخبار السماء ولم يدر مكان ناقته. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: والله ما أعلم إلا ما علمني الله تعالى، وقد أخبرني الله أن ناقتي هي فى الشعب كذا وقد تعلق زمامها بشجرة. وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: إنما أنا بشر، ما أعلم ما خلف جداري هذا. يعني: من غير إعلام الله تعالى إياي] من أشعة اللمعات، ج١ ص٣٩٢

ففي هذا الكتاب قد أرود هذا الحديث الشيخ عبد الحق في معرض الإحتجاج ولم يطعن فيه. وقال العلامة السخاوي عن هذا الحديث: [حديث: ما أعلم ما خلف جداري هذا، قال شيخنا (أي: الحافظ ابن حجر العسقلاني): لا أصل له، قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج الرافعي عند قوله فى الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه: هو فى الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك مقيدة بحالة الصلاة، وبذلك جمع بينه وبين قوله: لا أعلم ما وراء جداري. انتهى. وهذا مشعر بوروده] من المقاصد الحسنة، دار الكتب العلمية، ص٣٥٩

فلم يكذب السهارنپوري في نسبة رواية الحديث إلى الشيخ عبد الحق، والحمد لله تعالى

ولا غرابة في معنى هذا الحديث وإن لم يثبت، وقد جاء معناه في غيره من الأحاديث. منه ما جاء فى الصحيحين: [اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل  البصر»]، ففيه أنه لم يكن مطلعا على اطلاع هذا الرجل من الجحر مع كونه وراء الجدار

وهذا القدر يكفي للمنصف فى الجواب عن اتهامات البريلوي على العلامة السهارنپوري – بإذن الله تبارك وتعالى


Refutation of the False Allegation against Imam Nanotwi [Arabic]

February 4, 2015

اتهام البريلوي على الشيخ قاسم النانوتوي والجواب عنه

قال أحمد رضا خان البريلوي في كتابه ‘حسام الحرمين’: [والقاسمية المنسوبة إلى قاسم النانوتي، صاحب ‘تحذير الناس’ وهو القائل فيه: ((لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته، وإنما يتخيل العوام أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بمعنى آخر النبيين مع أنه لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم))، إلى آخر ما ذكر من الهذيانات. وقد قال فى التتمة والأشباه وغيرهما: ((إذا لم يعرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء فليس بمسلم لأنه من الضروريات))] انتهى كلامه

فغرض البريلوي من هذا الكلام – كما ترى – إثبات نسبة القول إلى الشيخ قاسم النانوتوي – مؤسس دار العلوم ديوبند – بإنكار ختم النبوة وتجويز مجيئ نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقل من كتابه ‘تحذير الناس’، وقام بالخيانة فى نقل هذه العبارة عنه غاية الخيانة، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى

أولا – نريد أن نقدم للقارئين الكرام بيانا مختصرا لما قرره الشيخ قاسم النانوتوي في كتابه ‘تحذير الناس من إنكار أثر ابن عباس’، فإنه خاض في غوامض التفسير وغاص في أسرار المقام المحمدي صلى الله عليه وسلم، بما لا يكاد أحد أن يفهم جملة منعزلة ملتقطة من كتابه هذا فهما صحيحا من غير النظر الدقيق في معظم أبحاثه وجل معانيه

وصورة الكتاب متوفرة على الرابط التالي

https://ia600500.us.archive.org/…/te…/tehzeer-un-naas-da.pdf

الكتاب فى الأصل جواب عن استفتاء قد ورد، وهو حول أثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي جاء فيه: [إن الله خلق سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسىكم ونبي كنبيكم]، فذهب فلان إلى صحة هذا الأثر، وأن في كل أرض من الأراضي السبعة خلائق الله تعالى، وفي كل منها خاتم لسلسلة الأنبياء كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم في أرضنا هذه، فسأل المستفتي: هل يحتمل هذا الحديث هذا المعنى الذي ذهب إليه الفلان المذكور؟ وهل يكفر هو أو يعصي أو يخرج من أهل السنة بناء على قوله هذا؟

فبدأ الشيخ النانوتوي جوابه عن هذا السؤال ببيان مفصل لتفسير كلمة [خاتم النبيين] حيث وردت فى القرآن الكريم، وزعم أن الفهم الصحيح لمعناها يفضي إلى كشف ما أشكل على السائل من المراد بالأثر المذكور فى السؤال. فأخذ النانوتوي في بيان ما ذهب إليه من تفسير هذه الكلمة، وهذا التفسير هو الذي ألخصه لكم فإنه ما يهمنا في هذا البحث

فقدم الشيخ النانوتوي للقارئين مشكلة تفسيرية حول هذه الصفة حيث وردت فى القرآن، فقال إن معناها عند عامة الناس هو ليس إلا كون النبي صلى الله عليه وسلم متأخرا عن جميع الأنبياء السابقين بحسب الزمان، ولكن التأخر والتقدم الزمانيان لا يفيدان الفضيلة بذاتيهما، ويجب أن تكون صفة ‘الخاتمية’ صفة مدح وكلمة ‘خاتم النبيين’ بيان فضيلته صلى الله عليه وسلم لسببين: الأول: الأوصاف التي ليس لها مدخل فى النبوة والمدح لا ذكر لها فى التنزيل كالطول والصورة واللون والنسب إلى غير ذلك، والثاني: لو لم تكن هي صفة مدح يتوهم من ذكرها تنقيص درجة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يكون الكمالات التي وصفت عند ذكر أهلها لا غير ١

ثم قال النانوتوي: ويمكن أن يكشف هذا الإشكال بأن يقال: إن هذه الشريعة هي آخر الشرائع، وهذا المعنى ل’خاتم النبيين’ يسد باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم واغترارهم بهم. فسلم النانوتوي أن هذا التوجيه محل للاعتبار في نفسه، لكن بقى مع هذا التوجيه مشكل آخر، وهو الإستدراك الموجود في هذه الآية. فإن الله تعالى قال: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين] (سورة الأحزاب) وكلمة ‘لكن’ تفيد الإستدراك على شبهة وقعت من الكلام السابق، فما هي الشبهة؟ وما هو توجيه هذا الإستدراك؟

فقال النانوتوي: إن قوله تعالى: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم] ينفى الأبوة الجسمانية عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل رجل من رجال الأمة، ولكن يمكن أن يتوهم من قرأه أن الأبوة المعنوية قد نفيت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا، ودفع الله تعالى هذا التوهم بقوله عز وجل: [ولكن رسول الله وخاتم النبيين]، فصفة ‘رسول الله’ تثبت أبوته المعنوية الروحانية لهذه الأمة المحمدية، وصفة ‘خاتم النبيين’ تثبت أبوته المعنوية لجميع الأنبياء السابقين وبواسطتهم ثبتت أبوته على أممهم أيضا

فصفة ‘رسول الله’ تفيد أن هذه الأمة استفادت صفة الإيمان بواسطته صلى الله عليه وسلم، فكما أن الوالد سبب لولادة المولود فهو الأب الجسماني له، فكذلك الرسول سبب لإيمان الأمتي فهو الأب المعنوي له. قد أطال النانوتوي الكلام في إثبات هذه الدعوى، ولكن بيانه هذا ليس مما يهمنا في هذا البحث فأقتصر على هذا القدر

أما عن تفسير كلمة ‘خاتم النبيين’ فهي تفيد – عند النانوتوي – أبوته المعنوية للأبنياء السابقين ومن طريقهم يثبت أبوته لأمم أولائك الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والدعوى التي يعرضها الشيخ النانوتوي على القارئين لإثبات هذا المعنى في كلمة ‘خاتم النبيين’ هي كالتالي: النبوة في حق النبي صلى الله عليه وسلم صفة ذاتية، أي ثابتة فيه من غير واسطة، والنبوة في حق غيره صلى الله عليه وسلم صفة عرضية، أي ثابتة فيهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما اتصف بصفة عرضية تنتهي صفته إلى ما اتصف بها ذاتيا. وهذا كما أن نور الشمس ذاتي، غير مستفاد من شيء آخر، ونور الأرض والشوارع والأبواب والحيطان كله من فيض نور الشمس، فصفة النور في هذه الأشياء صفة عرضية وتنتهي هذه الصفة لها إلى ما اتصف بها ذاتيا، وهو الشمس. فهكذا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فنبوة غيره إنما هي فيض نبوته، وبما أن نبوته ليست فيضا من نبوة غيره، بل ثبتت فيه ذاتيا، فتنتهي سلسلة النبوة إليه وتختم به. وبناء على هذه النسبة بينه وبين سائر الأنبياء يثبت كونه نبي الأنبياء كما أنه نبي هذه الأمة المحمدية، فتثبت أبوته المعنوية لهم بهذا التقرير، وتم توجيه الإاستدراك فى الآية المذكورة

ثم أخذ الشيخ النانوتوي في إثبات دعواه هذه من أدلة الشريعة ونصوص القرآن والسنة، وها أنا ألخصها لكم

فساق أولا قول الله تعالى: [وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: لما آتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه] (سورة آل عمران) فهذه الآية تفيد كونه صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، فإن كلا من الأنبياء قد أخذ عنه الميثاق بأنه لو جاء محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه لاتبعه، فنبوتهم ترجع إلى نبوته عليه الصلاة والسلام وتنتهي إليه، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [لو كان موسى حيا ما حل له إلا أن يتبعني]، ويحكم عيسى عليه السلام بعد نزوله على الشريعة المحمدية لا على شريعته. فهذا مما يمكن توجيهه بالتقرير الذي حرره النانوتوي، من كون نبوته ذاتية وغير مستفادة من غيره ونبوة سائر الأنبياء عرضية ومستفادة من نبوته. ويمكن توجيه الحديث: [كنت خاتم النبيين وآدم منجدل في طينته] هكذا أيضا، من أن نبوة غيره مستفادة منه، فهو أصل نبوتهم ومنبعها

ثم ساق النانوتوي الآية التالية تمهيدا للدليل الثاني على دعواه: [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصلحين] (سورة النساء) فإن فيها ذكر أربع طبقات من أهل الكمال، وكمال الأولين (الأول والثاني) منهم هو كمال علمي، وكمال الآخرين (الثالث والرابع) منهم هو كمال عملي. يدل على هذا أن لفظ ‘النبي’ مشتق من نبأ، ولفظ ‘الصديق’ مشتق من ‘صدق’، فالنبي منبع العلم وأصله والصديق مجمع العلم وملتقاه. وبما أن النبوة كمال علمي فعلوم الأنبياء تزيد على علوم غيرهم كما وكيفا، مع أن عملهم يجوز فيه أن يكون أقل من عمل غيرهم كما وإن زادوا على غيرهم فيه كيفا. وأطال النانوتوي الكلام في بيان كون الشهادة والصالحية من كمالات العمل. ثم زعم أن علوم النبي صلى الله عليه وسلم كاملة وجامعة وتامة وعلوم غيره من الأنبياء لم تكن كاملة بالنسبة إلى علومه، واستدل عليه بما جاء فى الحديث [أوتيت علم الأولين والآخرين]، أي: يشتمل علومي على علوم السابقين واللاحقين، ويدل عليه أيضا قوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا لسائر الأنبياء: [مصدق لما معكم]، وكلمة ‘ما’ عام تشتمل على جميع العلوم التي كانت مع الأنبياء السابقين. وهذا كما أن العلوم المستفادة من الحواس الخمس تجمع فى النفس الناطقة، والنفس الناطقة هي المدرك الحقيقي الذاتي، وحاسة السمع وحاسة البصر وغيرهما مدركة عرضية، فكذلك علوم الأولين والآخرين، ومنها علوم الأنبياء السابقين، تجمع كلها في العلوم الحاصلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي مستفادة من علومه صلى الله عليه وسلم، فإنه العالم الحقيقي الذاتي وغيره عالم عرضي. فهذا التقرير مما يدل على كون نبوة الأنبياء السابقين مستفادة منه صلى الله عليه وسلم

والدليل الثالث الذي استدل به النانوتوي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: [كنت نبيا وآدم بين الروح الجسد]٢ والوجه فيه ما أشرنا إليه فى الكلام عن الدليل الأول

وسمى النانوتوي هذا المقام المحمدي الذي أطال في البحث عنه: ب’الخاتمية الذاتية’ وزعم أن الخاتمية الذاتية تستلزم الخاتيمية الزمانية وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بحسب الزمان. ثم بين وجه اللزوم بين الخاتميتين بأنه لو قدر مجيئ نبي بعده صلى الله عليه وسلم فإنه إما أن يأتي بشريعة جديدة أو لا، فإن كان الأول فهذا ينافي قوله تعالى: [ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها] فإنه يفيد كون الناسخ أعلى من المنسوخ، والنبي المقدر هنا أدنى من النبي صلى الله عليه وسلم فكذا شريعته، وهذا لا يجوز؛ وإن لم يأت بشرع جديد فلا فائدة في هذه النبوة المقدرة، فإن النبوة كمال علمي وقد حفظت العلوم المحمدية فى القرآن الكريم الذي هو [تبيان لكل شيء] ومصدق لكل ما جاء به الأنبياء بأسرهم. فالخاتمية الزمانية والتأخر الزمني من لوازم الخاتمية الذاتية

لفظ ‘الخاتم’ يتضمن معنى التأخر، والتأخر قد يكون من حيث الزمن، وقد يكون من حيث الرتبة والمقام، وقد يكون من حيث المكان، ففي صفة خاتم النبيين تقدير، والمقدر إما ‘خاتم زمن النبيين’ وإما ‘خاتم رتبة النبيين’ وإما ‘خاتم مكان النبيين’. والراجح عند النانوتوي أنها تدل على كل من هذه المعاني الثلاثة دلالة مطابقية، فالنبي صلى الله عليه وسلم متأخر فى الزمن، وهو متأخر (أي: متعال) فى الرتبة من حهة التي بينها، وهو متأخر فى المكان بالنسبة إلى أنبياء الأرضي الستة الأخر، فإن أرضنا هذه هي فوق الأراضي الأخرى. وهذا كما في قول الله تعالى: [إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس من عمل الشيطان]، فالخمر رجس ظاهري والميسر والأنصاب رجس باطني، فكلمة ‘الرجس’ عام يشمل الرجس الظاهري والرجس الباطني، فكذلك لفظ ‘الخاتم’، هو عام يتضمن الخاتمية الذاتية والزمانية والمكانية. ويمكن أن يقال إن لفظ ‘الخاتم’ فيه عموم المجاز حتى يتضمن هذه المعاني الثلاثة، أو يقال: معناه الأصلي هو الخاتمية الذاتية ومن لوازمها خاتمية زمانية، فهي مدلول الآية بدلالة التزامية

وقال النانوتوي عن بيانه هذا ما تعريبه: [فتأمل الآن: أن في هذه الصورة قد يقع (وجه) العطف بين الجملتين والإاستدراك والإستثناء المذكروة تحت النظر بنهاية درجة المناسبة، وتثبت الخاتمية بأحسن الوجوه أيضا، مع أن الخاتمية الزمانية لا تخرج من اليد] من تحذير الناس، ص٥٧

فهذا خلاصة ما أردنا توضيحه وتلخيصه من كتاب تحذير الناس، وهذا يشمل تقريبا ثلث كتابه. وأخذ النانوتوي في باقي الكتاب في بيان أثر ابن عباس رضي الله عنهما المذكور فى السؤال من حيث صحته ومعناه. وليعلم أن العلامة عبد الحي اللكنوي – صاحب ‘الأجوبة الفاضلة’ و’الرفع والتكميل’ وغيرهما من المؤلفات الجليلة المشهورة المتلقاه بالقبول – ممن قرظ على كتاب النانوتوي هذا، وقد ألف هو أيضا رسائل في بيان صحة أثر ابن عباس رضي الله عنهما وبيان معناه عند العلماء، وأحد هذه الرسائل باللغة العربية، سماها اللكنوي: ‘زجر الناس على إنكار أثر ابن عباس’ فى الجزء الأول من مجموعة رسائله المتوفرة على الرابط التالي

https://ia700709.us.archive.org/…/…/Rasaellaknawi/LAKN01.pdf

تأييد كلام النانوتوي من المتقدمين

وللإمام تقي الدين السبكي رسالة ‘التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه’ في ضمن فتاويه (ج١ ص٣٨-٤٢)، فسر فيها آية آل عمران ، قال فيها: [وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: ((بعثت إلى الناس كافة)) لا يختص بالناس في زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا، ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد))، وإن فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيا لم يصل إلى هذا المعنى لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت…والنبي صلى الله عليه وسلم خير الخلق فلا كمال لمخلوق أعظم من كماله ولا محل أشرف من محله يعرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى، وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت، ثم أخذ له المواثيق على الأنبياء وعلى أممهم ليعلموا أنه المقدم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم…فإذا عرف ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الأنبياء، ولهذا ظهر ذلك فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه وهو فى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وأممهم الإيمان ونصرته وبذلك أخذ الميثاق عليهم، فنبوته عليه ورسالته إليهم معنى حاصل له، وإنما أثره يتوقف على اجتماعهم معه فتأخر ذلك لأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما تقتضيه…فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته وهو نبي كريم على حاته..وكذلك لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو في زمن موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم والنبي صلى الله عليه وسلم نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم] انتهى كلامه

وللصوفي الجليل والعالم الكبير الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ ه) ‘كتاب ختم الأولياء’ قال فيه: [قال له قائل: وما خاتم النبوة؟ قال: حجة الله على خلقه بحقيقة قوله تعالى: ((وبشر الذي آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)) فشهد الله له بصدق العبودية…فبذلك القدم الصدق الذي له يتقدم على جميع صفوف الأنبياء والمرسلين لأنه قد أتى بصدق العبودية لله تعالى، فيقبله الله منه ويبعثه إلى المقام المحمود عند الكرسي فيكشف الغطاء عن ذلك الختم فيحيطه النور وشعاع ذلك الختم يبين عليه…فصار محمد صلى الله عليه وسلم شفيعا للأنبياء والأولياء ومن دونهم، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام فيما يصف من شأن المقالم المحمود؟ ((حتى إن إبراهيم خليل الرحمن يحتاج إلي في ذلك اليوم…ويكشف الغطاء عن الختم فينقطع الكلام وتصير الحجة على جميع خلقه لأن الشيء المختوم محروس، وكذلك تدبير الله تعالى لنا في هذه الدنيا: إنه إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين. فجمع الله أجزاء النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم له، وختم عليها بختمه، فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إلى ولوج موضع النبوة من أجل ذلك الختم. ألا ترى إلى حديث الحسن البصري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث الشفاعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنه قال: ((فإذا أتوا آدم يسألونه أن يشفع لهم إلى ربه، قال لهم آدم: أرأيتم لو أن أحدكم جمع متاعه في غيبته ثم ختم عليها، فهل كان يؤتى المتاع إلا من قبل الختم؟ فأتوا محمدا، فهو خاتم النبيين.ومعناه عندنا: إن النبوة تمت بأجمعها لمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعل قلبه لكمال النبوة وعاء عليها ثم ختم. ينبئك هذا أن الكتاب المختوم والوعاء المختوم ليس لأحد عليه سبيل فى الإنتقاص منه ولا بالإزدياد فيه مما ليس منه، وإن سائر الأنبياء عليهم السلام لم يختم لهم على قلوبهم، فهم غير آمنين أن تجد النفس سبيلا إلى ما فيها…وهذا له شأن عظيم تطول قصته. فإن الذي عمي عن خبر هذا يظن إن خاتم النبيين تأويله أنه آخرهم مبعثا (أي: فقط)، فأي منقبة في هذا؟ وأي علم في هذا؟ هذا تأول البلة الجهلة!] من كتاب ختم الأولياء، ص٣٣٨-٣٤١

وهذا – كما ترى – يؤيد تقرير النانوتوي غاية التأييد

وبحث النانوتوي هذا من باب بيان أسرار الشريعة، وهو فن لطيف دقيق، يتوقع فيه اختلاف الأنظار، وهو ليس من باب بيان العقائد الإسلامية الضرورية، فأكثر من ينتسب إلى ديوبند – حتى خواصهم وعلماءهم – لم يطعلوا على كتابه هذا وليس لهم خبر بمضمونه، وممن يطلع عليه فليس كل منهم موافق للنانوتوي في رأيه هذا وتحريره، فلا يقال: هذا رأي علماء ديوبند أو رأي أكابرهم، بل يقال: هذا ما أفضى إليه دقة نظر الشيخ العلامة محمد قاسم النانوتوي، وهو يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر صلوات الله وسلامه عليه

الجواب عن اتهام البريلوي

وبعد، فنلفت الآن نظرنا إلى اتهام البريلوي على الشيخ قاسم النانوتوي بإنكار خاتمية الرسول صلى الله عليه وسلم وتجويز مجيئ نبي بعده. قد ثبت مما قررناه مراد النانوتوي من بحثه، ويلاحظ المتتبع لكلامه أنه لم ينكر الخاتمية الزمانية – أي تأخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن زمن سائر الأنبياء – في هذا التقرير، بل أقر به وأيده بمزيد التأييد، بل قد كفر في كتابه هذا من ينكر كونه آخر الأنبياء بحسب الزمان. قال في بداية كتابه بعد أسطر من العبارة الأخيرة التي نقلها البريلوي قبيل بيان التفسير الذي اختاره لكلمة ‘خاتم النبيين’ ما تعريبه: [والخاتمية مبنية على أمر آخر الذي يلزم منه – من حيث هو – التأخر الزماني وسد الباب المذكور (أي: باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويضاعف به الفضيلة النبوية صلى الله عليه وسلم] (تحذير الناس، ص. ٤٣)، وقدمنا نقل قوله عند اختتام تقريره عن التفسير الذي اختاره ل’خاتم النبيين’: [مع أن الخاتمية الزمانية لا تخرج من اليد]. انتهى

وقال أيضا ما تعريبه: [إن كان (لفظ الخاتم) على إطلاقه وعلى عمومه (كما هو الراجح عند النانوتوي) فإن ثبوت الخاتمية الزمانية ظاهر، وإلا يجب البتة تسليم لزوم الخاتمية الزمانية بدلالة التزامية (كما قرره قبل)، وهنا التصريحات النبوية ك ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) أو كما قال – الذي الظاهر فيه أنه مأخوذ من هذا اللفظ ‘خاتم النبيين’ بالطريقة المذكورة – تكفي في هذا الباب (أي: في إثبات الخاتمية الزمانية)، فإن هذا المعنى قد بلغ درجة التواتر، وقد انعقد الإجماع عليه. مع أن الألفاظ المذكورة ليست منقولة بأسانيد متواترة، ومع عدم هذا التواتر فى الألفاظ، يكون التواتر المعنوي ثابت هنا كتواتر عدد ركعات الفرائض والوتر وغيرها. ومع أن ألفاظ الحديث التي تشعر بعدد الركعات ليست متواترة، فكما أن منكره كافر، فكذلك منكر هذا (أي: الخاتمية الزمانية) كافر أيضا.] من تحذير الناس، ص٥٦

فانظر إلى هذا النص الصريح الذي يثبت فيه النانوتوي الخاتمية الزمانية بوجوه متعددة: من الحديث المتواتر وإجماع الأمة ودلالة الآية إما دلالة مطابقية أو دلالة التزامية، ثم صرح بأن منكرها يكفر كما أن منكر عدد ركعات الصلوات يكفر. وبغض النظر عن هذا كله اتهم البريلوي على النانوتوي بإنكار الخاتمية وتجويز مجيئ نبي بعد رسول الله صى الله عليه وسلم

أما العبارة التي نقلها البريلوي فإنه التقطها من ثلاثة مواضع من تحذير الناس، وساقها سياقا واحدا حتى يظن من يطالعها أنها كلام مسلسل، ولم يثبت هو في أصل كتابه ‘حسام الحرمين’ علامات التي تدل على كون هذه العبارة مركبة من كلمات مولانا النانوتوي من مواضع مختلفة من كتابه، وليست كلاما مسلسلا. وهذا من الخيانة فى النقل بلا شك.

أما الجملة الأولى التي نقلها البريلوي فهي مركبة من قطعتين من جملتين في كتاب تحذير الناس. فما نقله البريلوي هكذا: [لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته]. فالقطعة الأولى من هذه الجملة، أي قوله: [لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم] هي من صفحة ٨٥ والقطعة الثانية، أي قوله [بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته] هي من صفحة ٦٥.

فلينظر القارئ إلى سياق كلامه في هذين الموضعين

أما الموضع الأول فالشيخ قاسم النانوتوي بصدد بيان وجه ترجيح التفسير الذى اختاره لكلمة ‘خاتم النبيين’، فإنه لو اختير التأخر الزماني كمعنى أصلي أساسي لهذه الصفة قد يزعم الزاعم أن خواتيم باقي الأرضي هم مساوون له من حيث الفضيلة والرتبة وإن كانوا متقدمين عليه زمنا. وهذا الإحتمال لا ينشأ فى التفسير الذي اختاره هو. فقال النانوتوي ما ترجمته: [نعم، لو اختير الخاتمية بمعنى الإتصاف الذاتي بوصف النبوة كما قرره هذا الفقير، لا يمكن الزعم بأن الأفراد المقصودين بالخلق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم مماثل له صلى الله عليه وسلم، بل في هذه الصورة لا تثبت أفضليته على الأفراد الحقيقيين من الأنبياء فقط، بل تثبت أفضليته على الأفراد المقدرين أيضا، بل ولو فرض مجيئ نبي بعد الزمن النبوي صلى الله عليه وسلم لا يتطرق الفرق إلى الخاتمية المحمدية] من تحذير الناس، ص٨٤-٨٥

فيلاحظ القارئ أن مراده من هذا الكلام هو إثبات أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، فلو أقرت بالخاتمية الذاتية بالمعنى الذي ذهب إليه الشيخ النانوتوي، لا يكاد أحد يزعم أن فردا من أفراد الأنبياء أفضل منه، حتى ولو تصور فى الذهن نبي لم يكن مقصودا بالخلق تثبت أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أيضا بفضل خاتيميته هذه. فمنعى قوله: [ولو فرض مجيئ نبي بعد الزمن النبوي صلى الله عليه وسلم لا يتطرق الفرق إلى الخاتمية المحمدية] أنه لو قدر مجيئ نبي بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت الخاتمية بالمعنى المذكور وتثبت أفضليته صلى الله عليه وسلم. وهذا التقدير نظير ما قدره العلامة السبكي فى الكلام الذي نقلت منه من مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن من قبله من الأنبياء، فإنه يلزم بعثة غيره بعده. فهذا الكلام من باب التقدير والتصوير لتقريب المعنى المقصود، وليس فيه تجويز مجيئ نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء كما هو الظاهر

وأما الموضع الثاني فهو بصدد بيان نتيجة تقريره، فقال: [إطلاق لفظ الخاتم يقتضي ختم سلسلة نبوة سائر الأنبياء عليه، فكما أنه ثبتت حاجة الأنبياء السابقين إليه في وصف النبوة بحسب التقرير المسطور لهذا اللفظ ‘الخاتم’، ولا يحتاج هو إلى أحد في هذا الوصف، فكذلك لو كان نبي من الأنبياء السابقين أو ممن فرض من غيرهم حتى في زمانه، في أرضه أو في غير أرضه أو فى السماء ليحتاج هو إليه في وصف النبوة أيضا، ويختم هذه السلسلة النبوية عليه في كل حال…الحاصل: لو اختير الخاتمية بهذا المعنى الذي قررته، لا يختص خاتميته بالأنبياء السابقين، بل ولو فرض نبي آخر في زمنه تبقى خاتميته صحيحا] من تحذير الناس، ص٦٤-٦٥

بعد قراءة ما لخصته من تقرير النانوتوي، يتحقق القارئ أنه ليس في هذا الكلام تجويز منه لمجيئ نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، ويكون مراده رحمه الله واضحا غير محتاج إلى بيان

أما الجملة الأخيرة التي نقلها البريلوي وهي: [وإنما يتخيل العوام أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بمعنى آخر النبيين مع أنه لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم]، فهذه الجملة من بداية جواب النانوتوي. قال ما ترجمته: [الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على رسوله خاتم النبيين وسيد المرسلين وآله وأصحابه أجمعين. بعد الحمد والصلاة وقبل تحرير الجواب، يطلب أولا بأنه ينبغي بيان معنى خاتم النبيين حتى لا يستغرق فهم الجواب أي وقت. ففي رأي العوام يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما بمعنى كون زمانه بعد زمان الأنبياء السابقين وكونه آخر الأنبياء منهم، لكن يتبين لأهل الفهم أنه لا فضل فى التقدم والتأخر الزمانيين بذاتيهما…] من تحذير الناس، ص٤١

وقد أشرنا إلى هذا في التلخيص الذي قدمناه لتقرير النانوتوي، ومراد النانوتوي منه ظاهر، فإن أكثر الناس يفهمون معنى الخاتمية الزمانية من صفة ‘خاتم النبيين’، ولا ينكر النانوتوي هذا المعنى كما قدمناه، بل ينكر حصر معانيها فيها، وقال بأن معنى الخاتمية أوسع وأشمل. وقال بعد أسطر من هذه الجملة كما نقلناه قبل: [والخاتمية مبنية على أمر آخر الذي يلزم منه – من حيث هو – التأخر الزماني وسد الباب المذكور (أي: باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويضاعف به الفضيلة النبوية صلى الله عليه وسلم] (تحذير الناس، ص. ٤٣) فالظاهر أنه لا ينكر هذا المعنى، بل أثبت كونه مدلول الآية التي ذكرت فيها هذه الصفة من الوجوه التي شرحناها قبل

وليلاحظ القارئ الفرق بين الترجمة التي قدمتها لكم التي هي ترجمة لفظية وبين ترجمة البريلوي، فإن ترجمته هكذا: [لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم] وما قاله النانوتوي هكذا: [لكن يتبين لأهل الفهم أنه لا فضل في التقدم والتأخر الزمانيين بذاتيهما]، فكلام النانوتوي هو حول التقدم والتأخر كليهما، وإنما نفى الفضيلة الذاتية فيهما لا الفضيلة أصلا كما في ترجمة البريلوي.

فيظهر من هذا الجواب المفصل عن اتهام الربيلوي على الشيخ قاسم الناوتوي أن البريلوي لا يؤتمن في نقله، وهو خائن فيه، فيسقط الإعتماد عليه. ويظهر أيضا أنه لا مجال لتكفير الشيخ قاسم النانوتوي بناء على ما ذهب إليه في كتابه ‘تحذير الناس’، وإن كان فيه مجال النظر والإختلاف

١ قلت: ويؤيده حديث الشفاعة فإن فيه سرد كمالات الأنبياء، وورد في بعض رواياته: فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ من صحيح مسلم

٢ اللفظ الذي أورده النانوتوي هو: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين