مفهوم البدعة فى الشرع

February 1, 2016

مفهوم البدعة فى الشرع

كثير من الناس يعترضون على علماء ديوبند وأكابرهم، كمولانا رشيد أحمد الگنگوهي ومولانا التهانوي وغيرهما، لإنكارهم على عمل المولد، بمعنى الاحتفال الخاص على ولادة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقام به سنويا في شهر الربيع الأول. قد أنكروا على هذا الاحتفال الخاص في هذه المناسبة الخاصة وسموها بدعة ومكروهة

ينبغي لمن يريد إدراك وجه قولهم (رحمهم الله) هذا أن يدقق في معنى البدعة فى الشرع ومفهومها، لا سيما لدي هؤلاء الأكابر

فمعنى البدعة عندهم – ولهم دلائل وسلف – أن مفهوم البدعة هو

معاملة أمر – سواء كان عقيدة أو فعلا أو تركا أو قولا – ليس له قيمة ذاتية فى الدين (أي لا يقصد فى الدين لذاته) – إما في أصله أو في وصفه – كمعاملة ما له قيمة ذاتية فى الدين

وعكسه داخل في مفهوم البدعة أيضا، أي: معاملة ما له قيمة ذاتية فى الدين كمعاملة ما ليس له قيمة ذاتية فى الدين

وتعبير ((ما له قيمة ذاتية فى الدين)) يشير إلى ما يعرف بتعبير ((أمر تعبدي)) فى اصطلاح الغير

وهذه المعاملة إما مبني على الاعتقاد وإما مبني على الالتزام بأمر ما على هيئة توهم هذا الاعتقاد، والأول بدعة حقيقية والثاني بدعة حكمية

فمثال أمر ليس له قيمة ذاتية فى الدين في أصله صوم السكوت، فلو صام أحد صوم السكوت واعتقد أن له قيمة ذاتية فى الدين بحيث يثاب عليه ويطلب هو لذاته، فهو ارتكب بدعة حقيقية

ولو صام جماعة من المسلمين هذا الصوم مع أئمتهم ومقتديهم – مع أنه ليس له وجه عادي ظاهر – بحيث يوهم هذا الفعل أن هذا الصوم له أصل فى الدين، فهو بدعة حكمية لو لم يعتقدوا أن له قيمة ذاتية فى الدين

ومثال أمر ليس له قيمة ذاتية فى الدين في وصفه فالمولد النبوي، بمعنى الاحتفال الخاص سنويا فى المناسبة الخاصة، فإن أصل فعل المولد من ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح على ظهوره ثابت شرعا، ولكن هذه الهيئة المخصوصة له من فعله على التكرار في كل سنة في تاريخ معين مع الأئمة والمقتدين وتسميته ((عيدا)) ليس له قيمة ذاتية فى الدين، أي لا يطلب هذه الهيئة المخصوصة لذاتها فى الدين، فإنه لو كان مقصودا لذاته لكان الصحابة والسلف عليه حريصا ولسبقونا إليه، ولم يثبت هذه الهيئة المخصوصة منهم، وإن ثبت أصل ذكر الولادة الشريفة

فلو اعتقد أحد أن هذا الوصف لهذا الفعل له قيمة ذاتية فى الدين – بحيث يثاب على هذه الهيئة والوصف لذاتيهما إضافة إلى ثواب الأصل المشروع – فهذا بدعة حقيقية، ولو لم يكن هذا اعتقاد المحتفلين به فهو عند علماء ديوبد لا يزال بدعة بدعة حكمية (لا حقيقية) لأن كثيرا من العامة لا يرون الهيئة المذكورة المخصوصة شيئا عاديا أو انتظاميا فقط، بل تدين بهذه الهيئة المخصوصة، وصورة الفعل توهم وتؤيد هذا الاعتقاد الباطل فإنه يقام به كما يقام بشيء تعبدي، بالالتزام به والإنكار على من لا يحضر وبمشاركة الأئمة والمقتدين واتخاذه شعارا للاسلام وعيدا إلى غير ذلك

فهذا هو الأصل في إنكار علماء ديوبند عمل المولد على الهيئة المذكورة المعروفة بين الناس، وهو أن كل ما يفعل على رؤوس الأشهاد مع الأئمة والمقتدين بحيث يوهم هو أن هذا الأصل أو هذا الوصف ثابت فى السنة وله قيمة ذاتية فى الدين – مع أنه ليس كذلك – فهو بدعة سيئة منكرة

وإليكم بعض النقول لإثبات هذا الأصل

روي عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يضرب ((الرجبيين)) الذين يصومون رجب كله، فوجه الإمام ابن وضاح فعله هذا بقوله: ((إنما معناه خوف أن يتخذوه سنة مثل رمضان)). (البدع والنهي عنها، دار الصفا، ص٥١

أقول: لا شك أن التطوع بالصوم من أفضل الأعمال، وأن فيه سعة فمن شاء فله أن يكثر منه ومن شاء فله أن يقلل منه، لكن تخصيص يوم أو شهر للتطوع بالصوم على هيئة الاجتماع – مع أنه لم يثبت تخصيص هذا اليوم أو الشهر من الشارع – يوهم كون هذا اليوم أو الشهر مطلوبا لذاته، وهذا وجه المنع

سئل الإمام النووي عن فعل بعض المصلين في صلاة التراويح من قراءة سورة الأنعام جملة فى الركعة الأخيرة من التراويح فى الليلة السابعة من شهر رمضان، فأجاب: ((هذا الفعل المذكور ليس بسنة بل هو بدعة مكروهة ولكراهتها أسباب. منها: إيهام كونها سنة، ومنها تطويل الركعة الثانية…فينبغي لكل مصل اجتناب هذا الفعل وينبغي إشاعة إنكار هذا فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فى النهي عن محدثات الأمور، وأن كل بدعة ضلالة، ولم ينقل هذا الفعل عن أحد من السلف)) (فتاوى الإمام النووي، ص. ٢٥-٦

أقول: فأحد وجوه المنع عند الإمام النووي إيهام هذا الفعل بسنيتها

قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام في إنكاره على صلاة الرغائب: ((العالم إذا صلى كان موهما للعامة أنها من السنن فيكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان الحال ولسان الحال قد يقوم مقام لسان المقال)) وقال: ((صلاة الرغائب بخصوصياتها توهم العامة أنها سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الواقع)) وقال: ((وأما حديث أنس وعتبان بن مالك رضي الله عنهما: فالفرق بينهما وبين صلاة الرغائب أن الاقتداء في صلاة الرغائب توهم العامة أنها سنة وشعار فى الدين بخلاف ما وقع في حديث أنس وعتبان رضي الله عنهما فإنه نادر فلا يوهم العامة أنه سنة بل يوهم الجواز)) (النقول من: مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة

أقول: فكل ما يوهم العامة أنه بخصوصيته سنة ومطلوبا لذاته أو شعارا فى الدين مع أنه ليس كذلك لا يجوز عند الإمام العز بن عبد السلام

قال الإمام الشاطبي: ((كل عمل أصله ثابت شرعا إلا أن في إظهار العمل به أو المداومة عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة فتركه مطلوب فى الجملة من باب سد الذرائع)) (الإعتصام، ج٢ ص٣٣٣

قال خاتمة المحققين عند السادة الحنفية الإمام ابن عابدين رحمه الله: ((وقد صرح بعض علمائنا وغيرهم بكراهة المصافحة المعتادة عقب الصلوات مع أن المصافحة سنة، وما ذاك إلا لكونها لم تؤثر في خصوص هذا الموضع فالمواظبة عليها فيه توهم العوام بأنها سنة فيه)) وقال: ((ولذا منعوا عن الاجتماع لصلاة الرغائب التي أحدثها بعض المتعبدين لأنها لم تؤثر على هذه الكيفية في تلك الليالي المخصوصة، وإن كانت الصلاة خير موضوع)) وقال الحصكفي فى الدر عن سجدة الشكر بعد الصلاة المكتبوبة: ((لكنها تكره بعد الصلاة لأن الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة وكل مباح يؤدي إليه فمكروه)) ونقل ابن عابدين عن الطحطاوي في شرح هذه العبارة: ((فمكروه الظاهر أنها تحريمية لأنه يدخل فى الدين ما ليس منه)) (النقول من رد المحتار للشامي

وقال الإمام برهان الدين الحنفي البخاري من أئمة القرن السادس عن سجدة الشكر: ((وجه الكراهة على قول النخعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على ما ذكره القدوري أنه لو فعلها من كان منظورا إليه وظن ظان أنه واجب أو سنة متبعة عند حدوث نعمة فقد أدخل فى الدين ما ليس منه وقد قال عليه السلام: من أدخل فى الدين ما ليس منه فهو مكروه)) (المحيط البرهاني

ومن المنقول عن أئمة المذهب (أبي حنيفة وأصحابه) أنه يكره اتخاذ شيء مخصوص من القرآن لركعة خاصة من الصلوات، ووجهه على ما قاله الإمام أبو بكر الجصاص من القرن الرابع: ((ويكره أن يتخذ شيء من القرآن لشيء من الصلوات، وذلك لأنه لو أبيح ذلك لم يؤمن على مرور الأوقات أن يظنه الناس مسنونا أو واجبا كما قد سبق الآن إلى ظن كثير من الجهال في مثله)) (شرح مختصر الطحاوي، دار السراج، ج٨ ص٥٢٥

أقول: صيغ الأذكار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ك: سبحن الله، والحمد لله إلخ) والأعداد المأثورة عنه فى الأوقات الخاصة يتعبد بها، ويطلب هذه الصيغ وهذه الأعداد لذاتها لأن لها قيمة ذاتية فى الدين، أما لو استعمل صيغ غير مأثورة أو أعداد غير مأثورة فلا بأس به من حيث أن الذكر أمر عادي بمعنى أنه معقول المعنى، أي: المقصود منه: حضور ذكر الله فى القلب، ولك أن تقيس عليه باختيار ما يساعدك فيه، ففيه سعة، ولكن لا يتعبد بصيغ وأعداد غير مأثورة، أي: لا يطلب هي لذاتها، وهذا هو وجه منع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جماعة من التابعين الذين اختاروا أعدادا مخصوصة غير مأثورة وحملوا الغير على هذه الأعداد، فإن هذا الحمل يوهم كون هذه الأعداد مطلوبة لذاتها، فأنكر عليهم ابن مسعود أشد الإنكار. أنظر: سنن الدارمي، دار المغني، ج١ ص٢٨٧

أقول: ومن المعلوم أنه ما ليس فيه هذا الإيهام ليس ببدعة ، كأمر له سبب عادي معلوم ظاهر عند العامة والخاصة، مثل نشر العلم فى المدارس وتعيين بعض الكتب للدراسة والتدريس، لا يوهم العامة أن هذه الأشياء مطلوبة لذاتها فى الدين، بل هي أسباب ووسائل عادية، وكذلك تدوين العلم وغير ذلك، ومنها التداوي والصدقة وحفظ الشرع والرقية والتعويذ، كل هذه الأمور مما هو مطلوب في أصله وله معنى معقول، فبناء على المعنى المعقول لك أن تختار وسيلة وصورة تدخل في عموم هذه الأشياء ما دام في حدود الشرع، أما لو اتخذ هيئة وصورة خاصة من هذه الأشياء على وجه يوهم العامة أنها مطلوبة لذاتها فى الدين فممنوع من هذا الوجه، لا في أصل العمل

وبهذا التقرير اندفع كثير من الإشكالات في هذا الباب، وحاصله: أن التعبد بشيء (سواء كان ذلك الشيء أصل أمر أو وصفه)، بمعنى جعل ذلك الشيء أمرا مطلوبا لذاته فى الدين، مع أنه ليس كذلك، من البدع المنكرة، وهذا إما من حيث الإعتقاد وإما من حيث المعاملة معه بحيث يوهم العامة والجهال كونه مطلوبا لذاته

فهذا هو سبب إنكار علماء ديوبند عمل المولد على الهيئة المعروفة بين الناس، فإن هذا العمل وفعله على الدوام في كل سنة في تاريخ معين يوهم العوام بكون هذه الهيئة مطلوبة لذاتها فى الدين

وهذا الرأي مما ينبغي أن يحترم ويعتبر، وله سلف من أئمة أهل السنة

قال الشيخ العلوي المالكي رحمه الله دفاعا عن عمل المولد ((إن الإجتماع لأجل المولد النبوي الشريف ما هو إلا أمر عادي، وليس من العبادة في شيء، وهذا ما نعتقده وندين الله تعالى به)) ثم قال: ((ونحن ننادي بأن تخصيص الإجتماع بليلة واحدة دون غيرها هو الجفوة للرسول صلى الله عليه وسلم)) انتهى

فأجاب عنه المفتي محمد تقي العثماني: ((ولا شك أن ذكر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبيان سيرته من أعظم البركات وأفضل السعادات إذا لم يتقيد بيوم أو تاريخ، ولا صحبه اعتقاد العبادة فى اجتماع يوم مخصوص بهيئة مخصوصة، فالإجتماع لذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الشروط جائز فى الأصل، لا يستحق الإنكار ولا الملامة. ولكن هناك اتجاه آخر ذهب إليه كثير من العلماء المحققين المتورعين، وهو أن هذا الإجتماع، وإن كان جائزا في نفس الأمر، غير أن كثيرا من الناس يزعمون أنه من العبادات المقصودة، أو من الواجبات الدينية، ويخصون له أياما معينة على ما يشوبه بعضهم باعتقادات واهية وأعمال غير مشروعة، ثم من الصعب على عامة الناس أن يراعوا الفروق الدقيقة بين العادة والعبادة. فلو ذهب هؤلاء العلماء – نظرا إلى هذه الأمور التي لا ينكر أهميتها – إلى أن يمتنعوا من مثل هذه الإجتماعات رعاية لأصل سد الذرائع وعلما بأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإنهم متمسكون بدليل شرعي فلا يستحقون إنكارا ولا ملامة. والسبيل في مثل هذه المسائل كالسبيل فى المسائل المجتهد فيها، يحمل كل رجل ويفتي بما يراه صوابا ويدين الله عليه، ولا يفوق سهام الملامة إلى المجتهد الآخر الذي يخالفه في رأيه.)) انتهى

تكملة

هناك من الأسباب العديدة الظاهرة التي توهم العامة بأن لشهر الربيع والليلة الثاني عشر منه فضيلة خاصة للاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعل غيره من الأعمال الصالحة، بحيث يطلب هذه الأيام لذاتها فى الدين، أذكر بعض الأمثلة

يقوم كثير من المحتفلين به ببيان فضائل الربيع وفضائل ليلة المولد، لا أعنى الربيع الوحيد الذي وقع فيه الولادة الشريفة أو فضيلة تلك الليلة الخاصة منه، بل كلما تكرر هذا الشهر وتكرر هذه الليلة فى السنة تثبت هذه الفضيلة عندهم، مع أنه ليس له دليل شرعي، بل الدليل خلافه، فإن ترك عمل يقصد لذاته مع ثبوت الدوافع وعدم الموانع في زمن السلف دليل المنع

فعلى سبيل المثال: قد حض أحد علماء المغرب الناس بأن يكثروا من الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم المولد (أي: ١٢ ربيع الأول) من كل سنة فإن هذا العمل ((في هذا اليوم المعظم تعدل عبادة الثقلين كلها)) (كتاب شراب أهل الصفا). ولا يزال المحتفلون به يذكرون فضائل هذه الليلة وهذا اليوم، والناس لا يفهمون منه إلا كون هذا اليوم أفضل من غيره لحصول الثواب والتقرب عند الله تعالى، وقد سمعت بأذني في محضر عالم عربي مشهور فى الغرب يتكلم فى مسجد كبير يقول: إن هذه الليلة مما يحتفل به أهل السماء أيضا، فضلا عن أهل الأرض! ومقصده كما ظهر للسامعين: ليلة المولد من الربيع في كل سنة. فهذا مما يتسبب في إيهام العوام بأن هذا الشهر وهذا اليوم مطلوب لذاته فى الدين. وأما اجتماعات التبليغ فلا يذكر أحد – فيما أعلم – فضيلة يوم خاصة لها فى الدين

ومع ذلك يتخذ هذا اليوم عند كثير من الناس ((عيدا))، وعيد شعار من شعائر الإسلام، ولو كان قصد أول مسميه به معناه اللغوي أو العرفي لا يفيده فإنه من الواضح أنه يتسبب في اعتقاد الناس أن هذا اليوم له فضيلة خاصة فى الدين ويطلب لذاته. ولذلك أدخل الشاطبي ((اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدا)) في جملة البدعة، وقال: ((إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة وكل بدعة ضلالة)) انتهى


براءة الشيخ إسماعيل الدهلوي من القول بكون تعظيم القبور شركا أكبر

October 30, 2015

قد اشتهر أن الشاه محمد إسماعيل بن الشاه عبد الغني الدهلوي – حفيد الشاه ولي الله الدهلوي – تغالى في رسالته ‘تقوية الإيمان’ فى تكفير المسلمين ورميهم بالشرك، حتى يقال إنه بلغ في هذا الأمر حد الوهابية، بل يدعى البعض أنه تأثر بالدعوة الوهابية مباشرة مع أنه لا دليل على هذه الدعوى أصلا، فإنه رحمه الله كان بعيدا من الوهابية وطنا وزمانا، وإنما دخل الحجاز بعدما تم جلاء الوهابية عنها، وصنف رسائل وكتيبات يتضح منها أنه ليس على منهج محمد بن عبد الوهاب وجماعته، ك:’العبقات’ باللغة العربية و’منصب إمامت’ باللغة الفارسية، وإنه صرح بكون الأشاعرة والماتريدية على الحق، وصرح في ‘تقوية الإيمان’ بجواز التوسل بالصالحين خلافا لما عليه الوهابية النجدية

وقال فيه العلامة شبير أحمد العثماني عند البحث عن التجلي على لسان الصوفية: [وما وجدنا تفصيل أحكام التجلي وتحقيق ماهيته بحيث يطمئن به القلب وينشرح به الصدر مع الفحص الشديد والتتبع البالغ في كتب القوم إلا ما حققه العلامة الجليل والعارف النبيل فقيد المثيل في زماني وعديم العديل في أقرانه سيدي وسندي محمد المدعو بإسماعيل الشهيد الدهلوي قدس الله روحه في كتابه ‘العبقات’ فإنه – جزى الله عنا وعن كل من استفاد من علومه – كفى وشفى حين بين الصبح لذي عينين] إلخ (فتح الملهم، دار إحياء التراث العربي، ج٢ ص٣١٥) وله ترجمة في ‘نزهة الخواطر’ للعلامة المؤرخ عبد الحي الحسني اللكنوي

وقد وقع في رسالته المذكورة أن بعض الأمور التى راجت وعمت فى الديار الهندية معدودة من ‘الشرك’، وقد يتوهم من يقرأها أن مراده بالشرك هو الشرك الأكبر المخرج من الملة الإسلامية، مع أن مراده هو الشرك الأصغر أو الشرك العملي كما صرح به المؤلف نفسه وسيأتى النقل عنه، وكان هذه الحدة فى العبارة دواء عالج بها الشاه إسماعيل الدهلوي الجهلة والعوام في ذلك الزمن الذين كان مبلغ علمهم وعملهم فى الأمور الدينية منحصرا فى العادات والتقاليد والرسوم الشائعة حول المقامات والقبور

أما الشبهات على كتابه هذا وغيره من المؤلفات – من أنه أنكر الشفاعة المحمدية وقال بأن الأرض قد أكلت جسد النبي صلى الله عليه وسلم المبارك وأنه جعل احترامه عليه السلام كاحترام الأخ الأصغر للأخ الأكبر وأنه شنع على من أنكر الجهة لله سبحانه وتعالى إلى غير ذلك – فقد أجاب عنها العلماء وأثبتوا أنها من الإفتراءات عليه، وليس هذا موضع البسط

أقدم للقارئين الكرام هنا ترجمة لجواب حرره الشاه محمد إسماعيل عن سؤال ورد حول استعماله لفظ الشرك في كتابه ‘تقوية الإيمان’. قد نقل جوابه هذا في الفتاوى الرشيدية للعلامة رشيد أحمد الگنگوهي، وعلق عليه العلامة المذكور، فأنقل الجواب والتعليق كليهما فيما يلي معربا

فهذا نص السؤال والجواب

السؤال: لو صدر عن زيد بعض الأعمال الشركية التي ذكرت في تقوية الإيمان كالنذر بغير الله وتقبيل القبر وإسدال الغلاف عليه والحلف باسم غير الله ومثل هذه الأمور، هل يستوجب زيد التسمية باسم ‘الكافر’، وهل يجوز استباحة دمه وماله، وهل يجوز معاملته كمعاملة سائر الكفار، أم لا؟

الجواب: لا يجوز عد زيد كافرا محضا، ومعاملته كمعاملة الكافرين، بناء على هذه الأعمال التي ذكرت فى السؤال فقط، ومن يعامله كمعاملة الكافرين بناء على صدور الأعمال المذكورة منه فهو عاص. وتفصيل ما ذكر في ‘تقوية الإيمان’ هو أنه: كما ورد فى الحديث الشريف أن الإيمان بضع وسبعون شعبة وأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وورد في روايات أخرى أن الحياء شعبة من الإيمان، وورد في عدة من الروايات أن الصبر والمروءة والخلق الحسن شعب من شعب الإيمان، وهذا مع أنه قد يلاحظ كثيرا أن هذه الأوصاف وجدت فى الكافرين، فعلى سبيل المثال: كثير من الكافرين لهم حياء وكثير منهم لهم خلق حسن؛ فبناء على مجرد وجود خصلة إيمانية في هذا الكافر لا يمكن تسميته مؤمنا ولا يعامل كمعاملة المؤمنين، ولكن يجب أن يعلم أن الحياء أحد شعب الإيمان وهي محبوب عند الله وإن لم يكن هذا الشخص بعينه محبوبا عند الله لكونه كافرا، ومع هذا إن خصلته هذه مستحبة، فكذلك الشرك، بما أنه مقابل للإيمان، يجب أن يكون له هذا التعدد في شعبه

لذا لا يسمى أحد مشركا بناء على مجرد حلفه بغير الله، وإن كان من الواجبات عد هذا العمل من أعمال الشرك، وإنكاره وإهانته. ومرتكبه يجب أن يعاتب بالهيئة المناسبة له، لأنه من الممكن أنه كما وجدت فيه هذه الشعبة من شعب الشرك قد وجد فيه كثير من شعب الإيمان أيضا، فيكون مقبولا عند الله بناء على هذه الشعب من الإيمان وإن كان عمله هذا مردودا

وينبغي أن يتذكر أن هذا التفصيل إنما يتأتى فى المرتكب (لهذه الأفعال) الذي لا ينكر الشريعة بواحا. فإنه لو أنكر الشريعة المحمدية – على صاحبها أفضل الصلوات وأكمل التحيات والتسليمات والزاكيات – بواحا، كأن يقول: إن هذا العمل ممنوع فى الشريعة ولكن الشريعة ليست منطبقة عليه وإنما هي منطبقة على غيره فإن دينه الطريقة وليست بالشريعة، فإنه يكون في هذه الصورة كافرا محضا، وتنهدم شعب الإيمان التي كانت فيه، ويكون هو محبوسا فى الغضب الإلهي

كتبه محمد إسماعيل، مصنف ‘تقوية الإيمان’، عفي عنه

جمادى الأولى، ١٢٤٠ ه

وعلق عليه الإمام الرباني الفقيه مولانا رشيد أحمد الگنگوهي بما يلي

جواب مولانا محمد إسماعيل صواب، فإن الأعمال الشركية منها ما هي شرك محض، ومنها ما يصدر من رجال ويحتمل فيها التأويل. النوع الأول منها هو كالسجود لصنم أو شد الزنار، قد صار مرتكب هذه الأفعال مشركا. وأما مرتكب النوع الثاني من الأعمال (الشركية) قد اكتسب هو كبيرة، ولكن لم يخرج من دائرة الإسلام. إن بعض الأمور الشركية شرك أصلي وبعضها أدنى منه، يسمى: شركا دون شرك، فهذه الدرجة الثانية من الشرك ليست شركا حقيقيا. وهذا كالحلف بغير الله الذي يسمى: شركا، ويسمى الرياء: شركا، ويسمى التسمية بغير الله (عند الذبح): شركا. بما أن هذه الأعمال في صورة الشرك تسمى شركا (توسعا). لا يصير الرجل مشركا حقيقيا بارتكابها. والله تعالى أعلم

العبد: رشيد أحمد الگنگوهي، عفي عنه

١٣٠١ ه

(التأليفات الرشيدية، ص ٨٦-٨٨)

ليعلم أن تقوية الإيمان ترجمة للقسم الأول من الكتاب الذي صنفه الشاه محمد إسماعيل باللغة العربية باسم رد الإشراك، الذي قسمه إلى قسمين: القسم الأول في رد الشرك وأنواعه والقسم الثاني في رد البدعة وأنواعها. فقام الشاه محمد إسماعيل بترجمة القسم الأول منه مع شرح وجيز تحت كل آية وكل حديث باللغة الأردوية فسماه تقوية الإيمان، وحذف مقدمته فى الترجمة

وهذا مقدمة كتابه الأصلي باللغة العربية، ويظهر من هذه المقدمة أنه لم يذهب إلى مذهب محمد بن عبد الوهاب وجماعته من تجريد مفهوم الشرك عن الإعتقاد الباطني، بل صرح بكون أصل الشرك مبنيا على الإعتقاد، وإن يتفرع عليه أفعال التعظيم التي هي داخلة في مفهوم الشرك تبعا لا أصلا

 قال رحمه الله

اعلم أن الإشراك – الذي أنزل الكتب الإلهية لإبطاله وبعث الأنبياء لمحقه – ليس مقصورا على أن يعتقد أحد أن معبوده مماثل للرب تبارك وتعالى في وجوب الوجود، أو إحاطة العلم بجميع الكائنات، أو الخالقية لأصول العوالم كالسماء والأرض، أو التصرف في جميع الممكنات، فإن هذا الإعتقاد ليس من شأن الإنسان أن يتلوث به، اللهم (إلا) أن كان ممسوخا كفرعون وأمثاله، وليس لأحد أن يذعن بأن الكتب الإلهية إنما نزلت والأنبياء إنما بعثت لأجل إصلاح أمثال هؤلاء الممسوخين فقط، كيف ومشركوا العرب الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين وقاتلهم وأراق دماءهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم لم يكونوا مذعنين بهذا الإعتقاد، بدليل قوله تعالى: ((قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون: الله، فل: فأنى تسحرون؟)) وأمثال هذه الآية كثيرة جدا. بل معناه أن يشرك أحدا من سوى الله معه تعالى فى الألوهية أو الربوبية. ومعنى الألوهية أن يعتقد في حقه أنه بلغ فى الإتصاف بصفات الكمال من العلم المحيط أو التصرف بمجرد القهر والإرادة مبلغا جل عن المماثلة والمجانسة مع سائر المخلوقين، وذلك بأن يعتقد أنه ما من أمر يحدث سواء كان من الجواهر أو الأعراض فى الأقوال أو الأفعال أو الإعتقاد أو العزائم والإرادات والنيات إلا وهو ممتنع أن يغيب من علمه وهو شاهد عليه أو يعتقد أنه يتصرف فى الأشياء بالقهر أي: ليس تصرفه فى الأشياء من جملة الأسباب بل هو قاهر على الأسباب. ومعنى الربوبية أنه بلغ في رجوع الحوائج واستحلال المشكلات واستدفاع البلايا بمجرد الإرادة والقهر على الأسباب مبلغا استحق به غاية الخضوع والتذلل، أي: ليس للتذلل لديه والخضوع عنده حد محدود، فما من تذلل وخضوع إلا وهو مستحسن بالنسبة إليه وهو مستحق له. فتحقق أن الإشراك على نوعين: إشراك فى العلم وإشراك فى التصرف. ويتفرع منهما: الإشراك فى العبادات، وذلك بأنه إذا اعتقد في أحد أن علمه محيط وتصرفه قاهر فلا بد أنه يتذلل عنده ويفعل لديه أفعال التعظيم والخضوع، ويعظمه تعظيما لا يكون من جنس التعظيمات المتعارفة فيما بين الناس، وهو المسمى بالعبادة. ثم يتفرع عليه: الإشراك فى العادات وذلك بأنه إذا اعتقد أن معبوده عالم بالعلم المحيط متصرف بالتصرف القهري لا جرم أنه يعظمه في أثناء مجارى عاداته بأن يميز ما ينتسب إليه كاسمه وبيته ونذره وأمثال ذلك من سائر الأمور بتعظيم ما. وقد رد الله تعالى في محكم كتابه أولا وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ثانيا على جميع أنواع الشرك على أصوله وفروعه وذرائعه وأبوابه ومجمله ومفصله

ثم سرد آيات وأحاديث في رد الشرك والبدعة لا يمازجه من كلامه إلا قليل


مسألة إمكان الكذب وموقف علماء ديوبند منها

October 22, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

تلخيص رسالة “جهد المقل” لشيخ الهند محمود حسن الديوبندي في مسألة إمكان الكذب

قد طلب مني بعض الإخوة أن أكتب مقالة في موضوع ‘إمكان الكذب’، الذي صار معركة للآراء في شبه القارة الهندية، فأحببت أن ألخص رسالة لشيخ الهند مولانا محمود حسن الديوبندي رحمه الله (١٢٦٨ – ١٣٣٩ ه)، من أكبر علماء الهند وأجلهم في جميع العلوم النقلية والعقلية [له ترجمة في نزهة الخواطر]، مسماة ب: ‘جهد المقل في تنزيه المعز المذل’، بسط فيها الكلام عن مسألة إمكان الكذب، ومنشأ التنازع عنها فى الهند، والحق يقال: هذه الرسالة من عجائب العلم، ظهر منها غزارة علم المؤلف وتبحره فى العلوم النقلية والعقلية ولا سيما علم الكلام والتوحيد

لم أقف على تاريخ تأليف كتابه هذا، لكن يعلم من قرائن الكتاب أنه رحمه الله ألفه في حياة الشيخ إمداد الله المهاجر المكي المتوفى سنة: ١٣١٧ه وبعد سنة ١٣٠٣ ه، فتأليفه إذن وقع ما بين هذين التاريخين (١٣٠٣ – ١٣١٧ ه/١٨٨٦ – ١٨٩٩ ميلادي)، أعني: قبل قرن تام. وهو كتاب كبير يزيد على ٣٠٠ صفحة، في كل صفحة حوالي ٢٥ سطرا وفي كل سطر حوالي ١٥ كلمة. والكتاب صنفه مؤلفه باللغة الأردوية مع نقل العبارات التي استدل بها باللغة العربية

وقسمه إلى سبع مقدمات وثلاثة أبواب، الباب الأول في إثبات دعواه أن الكذب داخل في قدرة الله تعالى القديمة وإنما امتنع وقوعه وصدوره عنه لحكمة والتزامه سبحانه الصدق لا لعدم دخوله فى القدرة، والباب الثاني فى الجواب عن الإعتراضات التي أوردها الخصم على الأدلة التي استدل بها المؤلف، والباب الثالث فى الجواب عن الأدلة التي استدل بها الخصم في إثبات دعواهم أن الكذب لله تعالى ممتنع ذاتيا لا يشمله القدرة القديمة. إنما اطلعت على البابين الأول والثاني من الكتاب، ولم أقف على الباب الثالث منه. فأقدم في هذه العجالة تلخيص ما كتبه فى المقدمات السبع والباب الأول مع بعض الزيادات من الباب الثاني، وأرجو أن يكون هذا كافيا في بيان ما ذهب إليه علماء ديوبند، وأنهم ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه على بصيرة وعلم، لا على أساس الوهم والخيال

مقدمة المؤلف

بين المؤلف (شيخ الهند رحمه الله) في مقدمة الكتاب منشأ الخلاف في هذه المسألة، وهو أن العلامة المنطقي فضل حق الخيرآبادي (١٢١٢ – ١٢٨٩ ه) ألف كتابا في ‘إبطال إمكان النظير’، صنفه ردا على جملة كتبها الشيخ المجاهد الشاه محمد إسماعيل الدهلوي الشهيد (١١٩٣ – ١٢٤٦ ه) في كتابه ‘تقوية الإيمان’ – وهي قوله: ((وشأن ملك الملوك هذا أنه لو شاء لخلق في لحظة واحدة بكلمة ‘كن’ مئات آلاف من الأنبياء والأولياء والجن والملائكة مثل جبرئل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم))* -، فرد على هذا الكلام العلامة المذكور بأنه لا يمكن وجود نظير لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في قدرة الله تعالى إيجاد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، فأجاب عن رده هذا الشيخ إسماعيل الدهلوي، وأثبت الإمكان الذاتي لوجود نظير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبت شمول قدرة الله تعالى إيجاده مع الإمتناع لغيره، وبما أن الخيرآبادي ذكر مسألة استحالة الكذب على الله تعالى استطرادا، أجاب الدهلوي بأن هذه الإستحالة ليست لعدم دخوله فى القدرة القديمة كما زعمه الخيرآبادي، بل هي نتيجة احتراز الله جل وعلا من مثل هذا القبيح، وذكر دليلين عقليين على دعواه هذا – سأذكرهما بعد إن شاء الله. فعندما نشر كلامه هذا أخذ مخالفوه فى التشنيع عليه وعلى ما قاله، محرفين كلامه، حتى يتمكنوا من تنفير العوام عنه. لما كثرت هذه الطعون فى مقالة الشاه محمد إسماعيل الدهلوي وشخصيته، قام تلميذه الشيخ حيدر علي التونكي وغيره من العلماء بالدفاع عنه، وألفوا رسائل في هذين المسألتين – أعني: مسألة إمكان النظير ومسألة إمكان الكذب

وبعد أن مات هذا النزاع لسنوات عديدة أحياه المولوي عبد السميع الرامپوري في مقدمة كتابه: ‘الأنوار الساطعة’، الذي طبع في سنة ١٣٠٣ ه، ورد عليه العلامة المحدث الكبير خليل أحمد السهارنپوري في كتابه ‘البراهين القاطعة’، وانتشر – بسبب هذه المناظرة – الكلام في هذه المسألة بين العوام، وأيد علماء المنطق والفلسفة القائلين باستحالة الكذب على الله تعالى ذاتيا، فصنف المولوي أحمد حسن الپنجابي الكانپوري رسالة سماها: ‘تنزيه الرحمن’، أطال لسانه فيها في شأن العلماء الصالحين، وهذا الكتاب – أعني ‘جهد المقل في تنزيه المعز الذل’ الذي نحن بصدد تلخيصه – صنفه مؤلفه رحمه الله تعالى ردا على الرسالة المذكورة، أي: ‘تنزيه الرحمن’، في أوله مقدمات تفيد في فهم المقصود، ثم إيراد الدلائل النقلية والعقلية في إثبات قول الشيخ إسماعيل الدهلوي رحمه الله في باب، ثم الرد على الإعتراضات التي أوردها الخصم على هذه الدلائل في باب آخر، ثم الرد على ما استدلوا بها في إثبات دعواهم في باب أخير

المقدمات

المقدمة الأولى

تستعمل ألفاظ ‘الإمكان’ و’الجواز’ و’الصحة’ وأمثالها في كلام العلماء وعبارات الكتب لمعان عديدة: كالإمكان الذاتي والإمكان العقلي والإمكان الشرعي والإمكان العرفي، وكذلك ينقسم أضدادها من ‘الامتناع’ و’الاستحالة’ و’عدم الجواز’ و’عدم الصحة’ إلى هذه الأقسام. قد يكون أمر ممتنعا للغير – أي شرعا أو عادة – مع كونه ممكنا في ذاته، أما ما يكون ممكنا فلا يكون إلا ممكنا لذاته. هذا أمر بديهي

كون الأمر واجبا أو ممتنعا أو ممكنا ضرورية حاصلة لمن لم يمارس طريق الإكتساب [كما قاله بعضهم]، وأما كون هذا الحكم ذاتيا أو شرعا أو عرفا فليس بضرورية. فعلى هذا يجب تعيين النوع المراد من لفظ ‘الممكن’ أو ‘المستحيل’ أو ‘الواجب

القضية مركبة من أمرين: الموضوع – وهو الشيء المبحوث عنه أو الموصوف – والمحمول – وهو الحكم أو الوصف. إذا كان المحمول عين الموضوع أو الموضوع جزء منه أو هو لازم ذات الموضوع كان الحمل فى القضية إيجابيا واجبا ضروريا في حد ذاته. مثال الأول (أي: المحمول عين الموضوع): الإنسان إنسان، ومثال الثاني (أي: الموضوع جزء المحمول): الإنسان حيوان، ومثال الثالث (أي: المحمول لازم ذات الموضوع): الأربعة زوج. ويكون أضداد هذه القضايا سلبيا مستحيلا لذاتها، أي: الإنسان ليس بإنسان، الإنسان ليس بحيوان، والأربعة فرد. أما ما سوى هذه المواد الثلاثة، فهو ممكن في ذاته، وإن كان فيها السلب لأمر عارضي فهو مستحيل لغيره، وإن كان فيها الإيجاب لأمر عارضي فهو واجب لغيره

أما في ذات الواجب تبارك وتعالى: إذا كان الحمل في قضية ما يقتضي سلب الذات أو سلب الصفات الحقيقية الذاتية اللازمة للذات فلا شك في كون هذه القضية ممتنعا لذاتها

يظهر من هذا التقرير أن قضية: ((المطيع يعاقب)) وقضية: ((المشرك يغفر)) ليستا ممتنعتين لذاتيهما، فإنه ليس بين المحمول والموضوع فى القضيتين إقتضاء ذاتي وليس بينهما تنافر ذاتي، وإنما ورد السلب فيهما من الخارج. فقول أحد: ((زيد المشرك مغفور له)) أو: ((أبو جهل مؤمن)) أو: ((قد بعث نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم)) مما هو خلاف العلم، ليس بين المحمول والموضوع تخالف ذاتي، فلا يحكم عليها بكونها ممتنعا بالذات – بل بالغير. إنه أمر بديهي أن قول أحد: المشرك مغفور له ليس مثل قول آخر:الأربعة فرد

المقدمة الثانية

يستعمل لفظ ‘الاستطاعة’ ولفظ ‘القدرة’ في كلام العلماء لمعنيين: أحدهما: الصفة القديمة التي تضاد العجز، وهي تشمل جميع الممكنات حتى ما يمتنع لغيره، وثانيهما: التقدير ومقتضى الإرادة والحكمة، وهذا لا يشمل الممكنات التي تمتنع لغيرها

قال صاحب ‘التلويح’: ((فإن قيل القدرة أيضا شاملة لجميع الممكنات فينبغي أن يقع بقوله: أنت طالق في قدرة الله تعالى، أجيب بأنها بمعنى تقدير الله تعالى فيصير من قبيل المشيئة والإرادة)) انتهى

وقال الملا خسرو في حاشيته على التلويح: ((فإذا عرفت هذا فاعلم أن القدرة تستعمل تارة بمعنى الصفة القديمة وتارة بمعنى التقدير…بالتخفيف والتشديد، وكذا قوله تعالى: قدرناها من الغابرين، والقدرة بالمعنى الأول لا يوصف الباري بضدها وهو ظاهر، وبالمعنى الثاني يوصف به وبضده)) انتهى

وقال ابن الهمام رحمه الله: ((ولا يلزم القدرة لأن المراد منها ههنا التقدير وقد يقدر شيئا وقد لا يقدره، حتى لو أراد حقيقة قدرته تعالى تقع فى الحال، كذا فى الكافي)). ونقل هذه العبارة فى الدر المختار ورد المحتار وغيرهما

قال القاضي البيضاوي تحت قوله تعالى حاكيا عن الحواريين: ((هل يستطيع ربك)): ((قيل: هذه الإستطاعة على ما يقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما يقتضيه القدرة)) انتهى

وقال الرازي تحت قوله تعالى: ((فقدرناها فنعم القادرون)): ((إنه من القدرة، أي: فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا إلخ)) ثم قال: ((ثالثا: إن تفسير القدرة بالقضاء، ورابعا: فظن أن لن نقدر عليه، فظن أن لن نفعل)) انتهى

قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في تفيسر قول حجة الإسلام الغزالي ((ليس فى الإمكان أبدع مما كان)): ((حاصل الجواب عن كلام الغزالي المذكور: أن إرادة الله سبحانه وتعالى لما تعلقت بإيجاد هذا العالم وأوجده وقضا ببقاء بعضه إلى غاية وبقاء بعضه لا إلى غاية وهو الجنة والنار كان ذلك مانعا من تعلق القدرة الإلهية بإعدام جميع هذا العالم، لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن، وإعدام ذلك غير ممكن لا لذاته بل لما تعلق به مما ذكرناه إلخ)) انتهى

وبناء على هذا التفصيل يمكن لنا رفع التعارض الذي يظهر في كلام بعض العلماء، فقد قال الفخر الرازي في تفسير: ((هل يستطيع ربك)): ((وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالا غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور)) انتهى

وقد ذهب بعض المعتزلة إلى ظاهر هذا الكلام كما في ‘شرح المواقف’ وغيره أنهم قالوا: ((إن الله لا يقدر على ما أخبر بعدمه أو علم بعدمه والإنسان قادر عليه)) انتهى

والرازي نفسه قال في مواضع من تفسيره أن خلاف المعلوم داخل في قدرة الله تعالى، فطريقة رفع التعارض هنا هو بقولنا: مراده بالمقدور ما هو المراد أو ما هو مقدر في علمه تعالى

المقدمة الثالثة

صفات الله تعالى على ثلاثة أنواع

١. الحقيقية المحضة كالحياة والوجود
٢. الحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة
٣. الإضافية المحضة كالمعية والقبلية وأمثالهما، وعند الأشعرية: الخالقية والرازقية وأمثالهما

فأما النوع الأول من الصفات فليس لهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر، وأما النوع الثالث فلهذه الصفات تعلق من حيث ذواتها بشيء آخر

لا يقع تغير ما فى الصفات الأولى إذ هي عين ذات الله، أما صفة من صفات النوع الثاني فلا يقع تغير في مبدئها وقد يتغير تعلقاتها، وأما صفة من صفات النوع الثالث فلا مانع من التغير فيها

قال في شرح المواقف: ((الصفات على ثلاثة أقسام: حقيقية محضة كالسواد والبياض والوجود والحياة وحقيقية ذات إضافة كالعلم والقدرة وإضافية محضة كالمعية والقبلية وفي عدادها الصفات السلبية ولا يجوز بالنسبة إلى ذاته تعالى التغير فى القسم الأول مطلقا ويجوز فى القسم الثالث مطلقا وأما الثاني فإنه لا يجوز التغير فيه نفسه ويجوز في تعلقه)) انتهى

وفيه أيضا: ((قال الآمدي: ذهب الشيخ الأشعري وعامة الأصحاب إلى أن الصفات منها ما هي عين الموصوف كالوجود ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورازقا ومنها ما لا عين ولا غير إلخ)) انتهى

قال المحقق الدواني في بحث عدم قيام الحوادث بذات الله تعالى: ((المراد من الحوادث ههنا الصفة الحقيقية وأما الصفات الإضافية والسلبية فيجوز التغير والتبديل فيها فى الجملة كخالقية زيد وعدم خالقيته وذلك لأن التبدل فيها إنما يتغير ما أضيف إليه لا يتغير ما في ذاته كما إذا انقلب الشيء من يمينك إلى يسارك وأنت ساكن غير متغير والصفات الحقيقية التي يلزمها الإضافة إنما يتغير تعلقاتها دون نفسها، لا يقال: هذا الدليل جار فى الإضافات والسلوب مع تخلف المدعى عنه لأنا نقول: لا يتم جريان الدليل فيها كلها فإن مثل إيجاد العالم وخالقية زيد ليس من صفات الكمال حتى يكون الخلو عنها فى الأزل نقصا إلخ)) انتهى

فثبت من هذه النقول أن صفات الله تعالى على أقسام، ولكل قسم حكم على حدة، فلا يحكم على جميع الصفات بحكم نوع منها

الصفات الفعلية هي الصفات التي تدل على فعل وأثر، وإطلاقها يدل على حدوث عمل كخلق ورزق وإحياء وإماتة وتصوير وغفران الذنوب وحكمة وغير ذلك، وقد اختلف فيها السادات الأشاعرة والسادات الماتريدية كثرهم الله تعالى. اعتبر الأشاعرة كلا من هذه الصفات حادثا ومتغيرا وعده الماتريدية قديما أزليا. فقال الملا علي القارئ: ((فمذهب الماتريدية أنها قديمة ومذهب الأشاعرة أنها حادثة)) وفى المسامرة شرح المسايرة: ((لأنهم قائلون بأن صفات الأفعال حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة والتعلقات حادثة)) انتهى

وعلى الرغم من هذا الإختلاف، اتفق الأشاعرة والماتريدية على أن مبدأ صفات الأفعال قديم، وهو عند الأشاعرة: القدرة، وعند الماتريدية: التكوين. قال الملا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر: ((فالتخليق والترزيق والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل كالإحياء والإفناء والإنبات والإنماء وتصوير الأشياء والكل داخل تحت صفة التكوين…فالأولى أن يقال أن مرجع الكل إلى التكوين فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياء وبالموت إماتة وبالصورة تصوير إلى غير ذلك فالكل تكوين وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات)) انتهى

وقال ابن الهمام الإمام فى المسايرة: ((والمراد بها صفات تدل على التأثير لها أسماء غير اسم القدرة باعتبار أسماء آثارها والكل يجمعها اسم التكوين)) وقال بالنسبة لمذهب الأشاعرة: ((والأشاعرة يقولون ليست صفة التكوين على فصوله أي تفاصيله سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق والترزيق تعلقها بإيصال الرزق)) انتهى

فالاختلاف إذن لفظي: اعتبر الماتريدية الصفات الفعلية قديمة باعتبار مرجعها ومبدئها وعدها الأشاعرة حادثة باعتبار تعلقاتها الخاصة

نقل الإمام الطحاوي عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه: ((كما أنه محيى الموتى استحق هذا الإسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشاءهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير))، وهذه الجملة الأخيرة تدل على كون الصفات الفعلية قديمة من حيث مبدؤها. قال فى المسايرة بعد نقل هذه العبارة: ((فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق واستحقاق اسمه أي الاسم الذي هو الخالق فى الأصل بسبب قيام قدرته تعالى عليه أي على الخلق فاسم الخالق والحال أنه لا مخلوق فى الأزل لمن له قدرة الخلق فى الأزل، وهذا هو ما تقوله الأشاعرة لا خلاف والله الموفق)) انتهى

فبناء على قول الإمام أبي حنيفة لا خلاف بين الأشاعرة والماتريدية فى المسألة. فقال الملا علي القارئ: ((النزاع لفظي عند أرباب التدقيق كما تبين عند التحقيق إلخ)) انتهى

الحاصل أن الماتريدية جعلوا التكوين فى النوع الثاني من الصفات، والأشاعرة جعلوه فى النوع الثالث. يمكن لنا أن نعبر عن النوعين الأخيرين من الصفات بتعبير آخر، وهو أن الصفات الإضافية نوعان: منها ما هي إضافية محضة كالقبلية ومنها ما هي إضافية ذات مبدء، والتغير في كل منهما ممكن

فثبت أن الصفات الفعلية وإن كانت مبدءها – القدرة أو التكوين – قديم، لكنها من حيث كونها موقوفة على ظهور بعض الأفعال التي هي التعلقات الخاصة والإضافات لهذا المبدأ: هي حادثة ومتغيرة لا محالة. مثلا: إذا قلنا: إن الله صانع العالم، فإن تحقق صنع العالم حادث وإن كان مبدء هذا الصفة قديم. فتحقق صفات الأفعال الخاصة كالإعطاء والمنع والإضرار والإحياء والإماتة حادث

وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الصفات الكمالية كالقدرة والعلم خارجة عن القدرة الإلهية، أما إصدار الأفعال القبيحة التي تخالف العدل (كتعذيب الشخص بذنب غيره) والحكمة (كالسفه والعبث) وأمثالهما فهي في قدرة الله تعالى مع أن وقوعها ممتنع. أما الأفعال التي تقتضي التغير فى الذات أو الصفات الكمالية الحقيقية كالأكل والشرب والحركة والإنتقال وغيرها فهي ممتنعة ذاتيا لا محالة، فإن محل وقوعها ذات البارئ تعالى الذي ليس قابلا لمثل هذه الأفعال فإنه ليس جسما، ومحل وقوع الأفعال كالسفه والعبث والظلم بمعنى وضع الشيء في غير محله فمحل وقوعها غير ذاته تعالى، ولا تقتضي تغيرا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية، فهي من الممكنات في نفسها

ليس العدل والحكمة من الصفات الذاتية الحقيقية، بل هي من الصفات الفعلية الإضافية، فخلاف العدل والحكمة أيضا من الصفات الفعلية. قال في مسلم الثبوت: ((السفه والعبث من صفات الأفعال)) انتهى

النقص فى الأفعال – وهو المراد بقولنا: الأفعال القبيحة – كالسفه والظلم والعبث ليس مثل النقص فى الصفات الذاتية كالجهل بمعنى عدم العلم والعجز والنسيان. استحالة الأول ليس لعدم دخوله في قدرة الله تعالى، واستحالة الثاني لعدم دخوله فى القدرة. والنظامية من المعتزلة لم يفرقوا بين هذين القسمين فقالوا بأن الأفعال القبيحة ليست تحت القدرة أيضا كالنقص فى الصفات الذاتية. الصفات الذاتية الحقيقية أزلية غير متغيرة قائمة بذات الواجب تعالى – وهي الصفات التي يقال فيها أنها ليست عين الذات ولا غيرها، والصفات الإضافية الفعلية ليست كذلك. ففي بعض كتب الكلام: ((ومنها ما هي غيره وهي كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونها خالقا ورازقا)) انتهى

وفرق آخر هو أن الصفات الذاتية الحقيقية الوجودية تختلف حقائقها وكنهها من حقائق هذه الصفات بالنسبة إلى العباد كما يختلف كنه ذات البارئ تعالى من كنه ذوات الخلق، ولكن هذا الاختلاف فى الحقيقة لا يتحقق فى الصفات الفعلية والصفات السلبية. فحقيقة ومفهوم علم الله تعالى وقدرته وكلامه وأمثالها مخالفة من حقيقة هذه الصفات فى العباد، لا اشتراك فى معنى وذاتيات هذه الصفات في شيء، إنما الاشتراك في شيء اعتباري أو إضافي

في شرح العقائد: ((فإن أوصافه من العلم والقدرة وغير ذلك أجل وأعلى مما فى المخلوقات بحيث لا مناسبة بينهما، قال فى البداية: إن العلم منا موجود وعرض وعلم محدت وجائز الوجود ومتحدد في كل زمان فلو أثبتنا العلم صفة لله تعالى لكان موجودا وصفة قديمة وواجب الوجود ودائما من الأزل إلى الأبد، فلا يماثل علم الخلق بوجه من الوجوه)) وقال محشيه: ((حتى إن الاشتراك منها لفظي)) انتهى

أما الصفات الفعلية والسلبية لا مخالفة بين هذه الصفات في حق الله تعالى وفي حق العباد، فإن هذه الصفات ليست عين ذات الله وليس قائمة به، بل منفصل عنه، وما هو منفصل عن ذات الواجب حادث وممكن، فليس هناك سبب لإثبات الفرق بين هذه الصفات وصفات الممكنات

فقول المتكلمين: ((ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ولا محدود ولا معدود ولا منتهاة ولا متبعض ولا متركب ولا ضد له ولا مثل له ولا ند له))، معنى هذه الكلمات في حق الله تعالى مثل معناها في حق العباد، فقالوا أنه ليس بعرض ((لأنه لا يقوم بذاته بل يفققر إلى محل يقوم به)) وليس بجسم ((لأن الجسم مركب فيحتاج إلى الجزء))، وهذه المعاني هي نفس معاني هذه الألفاظ بالنسبة للخلق أيضا

وكذا فى الصفات الفعلية، كالحكمة – التي هي ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي – والإنتقام والصدق والعفو والمنع والإضرار، معنى هذه الصفات بالنسبة للخالق مثل معناها بالنسبة للخلق، وتفسير ‘الصفات الدالة على الأفعال’ فى ‘التفسير الكبير’ للرازي وغيره كاف في إثبات دعوانا هذه

وبناء على هذا الفرق يطلق على العبد أنه متكلم سميع بصير مريد ولا يطلق عليه أنه محي مميت خالق محدث، فإن الأول مختلف الحقيقة والكنه فلا حرج في استعمال نفس الألفاظ، والثاني متحد الحقيقة والكنه فلا يجوز إطلاقها على الخلق

والصدق – كما سيأتي – من صفات الأفعال، بل من إضافات صفة من صفات الأفعال، وحقيقته بالنسبة إلى الخالق مثل حقيقته بالنسبة إلى الخلق، وهو كون الكلام مطابقا للواقع، وكذا معنى الكذب – الذي هو ضد الصدق – بالنسبة إلى الخالق نفس معنى الكذب بالنسبة إلى الخلق – وهو كون الكلام غير مطابق للواقع

وظاهر أن الكذب والعبث والظلم، بل الأكل والشرب والإنتقال والسكون وأمثالها، التي نفيناها عن الله تبارك وتعالى، وننزهه عنها، نحمل معاني هذه الكلمات على ما هو المراد عند إطلاقها على الممكنات

المقدمة الرابعة

يستعمل أهل السنة والجماعة لفظ ‘الكلام’ لله سبحانه وتعالى لمعنيين بطريق الإشتراك اللفظي أو الإشتراك المعنوي أو الحقيقة والمجاز

١. أحدهما: الصفة الحقيقية التي هي واحدة بسيطة قائمة بالذات ليس منفصلا عنه، وهذا هو الكلام النفسي

٢. والثاني: الكلام المنزل على الرسل الذي هو معجز متحدى به مركب من الحروف، وهذا هو الكلام اللفظي

وبما أن الأول واحد بسيط لا مجال للصدق والكذب فيه في حد ذاته فإنه ليس بإنشاء ولا خبر، وإنما يوصف تعلقاته بهذه الأوصاف

قال في شرح المواقف: ((كلامه تعالى واحدة عندنا لما مر فى القدرة، وأما انقسامه إلى الأمر والنهي والخبر والإستفهام والنداء فإنما هو بحسب التعلق، فذاك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء مخصوص يكون خبرا وباعتبار تعلقه بشيء آخر أو على وجه آخر يكون أمرا وكذا الحال فى البواقي)) انتهى

قال في شرح العقائد: ((إنه صفة واحدة تكثر بالنسبة إلى الأمر والنهي والخبر باختلاف التعلقات)) انتهى

وهذه العبارة موجودة في شرح الفقه الأكبر أيضا. قال فى المقاصد: ((المذهب أن كلامه الأزلي واحد يتكثر بحسب التعلق)) انتهى

قال فى المسامرة شرح المسايرة: ((إنما هي أنواع اعتبارية تحصل له بحسب تعلقه بالأشياء فذلك المعنى الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا وباعتبار تعلقه بشيء آخر أو على وجه آخر يكون أمرا وكذا الحال فى البواقي)) انتهى

فثبت أن الكلام النفسي ليس خبرا ولا إنشاء في حد ذاته، فالصدق والكذب فيه لا يتصور، إنما جاء مجال الصدق والكذب بعد تعلقه بخبر ما

وقد اختلف علماء الكلام في أن هذا التعلق، هل هو حادث أو قديم؟ وسيأتي وجه التطبيق بين هذين القولون بإذنالله تعالى.

أما عبد الله بن سعيد بن القطان وأتباعه فيقولون إنه حادث، والجمهور على أنه قديم. قال في شرح العقائد: ((وإنما يصير أحد تلك الأقسام عند التعلقات وذلك فيما لا يزال وأما فى الأزل فلا انقسام أصلا)) وقال بعضهم في تفسيره: ((هذا مذهب بعض الأشاعرة)) انتهى

قال العلامة الجلبي: ((وهو عبد الله بن سعيد القطان وجماعة من المتقدمين، قالوا: إن كلامه تعالى صفة واحدة لا تعدد فيه أصلا، إنما العدد بحسب التعلقات الحادثة بحسب حدوث التعلقات)) انتهى

وفي مسلم الثبوت: ((إعلم أن الأشاعرة كلهم متفقون على أن كلامه فى الأزل واحدة لكن جمهورهم على أن ذلك الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا وباعتبار تعلقه بشيء آخر وعلى وجه آخر يكون أمرا إلى غير ذلك فهو فى الأزل متصف بقسم من الأقسام بحسب التعلقات، وأما ابن سعيد فمع قوله بوحدته فى الأزل يقول إنه ليس متصفا بشيء من الأقسام فى الأزل وإنما يصير أحدها فيما لا يزال)) انتهى

وقال المحقق الدواني: ((فنقول: كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي بصفة الأزلية التي هي مبدأ تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة وتلك الكلمات المرتبة أيضا بحسب وجودها العلمي أزلية…وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة والكلمات لا تعاقب بينها فى الوجود العلمي حتى يلزم حدوثها وإنما التعاقب بينها فى الوجود الخارجي، وهو بحسب هذا الوجود كلام لفظي، وهذا الوجه سالم عما يلزم المذاهب المنقولة إلخ)) انتهى

فعلى هذا، إنما يعتبر التعلقات قديمة بإعتبار وجودها فى العلم الأزلي القديم، أما باعتبار وجودها فى الخارج فهي حادثة

قال فى المسامرة وفي شرح الفقه الأكبر: ((والجواب أن إخبار الله تعالى لا يتصف أزلا بالماضي والحال والمستقبل…وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات، فيقال: قام بذات الله تعالى إخبار عن إرسال نوح مطلقا، وذلك الإخبار موجود أزلا باق أبدا، قبل الارسال كانت العبارة الدالة عليه إنا نرسل وبعد الإرسال إنا أرسلنا، فالتغير في لفظ الخبر لا فى الإخبار القائم بالذات، وهذا كما نقول في علمه تعالى أنه قائم بذاته تعالى أزلا العلم بأن نوحا مرسل وهذا العلم باق أبدا قبل وجوده علم أنه سيوجد ويرسل وبعد وجوده علم بذلك العلم أنه وجد وأرسل، والتغير فى المعلوم لا فى العلم كما مر فى الكلام على العلم والإرادة)) انتهى

فكلام الله تعالى – إذن – خال عن التعينات والتعلقات فى ما لم يزل، وإنما التبس ببعض التعينات فيما لا يزال بسبب تعلقات خاصة. وهذا كالعلم: العلم لا تغير فيه أصلا، إنما التغير فيما يتعلق به العلم أي: المعلوم، الذي وجوده العلمي قديم ووجوده الخارجي حادث

وقال مجدد الألف الثاني الإمام أحمد السرهندي: ((صفة العلم له تعالى صفة قديمة بسيطة حقيقية لا يتطرق إليها تعدد وتكثر أصلا ولو باعتبار تعدد التعلقات لأن هناك انكشاف واحد بسيط انكشفت به المعلومات الأزلية الأبدية وعلم به جميع الأشياء بأحوالها المتناسبة والمتضادة وكلياتها وجزئياتها مع الأوقات المخصوصة بكل واحد منها في آن واحد على وجه يعلم زيدا مثلا في ذلك الآن موجودا ومعدوما وجنينا وصبيا وشابا وشيخا وحيا وميتا وقائما وقاعدا ومستندا ومضطجعا وضاحكا وباكيا ومتلذذا ومتألما وعزيزا وذليلا وفى البرزخ وفى الحشر وفى الجنة وفى التلذذات فيكون تعدد التعلق أيضا مفقودا في ذلك الموطن فإن تعدد التعلقات يستدعي تعدد الآنات وتكثر الأزمنة وليس ثمة إلا آن واحد بسيط من الأزل إلى الأبد لا تعدد فيه أصلا إذ لا يجري عليه تعالى زمان ولا تقدم ولا تأخر فإذا أثبتنا لعلمه تعالى تعلقا بالمعلومات يكون ذلك تعلق واحد ويصير به متعلقا بجميع المعلومات وذلك التعلق أيضا مجهول الكيفية ومنزه عن المثال والكيف كصفة العلم)) المكتوبات، ج١ مكتوب: ٢٦٦

والإعتراضات التي وردت على قول عبد الله بن سعيد قد أجيب عنها في كتب الكلام كالمقاصد وغيره. قال بحر العلوم عن قول ابن القطان: ((وقد رأيت في كتب بعض المحدثين أنهم حكموا بكون هذا الرأي مختارا)) انتهى

وقد صرح كثير من محققي علماء الكلام أن تعلقات الصفات الحقيقية كالإرادة والقدرة حادثة. قال في شرح المواقف: ((فصفة العلم قديمة واحدة غير متناهية ذاتا بمعنى سلب التناهي وغير متناهية تعلقا بمعنى إثبات اللاتناهي في تعلقه بالفعل، والإرادة أيضا كذلك لكن تعلقها غير متناه بالقوة كما فى القدرة، على هذا فقس إلخ)) انتهى

قال في شرح المقاصد: ((وجوابها أن الكلام وإن كان أزليا لكن تعلقاته بالأشخاص والأفعال حادثة بإرادة من الله تعالى واختيار)) انتهى

والذي يهمنا في هذا الموضع إنما هو قولنا: أن الكلام النفسي الذي هو صفة حقيقية بسيطة متعال في حد ذاته عن الخبر والإنشاء، لا احتمال للكذب والصدق فيه، إنما جاء احتمال الإنشائية والخبرية بعد التباسه بالتعلقات العارضة والتعينات المتأخرة

على هذا: إذا قال أحدهم أن الكلام النفسي ممتنع الكذب إنما مراده أن الكذب غير متصور فى الكلام النفسي لبساطته ووحدته وعدم تعلقه في حد ذاته وعدم تصور المطابقة فيه للواقع وعدم المطابقة. وليس مرادهم أنه بعد تسليم الإمكان العقلي يمتنع الكذب فيه ذاتيا لأن الصدق فيه واجب وضروري، بل: الصدق فيه أيضا غير متصور. مثلا: إذا قال أحد أنه يشترط لتحقق الكذب كلام تام، ويمتنع الكذب فى المفردات المحضة، فمنشأ الامتناع هو عدم تصور الكذب، لا أن الصدق فيه واجب وضروري

وأما قولهم بأن الصدق في كلامه واجب فإنما مرادهم به ما يتعلق به الكلام النفسي، لا الكلام النفسي بالمعنى المذكور في حد ذاته. فالحاصل: وصف الكلام بالصدق منزلة نازلة وعدم اتصافه بالصدق والكذب منزلة قادمة

ثم: لفظ ‘الكلام النفسي’ مستعمل لمعنيين في كلام العلماء: أحدهما: مبدأ الكلام ومنشأه قائم بذات الواجب تعالى، قديم وأزلي، وهذا مثل الصفات الذاتية الأخرى كالعلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك، فكما أن مبدء الإنكشاف هو صفة العلم ومبدء ظهور الأثر هو صفة القدرة، فكذلك مبدء التكلم هو الكلام النفسي، وكل من هذه الصفات قديم قائم بذات الواجب لا عين الذات ولا غيره؛ والثاني: مدلول الكلام اللفظي ومراده اللغوي أو الوضعي، وقد يطلق عليه لفظ: العلم

ومثال ذلك أن للإنسان مبدءا وقوة لتكلمه الخارجي، وإذا أراد أن يلفظ كلمات لتعبير معنى بذريعة تلك القوة فقد يوجد – قبل تكلمه – ذلك المعنى في علمه. فكل من المبدء والعلم موجودان قبل التكلم الخارجي

فالمعنى الأول للكلام النفسي قديم كجميع الصفات الحقيقية، والمعنى الثاني له إنما هو قديم باعتبار وجوده العلمي، فإن المعنى الأول يتوقف وجوده على صفة قديمة أزلية في ذات البارئ تعالى مسمى ب’الكلام’، والمعنى الثاني لا يتوقف على مثل هذه الصفة في حد ذاته. والكلام اللفظي يتوقف على كل من هذين المعنيين للكلام النفسي ويدل على كل منهما

فكما أنه يجب لتحقق الإنكشاف كل من العلم الحقيقي والمعلوم ولظهور الأثر كل من القدرة القديمة الحقيقية والمقدورات، فكذلك يتوقف الكلام اللفظي على الكلام النفسي بكلي معنيه: مبدء الكلام ومدلول اللفظ. وكما أن العلم يطلق على مبدء الإنكشاف الذي هو قديم في وجوده الخارجي وكذلك يطلق على المعلوم الذي من متعلقاته ما هو حادث في وجوده الخارجي، فكذلك الكلام النفسي الذي مبدؤه قديم من حيث وجوده الخارجي، وأما مدلول الألفاظ فوجوده الخارجي حادث وهو قديم باعتبار وجوده العلمي

قال المحقق الدواني في شرح العقائد الجلالي: ((إذا تمهد ذلك فنقول: كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي بصفته الأزلي الذي هو مبدء تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة، وتلك الكلمات المرتبة أيضا بحسب وجودها العلمي أزلي، بل الكلمات والكلام مطلقا كسائر الممكنات أزلية بحسب وجودها العلمي، وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة، والكلمات لا تعاقب بينهما فى الوجود العلمي حتى يلزم حدوثها وإنما التعاقب بينهما فى الوجود الخارجي، وهو بحسب هذا الوجود كلام نفسي)) انتهى

فأشار بقوله: ((صفته الأزلي الذي هو مبدء تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة)) إلى المعنى الأول للكلام النفسي، وأشار بقوله: ((إذا تمهد ذلك فنقول: كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي)) وبقوله: ((وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة)) إلى المعنى الثاني له. وقد أقر العلامة الشهاب الخفاجي كلام المحقق هذا في حاشيته على تفسير البيضاوي

وقال الدواني: ((مبدأ الكلام النفسي فينا صفة تمكن بها من نظم الحروف وترتيبها على ما ينطبق على المقصود، وهي صفة ضد الخرس مبدأ للكلام النفسي إلخ)) انتهى

وقال مولانا بحر العلوم في شرح سلم العلوم: ((إلا أنه يشكل بالكلام فإنه صفة قائمة قطعا من دون ارتياب، فيلزم استكمال الباري عز وجل سبحانه، لكن الحق غير خاف، فإن هناك أمرين: أحدهما به يقدر على تأليف الكلام ويقابله الخرس، والآخر صفة الكلام القائم ويقابله السكوت، فالأمر الأول صفة مكملة للذات وهو نفس ذاته، والصفة الأخرى متفرعة عن الأولى، وهي تابعة لها، واستحالة الاستكمال إنما هي فى الصفات الأولى الذاتية، فتأمل فيه فإنه موضع تأمل)) انتهى

وقال الإمام السرهندي: ((وكذلك كلامه تعالى واحد بسيط وهو تعالى متكلم بهذا الكلام الواحد فى الأزل إلى الأبد، فإن أمر أمرا فناش من هناك وإن نهيا فناش أيضا من هناك وإن إعلاما فمأخوذ أيضا من هناك وإن استعلاما فمن هناك وإن تمنيا فمستفادا من هناك وإن ترجيا فمن هناك أيضا)) المكتوب رقم ٢٦٦ من الجزء الأول للمكتوبات

وفى التلويح ما يدل على كون الكلام النفسي مبدء الكلام: ((وهي صفة قديمة منافية للسكوت والآفة ليست من جنس الحروف والأصوات، لا يختلف إلى الأمر والنهي والإخبار ولا يتعلق بالماضي والحال والاستقبال إلا بحسب التعلقات والإضافات، كالعلم والقدرة، وهذا الكلام اللفظي الحادث المؤلف من الأصوات والحروف القائمة بمحالها يسمى كلام الله تعالى والقرآن على معنى أنه عبارة عن ذلك المعنى القديم)) انتهى

قال العلامة الجلبي: ((قوله: عبارة عن ذلك المعنى القديم، قيل: معنى كونه عبارة عنه أنه دال عليه عقلا دلالة الأثر على المؤثر وعلى مبدئه، فإن النطق الظاهري فى الإنسان كما يدل على مبدء له، يغاير العلم والقدرة والإرادة كذلك الكلام اللفظي فى البارئ تعالى يدل على مبدء يغاير سائر الصفات)) انتهى

قال الملا خسرو في شرح التلويح: ((أقول: ليس معنى كونه عبارة عنه أنه عينه كما قال بعد هذا: أن القرآن عبارة عن هذا المؤلف المخصوص والنحو عبارة عن القواعد المخصوصة، وذلك ظاهر ولا أنه دال عليه بالوضع لأن المدلول الوضعي له هو المعاني الوضعية الحادثة، بل معناه أنه دال عليه عقلا، ودلالة الأثر على مبدئه فإن النطق الظاهر فى الإنسان كما يدل على مبدء له يغاير العلم والقدرة والإرادة كذلك فى الباري تعالى يدل الكلام اللغظي على مبدء له يغاير سائر الصفات)) انتهى

أما عن المعنى الثاني للكلام النفسي، قال في شرح المواقف: ((فإذن هو أي المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر صفة ثالثة)) انتهى

وقال في شرح المواقف: ((فإذن هو أي المعنى النفسي الذي يعبر عنه بصيغة الخبر صفة ثالثة)) انتهى

وقال الجلبي: ((ولا يخفى أن المفهوم من عامة كلماتهم هو أن النفسي مدلول اللفظي، وإن كان لا يخلو عن الإشكال)) انتهى

قال في شرح المقاصد: ((الوجه الثاني أن من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك سيجد في نفسه معاني ثم يعبر عنها بالألفاظ التي تسميها بالكلام الحسي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارت بحسب الأوضاع والإصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبها هو الذي نسميه كلام النفس وحديثها)) وهذه عبارة صريحة في كون الكلام النفسي بمعناه الثانية

قال الإمام السرهندي: ((والقرآن كلام الله تعالى أنزل علي نبينا عليه وعلى آله الصلاة والسلام، متلبسا بلباس الحرف والصوت وأمر به عباده ونهاهم، فكما نحن نظهر كلامنا النفسي بتوسط الفم واللسان في لباس الحروف والأصوات نورد به مقاصدنا الخفية في منصة الظهور كذلك الحق سبحانه أظهر كلامه النفسي لعباده في لباس الحرف الصوت بقدرته الكاملة بلا توسط فم ولسان وأجلى أوامره ونواهيه الخفية في ضمن الحرف والصوت على منصة الظهور فكلا قسمي الكلام كلام الحق جل وعلا يعنى النفسي واللفظي)) انتهى

إنما هو المعنى الثاني للكلام النفسي الذي يلتبس بالصوت والحرف، كيف يتصور التباس المعنى الأول بالحرف والصوت؟ والمعنى الأول إنما هو سبب الإلتباس أو معطى الإلتباس لا ما يلتبس

في كتب الكلام: ((لأن كل من يأمر وينهى ويخبر يجد من نفسه معنى ثم يدل عليه بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة )) وفى الشعر المشهور: ((إن الكلام لفى الفؤاد إلخ))، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: ((زورت في نفسي مقالة))، وقال أهل العرف: ((إن في نفسي كلاما أريد أن أذكره لك)). هذا كله ينطبق على المعنى الثاني للكلام النفسي

وقول بعض أهل السنة أن الكلام النفسي ضروري الصدق يدل على المعنى الثاني للكلام النفسي، فإن وصف الصدق لا يتأتى فى المعنى الأول للكلام النفسي – أي مبدء التكلم – وإنما يتحقق فى المعنى الثاني الذي هو مدلول الكلام اللفظي. وقول أهل السنة أن الكلام النفسي لا عين الذات ولا غيره يدل على المعنى الأول للكلام النفسي، فإنه بديهي أن مدلول اللفظ كالمعلومات مغاير ومنفصل عن الذات.

وبعد هذا التفصيل، ينكشف كثير مما أشكل على الناس. فمما اختلفوا فيه هو: هل دلالة الكلام اللفظي على الكلام النفسي: عقلي أو وضعي؟ فيظهر من التقرير السابق أن دلالته على المعنى الأول للكلام النفسي عقلي – دلالة الأثر على المؤثر – كما يدل أفعال الله تعالى على قدرته، ودلالته على المعنى الثاني منه وضعي

قال المولوي عبد الحكيم في حاشية العقايد الجلالي: ((فالكلام اللفظي دال على النفسي الذي هو المعاني دلالة الموضوع على الموضوع له وعلى مبدئه دلالة الأثر على المؤثر)) وهذه عبارة صريحة في إثبات التقرير السابق

فيجب على من دخل في هذا البحث أن يعين مراده من الكلام النفسي: أهو مبدء التكلم أو مدلول الكلام اللفظي؟

زعمت المعتزلة أنه لو اعتبر خبر الله تعالى أزليا للزم الكذب في خبره، فقال شارح المقاصد في جوابه: ((والجواب أن كلامه فى الأزل لا يتصف بالماضي والحال والإستقبال لعدم الزمان وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات وحدوث الأزمنة والأوقات)) ثم قال: ((وتحقيق هذا مع القول بأن الأزلي مدلول اللفظي عسير جدا، وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم)). وهنا أيضا لو استحضر هذا التفصيل بين المعنيين للكلام النفسي لصار العسر المذكور يسيرا، فإن الذي وصف الكلام اللفظي فقط بالمضي وغيره ونفاه عن الكلام النفسي فمراده المعنى الأول للكلام النفسي، ومعنى كونه مدلول اللفظ إنما هو مدلول عقلي لا وضعي. نعم، لو حمل على المدلول الوضعي لأشكل الأمر

وكذلك ينكشف كثير من المشكلات بالتفصيل المذكور كما لا يخفى على الماهر

وأما بالنسبة لتعلقات الكلام النفسي فقد كان فيها إجمال، والآن انجلى الأمر، فإن تعلقات الكلام النفسي بمعناه الأول تكون كتعلق العلم بالمعلومات وتعلق القدرة بالمقدورات، وأما بالمنعى الثاني فمتعلقات الكلام النفسي كتعلق المدلولات الوضعية بدلالاتها. وقد ظهر بهذا التفصيل وجه الإختلاف الذي وقع بين عبد الله بن سعيد وبين الجمهور، فإن عبد الله بن سعيد قال بحدوث التعلقات على المعنى الأول للكلام النفسي، والجمهور قالوا بقدم التعلقات على المعنى الثاني للكلام النفسي باعتبار وجودها فى العلم الأزلي. وهذا الطريق في بيان مذهب عبد الله بن سعيد أحسن وأخصر مما ذكر في مسلم الثبوت وشرح المواقف وشرح المقاصد

يظهر جليا أن كل ما قرر سابقا مستفاد ومأخوذ من كلام الأكابر والعلماء المعتبرين، فإن من عباراتهم ما تدل على المعنى الأول للكلام النفسي ومنها ما تدل على المعنى الثاني ومنها ما تدل على كلي المعنيين

قد يطلق صفة الدال على المدلول، كما فى المقاصد وغيره: ((وإجراء صفة الدال على المدلول شائع مثل سمعت هذا لمعنى وكتبته وقرأته))، وكذا يطلق ‘كلام الله’ على الكلام اللفظي كما يطلق على الكلام النفسي بمعنيه

يقال: ((سمعت علم زيد)) و: ((شاهدت فقه بكر)) و: ((رأيت سرور زيد)) وإنما المسموع والمشاهد أثر هذه الأمور لا أعيانها

لو قال أحد أن الكلام النفسي بمعنى مدلول اللفظ الوضعي صفة قديمة قائمة بنفس البارئ تعالى باعتبار وجوده الخارجي فهذا لا يصح، لأن مدلول اللفظ حادث باعتبار وجوده الخارجي

ومدلول اللفظ الوضعي إنما سمي ‘الكلام النفسي’ لأنه مدلول اللفظي كما أن الكلام النفسي الحقيقي القائم بذات الله تعالى مدلول اللفظ أيضا بدلالة عقلية لا وضعية، وبما أن هذه المدلولات لها وجود فى العلم بالأزل تسمى بهذا الإعتبار ‘الكلام النفسي’ أيضا

فيجب على الخصم أن يعينوا ما هو مرادهم ب’الكلام النفسي’ ثم بيان: هل امتناع الكذب فيه ذاتي أو لا؟ هل يدل الكلام اللفظي عليه بدلالة وضعية أو بدلالة عقلية؟ ومن أي وجه يجب انطباق الصدق والكذب بين النفسي واللفظي؟ ومن غير بيان هذه الأمور لا قيمة لزعمهم أن الكذب فى الكلام اللفظي محال لذاته بناء على كونه منطبقا على الكلام النفسي

[حذفت تلخيص المقدمة الخامسة فإنه ليس فيها كبير فائدة]

المقدمة السادسة

الصدق والكذب فى الكلام اللفظي مندرجان في صفات الأفعال، ولا يندرجان فى الصفات الذاتية الحقيقية، فكما أن الحكمة والعدل والعبث والسفه من صفات الأفعال فكذلك الصدق والكذب فى الكلام اللفظي من الصفات الفعلية عقلا ونقلا. وهذا لأن الصدق والكذب صفة الكلام اللفظي الذي هو حادث ومخلوق عند جمهور أهل السنة، وسيأتي تحقيقه [وهذا فى الباب الثاني من الكتاب الذي لم أتقدم بتلخيصه لطوله، تعرض فيه المصنف لقول القاضي عضد الإيجي فى المسألة وكلام غيره من المحققين]، وذهب الخصم كصاحب ‘تنزيه الرحمن’ إلى أن الكلام اللفظي قديم وقائم بذات البارئ، وإن سلم قدمه يجب أن تكون تعلقاته حادثة، وبما أن الصدق والكذب من تعلقاته الحادثة التي هي تحت قدرة الله تعالى لزم اندراجهما فى الصفات الفعلية

قال في شرح المواقف: ((يمتنع عليه الكذب اتفاقا، أما عند المعتزلة فلوجهين: الأول أنه أي الكذب فى الكلام الذي هو عندهم من قبيل الأفعال دون الصفات قبيح وهو سبحانه لا يفعل القبيح، وهو بناء على أصلهم في إثبات حكم العقل بحسن الأفعال وقبحها مقيسة إلى الله وستعرف بطلانه)) انتهى

والمعتزلة إنما يقولون بالكلام اللفظي، ولا يقولون بالكلام النفسي القائم بذات الله تعالى، فالكلام اللفظي عندنا أيضا من الصفات الفعلية

المقدمة السابعة

هناك فرق كبير بين القدرة على القبائح وصدور القبائح. صدور القبائح من الله تعالى محال عند أهل السنة والجماعة ولكن هي داخلة في قدرة الله تعالى كسائر الممكنات، ولا فساد في عدها مما يدخل في عموم قدرة الله تعالى، وإنما الفساد في صدورها، بل في نفيها من قدرة الله تعالى مخالفة لشمول قدرة الله لجميع الممكنات. ذكر في كتب العقائد: ((قدرته تعالى يعم سائر الممكنات)) و: ((كل ممكن مقدور)) انتهى

وفي صورة دخول القبائح – كالسفه والعبث الظلم بمعنى وضع الشيء في غير محله – في قدرة الله تعالى ليس فيها ما يقتضي امتناعا ذاتيا من الأسباب التي فصلت فى المقدمة الأولى، فكيف يخرج الأفعال القبيحة من قدرة الله تعالى؟ نعم، الأوصاف التي تقتضي انفكاك الذات عن نفسه أو عن لوازمه هي من المستحيلات ذاتا كالأكل والشرب وأمثالهما، وهي خارجة من القدرة القديمة

والحاصل: القول بشمول قدرة الله تعالى للقبائح وأن صدورها ممكن في نفسه هو مذهب أهل السنة، ولكن يمتنع صدورها بمانع خارجي فلا يتحقق أبدا

قال في شرح المطالع: ((فالمانع من صدوره عنه تعالى وهو عدم الداعية والإرادة إلى صدوره حاصل، لا أن القدرة عنه زايلة، فهو قادر على القبيح إلا أنه لم يصدر عنه بعدم إرادة منه إلى صدوره، لا أنه ليس بقادر عليه)) انتهى

ولا يقاس ضد العلم وضد القدرة أي: الحهل والعجز على الأفعال القبيحة كما هو ظاهر

وبالتالي: لا يوصف موصوف بصفة حتى يقوم تلك الصفة به حقيقة، حاء في كتب الكلام القول ب: ((ضرورة امتناع إثبات المشتق للشيء من غير قيام مأخذ الإشتقاق به))، فلا يوصف أحد بالكذب بمجرد قدرته عليه، وإلا لزم وصف الأنبياء والأولياء – نعوذ بالله تعالى – بالقبائح! ولزم وصف الكفار والفجار بالأفعال الحسنة

والآن – بإذن الله تعالى – نعين محل الخلاف بيننا – مؤيدي الشاه إسماعيل الشهيد عليه الرحمة في هذه المسألة – وبين المخالفين. كلنا متفقون على أن الله متكلم، أما كيفة تكلمه وحقيقته فهذا شيء آخر. وكلنا متفقون على أن عقد الكلام اللفظي وإصداره تحت قدرة الله تعالى. ولكن جاء فى القرن الثالث عشر جماعة من العلماء قالوا بأن عقد جملة مخالفة للواقع وتنزيله خارج عن قدرة الله القديمة، ففي حالة قيام زيد يقدر الله تعالى على تأليف جملة: ((زيد قائم)) وتنزيله، وأما في حالة قعوده، فتأليف مثل هذا الكلام وتنزيله خارج من قدرته، وليس ذات البارئ تعالى قادرا على أن يخبر بمثل هذا الكلام المخالف للواقع

وقال جماعة من العلماء – موافقة لأهل السنة والجماعة – أنه قادر مختار فى الحالتين، لكن لا يتحقق فيه إرادة الكذب أو الإخبار بما هو خلاف الواقع، فلا يقع أبدا. فلو تصورنا – على سبيل الفرض – أن آدم عليه السلام لم يأكل من الشجرة أو فرعون لم يدعى الربوبية، يكون عقد كلام: ((عصى آدم ربه)) وكلام: ((فقال أنا ربكم الأعلى)) وتنزيلهما في قدرة الله تعالى كما هو فى الواقع، إلا أن تحقق إصدار مثل هذا ممتنع لتمام صدقه تعالى وحكمته ومقتضى تقدسه ورحمته. كل ما وقع منه أو يقع ضروري الصدق، لو توقف أحد في تصديق شيئ من كلامه لاحتمال عدم الصدق فيه فهو زنديق وملحد وخارج من دائرة الإسلام

فالحاصل أن الجميع متفقون على وجوب الصدق وامتناع الكذب، وإنما اختلفوا في سببه، فجاء مولانا الشاه إسماعيل الدهلوي وأتباعه إلى أن وجوب الصدق وامتناع الكذب مبنيان على إرادة الله واختياره فإنه تعالى يلتزم الصدق ويحترز من الكذب، وجاء مخالفوهم إلى أنهما مبنيان على عدم القدرة على الكذب، فوجوب الصدق عندهم إنما هو لعجزه عن الكذب

والمستدل على كون الكذب فى الكلام اللفظي ممتنعا ذاتيا إما أن يستدل بالدلائل النقلية أو الدلائل العقلية. فلو استدل بالدلائل النقلية فمعلوم من المقدمة الأولى أن مجرد لفظ ‘الممتنع’ و’محال’ وأمثالهما غير كاف في إثبات ما يدعيه، فإنه يحتمل امتناعا غير ذاتي

ولو استدل بالدلائل العقلية فيجب عليه أن يبين وجه لزوم الكذب فى الكلام اللفظي لنقص في ذات الله تعالى أو صفاته الذاتية، ولو لم يتطرق دليله إلى هذا الأمر لا يتم استدلاله

وليس حكم النقص فى الصفات الذاتية مثل حكم النقص فى الصفات الفعلية كما سبق، ويجب أن يعين المخالف الذي يستدل على امتناع الكذب فى الكلام اللفظي ذاتيا بكونه منطبقا على الكلام النفسي، ما هو مراده بالكلام النفسي؟ وما وجه امتناع الكذب فيه؟ ويلاحظ اللبيب المنصف أن مع مراعاة جميع هذه الأمور يبطل أكثر ما يستدلون به

الباب الأول

يجب علينا أن نتبع فى الأمور الاعتقادية: الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع الصحابة والأكابر، وببركة اتباعهم نجد أن العقل السليم موافق لكلامهم، ولا نرسل العقل كما أرسله المعتزلة محرفين لكلام الله والرسول صلى الله عليه وسلم والأكابر، فجعلوا العقل المجرد أصلا فى العقيدة وخاصة في باب الإلهيات وجعلوا النصوص تابعة لعقلهم. وأهل الحق جعلوا النصوص أصلا والعقل تابعا لها

فمثلا: يعلم من النصوص الصريحة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة أن الله وحده خالق الممكنات الموجودة كلها، حتى الشر، وزعمت المعتزلة اعراضا عن هذا الإجماع أنه يلزم من هذا القول عدم صحة تكليف العبد في أفعاله الإختيارية فإنه ليس خالقا لأفعاله، فجعلوا العبد خالقا لأفعاله الإختيارية، وقالوا بأنه يلزم من مخالفتهم وصف الله بعدم العدل والحكمة والرحمة، وقالوا: ((إن العبد لو لم يكن مختارا يقبح تكليفه)). فيأولون – بل يحرفون – كلام الله تعالى ويعرضون عن أقوال الصحابة وإجماعهم وأقوال السلف. واعتقادهم هذا يلزم كون العبد شريكا لله فى الخلق، ففروا – على زعهمهم – من مشكلة ودخلوا في مشكلة أكبر منها، وبتعبير آخر: فروا من المطر وقاموا تحت الميزاب. وجواب أهل السنة هو أن العبد يصح تكليفه فى الأمور الإختيارية بناء على دخل إرادته وكسبه فيها وإن لم يكن خالقا لها. قال فى المسايرة وغيرها: ((فالتحقيق أن عقابه إنما هو على مخالفته مختارا غير مجبور فإن تعلق الإرادة بالمعصية لم يوجبها منه ولم يسلب اختياره فيها ولم يجبره على فعلها)) انتهى

ومثال آخر أنه لا يجب على الله أن يثيب العبد المطيع ولا أن يعذب العبد المسيئ، فإنه هو المختار ويفعل ما يشاء، فيمكن له – في نفسه – أن يعذب المطيع ويثيب المسيئ، ولكن لا يفعل هذا بناء على كرمه وحكمته وصدقه وعدله. قال في شرح المقاصد: ((الثواب فضل من الله تعالى والعقاب عدل من غير وجوب عليه ولا استحقاق من عبد خلافا للمعتزلة إلا أن الخلف فى الوعد نقص لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى فيثيب المطيع البتة انجازا لوعده)) انتهى

والقول بخلافه يعارضه صريح النصوص من قوله تعالى: ((إن الله على كل شيء قدير)) و: ((لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون)) و: ((خالق كل شيء)) و: ((يفعل ما يشاء)). ولا يلزم من دخول شيء في قدرة الله تعالى وقوعه. واستدل المعتزلة الذين يقولون بعدم دخول مثل هذا في قدرة الله بما قال في شرح المقاصد: ((الثالث الآيات والأحاديث الواردة في تحقيق الثواب والعقاب يوم الجزاء فلو لم يجب وجاز العدم لزم الخلف والكذب)) وأجاب فيه بقوله: ((ورد بأن غايته الوقوع البتة وهو لا يستلزم الوجوب على الله ولا استحقاق من العبد على ما هو المدعى))، فوعد الله وخبره إنما يدلان على وقوعه لا على كون خلافه غير مقدور له

وأهل السنة يقولون بعموم قدرة الله مع تنزهه من وقوع القبائح. لو دل قوله تعالى: ((إن الله على كل شيء قدير)) و: ((لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون)) و: ((خالق كل شيء)) و: ((يفعل ما يشاء)) على عموم القدرة وشمولها للقبائح، فإنه دل قوله: ((وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا)) و: ((ربنا ما خلقت هذا باطلا)) و: ((وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين)) و: ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)) و: ((وما الله يريد ظلما للعباد)) و: ((إنه لا يحب الفساد)) على عدم تحققها منه

والمعتزلة المتبعون للنظام (النظامية) قالوا بعدم دخول القابئح – كالظلم والعبث والباطل والعبث – في قدرة الله، والمزدارية – فرقة أخرى من المعتزلة – على طرف آخر، قالوا بأنه لا مانع من وقوع مثل هذه القبائح فتحققها أيضا ممكن! وأهل السنة والجماعة متوسطون بين هذين الطرفين

والأنبياء المعصومون من المعاصي المحفوظون عنه قادرون على فعل المعاصي، وهذا يدل على كمال أفضليتهم، وإلا يجب كون الأشجار والأحجار أفضل منهم من هذا الوجه فإنها لا تقدر على فعل المعاصي أصلا! وهذا باطل البداهة. وكون خواص البشر أفضل من خواص الملائكة هو من هذا الوجه. ولو كان القدرة على القبائح سببا للنقص كما زعمت الخصم لينعكس الأمر. فالحاصل أن القدرة على القبائح من الكمال كما أن الاحتراز منها أيضا من الكمال والفضيلة. ونتيجة الأمر هو أن المعتزلة إنما يثبتون كمال عدل الله وينفون كمال قدرته، وأهل السنة يثبتون الكمال في كليهما. إنما زلت المعتزلة لأنهم لم يفرقوا بين القدرة على القبائح وبين صدورها منه. قال في شرح المواقف: ((وأيضا فالإجماع منعقد على أنهم أي الأنبياء مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان الذنب ممتنعا عنه لما كان الأمر كذلك إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه لما عرفت آنفا)) انتهى

والآن نلفت أنظارنا إلى المسألة التي نحن بصددها. فقول من قال بأن تأليف جملة تخالف الواقع وتنزيله على العباد إخبارا بما لا يطابق الواقع ليس تحت قدرة الله تعالى فهذا قول يخالفه العقل السلم، فإنه ليس فيه ما يقتضي الإمتناع الذاتي ولا يصير الممكن بالذات ممتنعا بالذات بمجرد العوارض والإضافات، وبالتالي قد ثبت شمول قدرة الله لجميع الممكنات. فالقائلون بعدم دخوله فى القدرة سلكوا مسلك المعتزلة في هذه المسألة، وخالفوا إجماع أهل السنة أنه لا يجب على الله شيء. وأهل السنة سلكوا مسلكا بين المزدارية القائلين بإمكان تحقق فعلية الكذب والنظامية القائلين بعدم دخوله في قدرة البارئ تعالى، فنفوا عن الله الجبر – العجز عن الإخبار بما يخالف الواقع – والنقصان أو القبح – فعلية الكذب، وسلكوا مسلكا متوسطا معتدلا

أما أدلة أهل السنة فهي النصوص القطعية الصريحة: ((إن الله على كل شيء قدير)) و: ((يفعل ما يريد)) و: ((خالق كل شيء)) و: ((فعال لما يريد)) انتهى

وعلماء الكلام المعتبرون أيدوا هذا المسلك بإدخالهم جميع الممكنات في قدرة الله تعالى. قال فى المقاصد وغيره: ((لأن المقتضي للقادرية هو الذات والمصحح للمقدورية هو الإمكان، ولا تمايز قبل الوجود يخصص البعض، والأولى التمسك بمثل: والله على كل شيء قدير)) انتهى

قال العلامة الدواني في شرح العقائد: ((ولا بد للمكن على تقدير وجود من الإنتهاء إلى الواجب، وقد ثبت أنه فاعل بالإختيار، فيكون قادرا عليه، لأن العجز عن البعض نقص وهو على الله تعالى محال مع أن النصوص ناطقة بعموم القدرة، كقوله تعالى: وهو على كل شيء قدير)) انتهى

قال في شرح المقاصد: ((فالأولى التمسك بالنصوص الدالة على شمول قدرته مثل: والله على كل شيء قدير)) انتهى

قال العلماء: ((واعلم أن المخالفين في هذا الأصل، أعني عموم قدرته تعالى للممكنات كلها – وهو أعظم الأصول – فرق متعددة))، وفي شرح المقاصد: ((ومنهم النظام وأتباعه القائلون بأنه لا يقدر على خلق الجهل والكذب والظلم وسائر القبائح، إذ لو كان خلقها مقدورا له لجاز صدوره عنه واللازم باطل لإفضائه إلى السفه إن كان عالما بقبح ذلك وباسغنائه عنه وإلى الجهل إن لم يكن عالما، والجواب: لا نسلم قبح شيء بالنسبة إليه تعالى، كيف وهو تصرف في ملكه، ولو سلم: فالقدرة عليه لا تنافي امتناع صدوره عنه نظرا إلى وجود الصارف وعدم الداعي وإن كان ممكنا في نفسه)) انتهى

ومعنى الظلم هنا ليس هو التصرف في ملك الغير والجهل ليس هو ضد العلم. لا ينبغي لقارئ هذه العبارة أن يفهم منه أن مثل هذا الظلم ومثل هذا الجهل في قدرة الله تعالى – والعياذ بالله. معنى الظلم هنا هو وضع الشيء في غير محله والجهل هو ضد الحكمة والحلم. والبيان فيما يلي

قال صاحب منهاج السنة: ((والقول الثاني أن الظلم مقدور والله تعالى منزه عنه وهذا قول الجمهور من المثبتين للقدرة ونفاته، وهو قول كثير من النظار المثبتة للقدر كالكرامية وغيرهم وكثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهو قول القاضي أبي حازم والاقاضي أبي يعلى وغيرهما، وهذا كتعذيب الإنسان بذنب غيره)) انتهى

قال العلامة الشهاب الخفاجي في تفسير قول الله تعالى: ((إن الله لا يظلم مثقال ذرة)): ((قال المحقق: هو لا يفعل الظلم لمنافاته الحكمة لا القدرة لأن الظاهر من قولنا: فلان لا يفعل كذا فى الأفعال التي هي اختيارية في نفسها أنه تركه باختياره، والقادر على الترك قادر على الفعل إلخ)) انتهى

فالظلم الذي يقع تحت قدرة الله عند الجمهور هو وضع الشيء في غير محله كما مثله بقوله: تعذيب الإنسان بذنب غيره

أما الظلم بمعنى التصرف في ملك الغير فلا يمكن بالنسبة إلى الله ذاتيا كما هو ظاهر جدا، فإن الله تعالى لا يخرج من ملكه شيء. قال المحقق الدواني في شرح العقائد: ((والظلم قد يقال على التصرف في ملك الغير وهذا المعنى محال في حقه تعالى لأن الكل ملكه فله التصرف فيه كما يشاء، وعلى وضع الشيء في غير موضعه، والله تعالى أحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأقدر القادرين فكل ما وضعه في موضع يكون ذلك أحسن المواضع بالنسبة إليه وإن خفي وجه حسنه علينا))، فعلى المعنى الأول لا يتحقق محل الظلم بالنسبة إلى الله فيمتنع عقلا وذاتا، وعلى المعنى الثاني يتحقق محله فيمكن بالذات وإن امتنع بالغير

وورد لفظ الجهل بالمعنى المذكور فى التنزيل: ((قال: إنكم قوم تجهلون)) وقال: ((ولكني أراكم قوما تجهلون)) قال البيضاوي: ((تسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل)). وجاء فى الحديث: ((وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم)). ومعنى الجهل هنا مثل الشتم والضرب والطعن. قال شراح الحديث: ((الجهل كما يطلق على مقابل العلم كذلك يطلق على مقابل الحلم)). قال الخفاجي في حاشية البيضاوي: ((فيكون الجهل بمعنى آخر وهو الجناية على الغير وفعل ما يشق عليه قولا أو فعلا، وهو معنى شائع كقوله: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا)) انتهى

أما شبهات النظامية فتندفع بقولنا: إن هذه الأشياء ممكنة بالذات وممتنعة بالغير

وبالتالي، قال علماء الأصول أن التخصيص في نص عام من نصوص الشريعة لو كان بطريق العقل يكون هو بمنزلة الإستثناء، فلا يصح التخصيص بعده بالقياس. قال فى التوضيح: ((فإن المخصص إذا كان هو العقل ونحوه فهو في حكم الإستثناء على ما يأتي ولا يورث شبهة إلخ)) قال فى التلويح: ((فإن كان المخصص هو العقل كان العام قطعيا فى الباقي لعدم مورث الشبهة إلخ))، فلما خرج من الآية ((خالق كل شيء)) ذات الله وصفاته بالبداهة وخرج من قوله: ((إن الله على كل شيء قدير)) الممتنعات بالذات كالأكل والشرب بالبداهة، بقي النص بعد هذا التخصيص على عمومه وقطعيته

فالكذب – كخلاف العدل – داخل في قدرة الله، فإنه داخل في عموم قول الله: ((إن الله على كل شيء قدير))، وهو ليس مثل الأكل والشرب كما سبق. فكما أن تعذيب المطيع داخل في قدرته تعالى ولكن يمتنع لمانع، فكذلك تأليف جملة تخالف الواقع داخل في قدرته وإن امتنع صدوره لمانع

قال في شرح المواقف: ((الرابعة النظام ومتبعوه قالوا: لا يقدر على الفعل القبيح، لأنه مع العلم بقبحه سفه ودونه جهل وكلاهما نقص ننزهه تعالى عنه، والجواب أنه لا قبح بالنسبة إليه فإن الكل ملكه فله أن يتصرف فيه على أي وجه أراد، وإن سلم قبح الفعل بالنسبة إليه فغايته عدم الفعل بوجود الصارف عنه وهو القبح وذلك لا ينفى القدرة عليه)) انتهى

فالقبائح التي أخرجتها المعتزلة من قدرة الله تعالى لا نسلم أولا كونها قبيحا بالنسبة إلى الله فإن القبح إنما يتحقق بالنسبة إلى منفعة العباد ومصلحتهم، وبسبب هذه المصلحة يحترز عنها الله تعالى اختيارا وإرادة لا جبرا وعجزا

والكذب وإظهار المعجزة على يد الكاذب سواء فى القبح كما فسره بعضهم. وقال في شرح المقاصد: ((ظهور المعجزة على يد الكاذب لأي غرض فرض وإن جاز عقلا على شمول قدرة الله، فهو ممتنع عادة معلوم الإنتفاء قطعا كما هو حكم سائر العاديات)) انتهى

قال في شرح الصحائف: ((قلت: إن فعل القبيح من غير حاجة محال، فإن أردت أنه محال لذاته فذلك غير مسلم لأنا نعلم ضرورة أن ذلك الفعل لا يقتضى عدمه لذاته، بل نعلم أن نسبة وجوده وعدمه إلى ذاته واحدة، وإن أردت أنه محال لأن الله تعالى قادر حكيم لا يريد أن يفعل مثل ذلك الفعل، فذلك مسلم، لكن ذلك لا يوجب انتفاء القدرة عليه، بل تركه بقدرته وإرادته)) انتهى

هذا نص صريح في إثبات دعوانا. قال في بعض الحواشي: ((قالوا: إن الخلف فى الوعيد لا يعد نقصا بل يعد كرما يمدح به الباري تعالى، بخلاف الخلف فى الوعد فإنه يعد نقصا يجب تنزيه الله تعالى عنه إذا الخلف بالكرم لا يليق بالكريم القادر عليه، والحق أن الخلف جائز عقلا مطلقا، لكنه غير واقع بالكتاب والسنة والإجماع)) انتهى

فالخلف جائز عقلا، والخلف من أفراد الكذب كما هو ظاهر. وقال صاحب منهاج السنة: ((اعلم أن الله تعالى لما قال في كتابه العظيم: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها الآية، وقال الجمهور أن الظلم مقدور، فكان الجمهور قالوا: إن خلف الوعد جائز ممكن وإن كان الله لا يخلف وعده أبدا دائما لأنه حكيم كريم ورحمته غالبة على غضبه)) انتهى

قال فى المسامرة شرح المسايرة: ((إذ لا شك في أن سلب القدرة عما ذكر من الظلم والسفه والكذب هو مذهب المعتزلة وأما ثبوتها أي القدرة على ما ذكر ثم الإمتناع عن متعلقها اختيارا بمذهب أي فهو بمذهب الأشاعرة أليق منه بمذهب المعتزلة، ولا يخفى أن هذا الأليق أدخل فى التنزيه أيضا، إذا لا شك في أن الإمتناع عنها أي عن المذكورات من الظلم والسفه والكذب من باب التنزيهات عما لا يليق بجناب قدسه تعالى، فيسبر بالبناء المفعول، أي: يختبر العقل في أن أي الفصلين أبلغ فى التنزيه عن الفحشاء؟ أهو القدرة عليه أي على ما ذكر من الأمور الثلاثة مع الإمتناع أي امتناعه تعالى عنه مختارا لذلك لا الإمتناع أو الإمتناع عنه لعمد القدرة عليه، فيجب القول بأدخل القولين فى التنزيه وهو القول الأليق بمذهب الأشاعرة)) انتهى

هذه العبارة صريحة في إثبات الدعوى، بل يعتبر قول المخالفين مذهب المعتزلة، وأيد هذه العبارة فى التحرير وشرحه التقرير: ((وذكر فى المسايرة بطريق الإشارة فى الجملة أن الثاني أي أنه يقدر ولا يفعل قطعا أدخل فى التنزيه)) انتهى

قال القاضي عضد الدين في شرح مختصر الأصول: ((وقد يقال: إن امتناع الفعل لقيام صارف عن القبيح لا ينفى الإختيار)) ثم قال: ((الجواب عن الأول: لا نسلم امتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب والكذب على الله تعالى امتناعا عقليا، وإن كنا نجزم بعدمه لأنهما من الممكنات وقدرته شاملة)) وهذا نص صريح في إثبات الدعوى

زعمت المعتزلة أنه لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لما امتنع الكذب ولجاز إظهار المعجزة على يد الكاذب فلا يمكن إثبات النبوة، فأجاب عن هذه الشبهة في مسلم الثبوت هكذا: ((وقد يجاب بأنا لا نسلم امتناع الكذب على الله تعالى وامتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب امتناعا عقليا لأنهما من الممكنات، وقدرته شاملة، ولو سلم الإمتناع فلا نسلم أن انتفاء القبح العقلي يستلزم انتفاؤه لجواز أن يمتنع لمدرك آخر وهو العادة، إذا لا يلزم من انتفاء دليل معين انتفاء العلم بالمدلول، ولا يخفى ضعفهما)) انتهى

أما قول المصنف بضعف الجوابين فليس مراده ضعف مضمونهما، بل مراده بضعفهما هو إيرادهما جوابا عن شبهة المعتزلة، والدليل على أن هذا هو المراد: تأييد صاحب المسلم القول بالإمكان الذاتي للكذب في موضع آخر من كتابه. قال في بحث التكليف: ((وأما الصوري بأن يتلفظ بصيغة الأمر ويقول: أوجد المحال، وآت باجتماع النقيضين فما هو إلا كقولك: إجتماع النقيضين واقع، وإنما قيل امتناعه لمدرك آخر لو تم لتم)). وبيان المراد بهذه العبارة كالتالي

قال بعض الأشاعرة: يمكن لله عز وجل تكليف العبد بما لا يطاق، وقال الماتريدية ومحققو الأشاعرة أنه ليس بممكن. ودليل القائلين بعدم إمكانه كما فسره صاحب المسلم أنه إذا كان الطلب من آمر حقيقيا – بأنه فى الحقيقة يريد تحقق ذلك المأمور به من المأمور – فيجب تصور وقوع هذا الأمر في ذهن الآمر، والممتنع بالذات غير متصور الوقوع للآمر العليم، فلا يأمر بمثله. فأجاب القائلون بإمكانه: لا يجب تصور الآمر تحقق وقوع المأمور به، إنما يجب التلفظ بمثل: أوجد المحال أو: آت باجمتاع النقيضين. فأجاب صاحب المسلم عن هذه الشبهة بما نقلنا عنه: ((وأما الصوري بأن يتلفظ بصيغة الأمر ويقول: أوجد المحال، وآت باجتماع النقيضين فما هو إلا كقولك: إجتماع النقيضين واقع، وإنما قيل امتناعه لمدرك آخر لو تم لتم)) أي: قولنا بعدم إمكان تكليف العبد ما لا يطاق مبني على كون الطلب طلبا حقيقيا، أما الطلب الصوري بأن لا يطلب الآمر فى الحقيقة تحقق ذلك المأمور به من المأمور فهو جائز بالذات، وما هو إلا كقول: ((إجتماع النقيضين واقع)) من غير اعتقاد حقيقة الكلام [وهو عين الكذب]. فالتلفظ بمثل هذا الكلام من غير اعتقاد حقيقته ممكن. فقال محشي مسلم الثبوت: ((فإن الإخبار حقيقة غير صحيح وإن كان التلفظ به صحيحا))، ولكن لا يليق مثل هذا التلفظ لأحكم الحاكمين، فقال: ((وإنما قيل امتناعه لمدرك آخر لو تم لتم))، وهذا المدرك الآخر هو تنزه الله عن السفه وما يخالف الصدق والعدل والحكمة

هذا، وقال في شرح المواقف: ((النظامية أصحاب إبراهيم بن سيار النظام وهو من شياطين القدرية، طالع كتب الفلاسفة، وخلط كلامه بكلام المعتزلة، قالوا: لا يقدر أن يفعل بعباده فى الدنيا ما لا صلاح لهم فيه، ولا يقدر أن يزيد فى الآخرة أو أن ينقص من ثواب وعقاب لأهل الجنة والنار، توهموا أن تنزيهه تعالى من الشرور والقابئح لا يكون إلا بسلب قدرته عليها، فهم في ذلك كمن هرب من المطر إلى الميزاب)) انتهى

قال في شرح المواقف: ((وأما العقاب ففيه بحثان: الأول: أوجب جميع المعتزلة والخوارج عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة ولم يجوزوا أن يعفو الله عنه بوجهين الأول: أنه تعالى أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به أي بالعقاب عليها، فلو لم يعاقب على الكبيرة وعفا لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره وإنه محال؛ والجواب: غايته وقوع العقاب فأين وجوب العقاب الذي كلامنا فيه إذ لا شبهة في أن عدم الوجوب مع الوقوع لا يستلزم خلفا ولا كذبا، لا يقال: إنه يستلزم حوازهما وهو أيضا محال لأنا نقول: استحالته ممنوعة، كيف وهما من الممكنات التي تشملهما قدرته تعالى))، وهذا نص صريح واضح

قال الأصفهاني في شرح الطوالع: ((وقال النظام أنه تعالى لا يقدر على خلق القبح لأن فعل القبيح محال والمحال غير مقدور، أما أن فعل القبيح محال فلأنه يدل على جهل الفاعل وحاجته وهما محالان على الله تعالى، والمؤدي إلى المحال محال، وأما أن المحال غير مقدور فلأن المقدور هو الذي يصح إيجاده وذلك يستدعي صحة الوجود، والممتنع ليس له صحة الوجود. وجوابه: أنه لا قبيح بالنسبة إلى الله تعالى، وإن سلم أن القبيح قبيح مطلقا ولكن المانع من فعله متحقق لا أن القدرة زائلة لأن القبيح حينئذ يكون محالا لغيره والمحال لغيره ممكن لذاته مقدور فكونه مقدورا لا ينافي كونه محالا لغيره)) انتهى

قال في طوالع الرومي: ((جوابه أنه لا قبيح بالنسبة إليه لأنه مالك الأمور كلها وإن سلم أن القبيح قبيح مطلقا وبالنسبة إليه أيضا فالمانع من صدوره عنه تعالى وهو عدم الداعية والإرادة إلى صدوره حاصل لا أن القدرة عنه زائلة، فهو قادر على القبيح إلا أنه لم يصدر عنه لعدم إرادة منه إلى صدوره لا أنه ليس بقادر عليه)) انتهى

قال في شرح التجريد للأصفهاني: ((وكلامه تعالى صادق لأن الكذب قبيح لا يجوز على الله تعالى لأنه حكيم والحكيم لا يصدر عنه القبيح))، فالاستحالة بسبب حكمته ولا يلزم من هذا عدم دخوله فى القدرة

والكذب وإن كان ممكنا في نفسه لكنه محال – لا محالة – بالغير. قال في شرح المقاصد: ((فإن قيل: التمسك بالكتاب والسنة يتوقف على العلم بصدق كلام الله تعالى وكلام الرسول عليه السلام ودلالة المعجزة وهذا لا يتأتى مع القوم بأنه خالق كل شيء حتى الشرور والقبائح وأنه لا يقبح منه التلبيس والتدليس والكذب وإظهار المعجزة على يد الكاذب ونحو ذلك مما يقدح في وجوب صدق كلامه وثبوت النبوة ودلالة المعجزات، قلنا: العلم بانتفاء تلك القوادح وإن كانت ممكنة في نفسها من العاديات الملحقة بالضروريات)) انتهى

قال فى المواقف: ((الرابع: لو لم يقبح من الكذب وإظهار المعجزة عند الكاذب لم تثبت النبوة، قلنا: ربما يمكن الشيء ويقطع بعدم وقوعه كسائر العاديات)) انتهى

قال في شرح المواقف: ((والجواب أن الإمكان العقلي لا ينافي الجزم بعدم الوقوع أصلا كسائر العاديات)) انتهى

قال فيه أيضا: ((والجواب أن مدرك امتناع الكذب منه تعالى عندنا ليس هو قبحه العقلي حتى يلزم من انتفاء قبحه أن لا يعلم امتناعه منه، إذ يجوز أن يكون له مدرك آخر وقد تقدم هذا في مباحث كونه تعالى متكلما ودلالة المعجزة على صدق المدعي عادية فلا يتوقف على امتناع الكذب كما في سائر العلوم العادية التي ليست نقائضها ممتنعة، فنحن نجزم بصدق من ظهرت المعجزة على يده مع أن كذبه ممكن في نفسه،فلا يلزم التباس)) انتهى

قال فيه أيضا: ((الخامس أنه لا يلزم من تصديق الله إياه صدقه إلا إذا علم استحالة الكذب على الله تعالى)) ثم أجاب: ((الجواب الإجمالي ما قررناه غير مرة أي مرارا من أن التجويزات العقلية لا ينافى العلم العادي كما فى المحسوسات)) انتهى

وهذه عبارات صريحة في إثبات دعوانا بحمد الله تعالى. ونقل أخيرا عبارة للمحقق الدواني للفائدة

قال المحقق الدواني في شرح العقائد في تأييد قول أهل السنة: ((ولا يجب عليه شيء)): ((لأن الواجب إما عبارة عما يستحق تاركه الذم كما قال بعض المعتزلة أو عما تركه مخل بالحكمة كما قاله بعض آخر أو ما قرر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه وإن كان تركه جائزا كما اختاره بعض الصوفية والمتكلمين كما يشعر به ظواهر الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى ثم إن علينا حسابهم وقوله عليه السلام حاكيا عن الله يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي والأول باطل لأنه تعالى هو المالك على الإطلاق وله التصرف في ملكه كيف يشاء فلا يتوجه إليه الذم أصلا على فعل من الأفعال بل هو المحمود في كل أفعاله وكذا الثاني لا نسلم إجمالا بأن جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح ولا يحيط علمنا بحكمته والمصلحة فيه على أن التزام رعاية الحكمة والمصلحة لا يجب عليه تعالى، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، وكذا الثالث لأنه إن قيل بامتناع صدور خلافه عنه تعالى فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك وإن لم يقل به فأين معنى الوجوب إذ حينئذ يكون محصله أن الله تعالى لا يتركه على طريق جري العادة وذلك ليس من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب مجرد اصطلاح)) انتهى كلامه

فانظر قوله: التزام رعاية الحكمة والمصلحة لا يجب عليه تعالى.

وأما الدلائل العقلية لإثبات دعوانا فهي كالتالي

١. يستطيع أكثر الناس تأليف كلام غير مطابق للواقع وإلقائه على المخاطب، فالقول بأن الله لا يقدر على مثل هذا يلزم القول بأن الإنسان أقدر من الله من هذا الوجه، وهو باطل بالبداهة. قاله الشيخ إسماعيل الشهيد في رده على العلامة فضل حق الخيرآبادي

٢. الكمال والفضيلة إنما في الاحتراز عن الشيء القبيح بالاختيار والإرادة لا عجزا وجبرا، وإلا يجب مدح الجامدات لانتفاء الكذب عنهم. قاله الشيخ إسماعيل الشهيد أيضا

٣. الصدق ليس عين ذات الله ولا من صفاته الذاتية الحقيقية، وليس فى القول بضده ما يقتضي سلب ذات الله عن حقيقته أو سلبه عن لوازمه

٤. الصدق والكذب من صفات الكلام اللفظي الذي هو مخلوق وحادث، وكل مخلوق مقدور لله تعالى، فالصدق والكذب إذن في قدرته. واتصاف المتكلم بالصدق والكذب إنما هو اتصاف إضافي، بل هو إضافة أمر إضافي! فإن الصدق والكذب ليسا من صفات الكلام نفسه، فكيف يكونان من صفات ذات المتكلم؟! الكلام إنما يكون صادقا أو كاذبا باعتبار مطابقته للواقع أو عدم مطابقته له، وهذا أمر إضافي. وبناء على هذا قد يكون كلام في حالة صدق ويكون نفس ذلك الكلام كذب في حالة أخرى. وإنما يوصف المتكلم بأنه صادق أو كاذب بسبب تلفظه مثل هذا الكلام

الباب الثاني

الباب الثاني من الكتاب طويل جدا، ولكن ألخص منه بعض مباحث مهمة

المبحث الأول

قال المحقق الدواني: ((قلت: الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال فلا يكون من الممكنات ولا يشمله القدرة كما لا يشمل القدرة سائر وجوه النقص عليه تعالى كالجهل والعجز ونفي صفة الكلام وغيرها من الصفات الكمالية)) انتهى

هذا أصرح العبارات تفيد الخصم، وليس لهم عبارة أقوى منها، ولكن عندنا لا يذهب المحقق الدواني إلى الإمتناع الذاتي للكذب (كما هو ظاهر العبارة)، والبيان فيما يلي

ذكر في شرح العقائد الجلالي وفي شرح المواقف وغيرهما أن صاحب الكبيرة الذي مات قبل التوبة يجب على الله تعذيبه عند المعتزلة والخوارج ولا يقدر على العفو عنهم، وقال أهل السنة: ليس بواجب عليه، بل قد يتحقق العفو عنه فليس ممتنعا بالغير أيضا

فأجاب المعتزلة: قد أخبر الله في كثير من الآيات أنه يعذب صاحب الكبيرة، فيجب تعذيبه، وإلا يلزم الكذب والخلف في وعيده

وأجاب في شرح المواقف وشرح المقاصد وغيرهما عنه بأن استدلالهم هذا غايته وجوب وقوع العذاب لا وجوبه على الله تعالى وامتناع العفو على ما هو دعواهم، فإنه لا تلازم بين عدم الوجوب وعدم الفعلية

وزاد في شرح المواقف أنه بقي شبهة الخلف والكذب فإنه إذا قلنا بعدم وجوب العذاب سلمنا إمكان الكذب والخلف، فقال: ((نقول استحالتهما ممنوعة، كيف وهما من الممكنات التي يشملها قدرته تعالى)) انتهى

وقال المحقق الدواني عن قول شارح المواقف هذا: ((قلت: الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال فلا يكون من الممكنات ولا يشمله قدرة الله تعالى كما لا يشمل القدرة سائر وجوه النقص عليه تعالى كالجهل والعجز ونفي صفة الكلام وغيرها من الصفات الكمالية)) انتهى

وقول المحقق هذا مبني على مشكلة في قول شارح المواقف، وهو أن أهل السنة لم يقل بإمكان العفو عن صاحب الكبيرة بالذات فقط، بل قالوا بإمكانه تحققا وفعلا أيضا، فقول شارح المواقف هذا يلزم منه – على قول أهل السنة – وقوع الكذب وصدوره عنه، وهو باطل قطعا، والقول بأن ((عدم الوجوب مع الوقوع لا يستلزم الخلف)) لا يستقيم على مذهب أهل السنة في مسألة العفو عن صاحب الكبيرة. فقد يتوهم قارئ كلام شارح المواقف أن كلامه: ((وهما من الممكنات التي يشملها قدرته تعالى)) هو فى الإمكان الوقوعي لا الإمكان الذاتي، بناء على مذهب أهل السنة فى المسألة، فرد عليه المحقق الدواني بقوله: ((فلا يكون من الممكنات ولا يشمله القدرة))، أي: فلا يكون وقوع الخلف والكذب وصدورهما عنه من الممكنات بالفعل، أما قوله: ((ولا يشمله القدرة)) فهو كلام ظاهره مشكل، ولنا أن نحمله على القدرة بمعنى التقدير والإرادة وإن كان هذا الحمل بعيدا. ويدل على كون هذا هو مراد الدواني ما قاله بعد هذه العبارة، وهو الجواب الصحيح عن إلزام المعتزلة: ((بل الوجه في الجواب ما أشرنا إليه سابقا من أن الوعد والوعيد مشروطتان بقيود وشروط معلومة من النصوص فيجوز التخلف بسبب انتفاء بعض تلك الشروط)) انتهى

والحق أن جواب الدواني وجواب شارح المواقف كليهما صحيح في موضعهما، فجواب شرح المواقف جواب إلزامي، أي: هذا غاية استدلالكم أنه يوجب وقوع العذاب لا عدم القدرة على العفو، وليس جوابه هذا مبنيا على قول أهل السنة فى المسألة، فمراده بالإمكان هو الإمكان الذاتي والمقدورية لا الإمكان الوقوعي، وأما قول المحقق الدواني فهو جواب تحقيقي ومبني على ما هو قول أهل السنة فى المسألة

قال في شرح المقاصد: ((الثالث: الآيات والأحاديث الواردة في تحقق الثواب والعقاب يوم الجزاء فلو لم يجب وجاز العدم لزم الخلف والكذب، ورد بأن غايته الوقوع البتة، وهو لا يستزلم الوجوب على الله والاستحقاق من العبد على ما هو المدعى، هذا والمذهب جواز الخلف فى الوعيد بأن لا يقع العذاب، وحينئذ يتأكد الإشكال)) انتهى

وتأكد الإشكال الذي ذكره هو لزوم وقوع الكذب والخلف وهما لا يجوز، فهذا هو الإشكال الذي أراد الدواني حله والجواب عنه. أما النقص الذي ذكره المحقق فهو النقص أو القبح فى الأفعال، وقد سبق أن القبح فى الأفعال ممكن بالذات وممتنع بالغير

المبحث الثاني

اعترض الخصم على الدليل الأول من الدلائل العقلية – وهو إلزام الخصم بالقول بأن الإنسان أقدر من الله – أنه يلزم على هذا الدليل القول بأن الله تعالى يقدر على الأكل والشرب إلخ فإن الإنسان يقدر عليها. والجواب عن هذا الإعتراض أن الأكل والشرب وأمثالهما من خواص الأجسام ومن لوازم الممكنات، وصدورها لا يتصور بغير الجسمية، فصدور مثل هذه الأفعال يلزم تغيرا كبيرا في ذات الله وصفاته الذاتية، وهذا ممتنع بالذات كما تقدم. وبالتالي: ليس فعل الأكل وغيره بالنسبة إلى الله مثل فعل الأكل وغيره بالنسبة إلى الخلق، فإن ذات البارئ تعالى ليس محلا للأكل والشرب وغيرهما، وليس في قدرة الخلق أيضا أن يجعلوا ما ليس بجسم آكلا شاربا. أما الكذب بالنسبة إلى الخالق وبالنسبة إلى الخلق فليس بينهما مخالفة، فإن الكلام اللفظي لا فرق في حقيقته بالنسبة إلى الخالق وبالنسبة إلى المخلوق. نعم، كيفية التكلم يخالف، ولكن لا يخالف حقيقة الكلام اللفظي. فعلى هذا يكون ما يتركب منه الكلام نفس الشيء: أي: حروف الهجاء والألفاظ الوضعية

قال العلامة الجلبي: ((إنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئا أمكن له أن يخبر عنه لا على ما هو عليه))، وهذا يدل على أنه لا فرق بين حقيقة كلام الله اللفظي وحقيقة كلام الإنسان اللفظي، وإلا لما صح هذا القياس. ثم قال الجلبي: ((أجيب عنه بأن قوله من علم شيئا إلخ ممنوع ودعوى الضرورة غير مسموعة إذ ليس الكلام فى الصدق والكذب اللفظيين حتى يمكنه ذلك بل فى النفسانيين))، فهذا يدل على أنه لا فرق بين صدق الكلام اللفظي وكذبه بالنسبة إلى الخالق وبالنسبة إلى الخلق، وإنما الفرق فى الكلام النفسي

المبحث الثالث

اعترض الخصم على الدليل الثاني من الدلائل العقلية – وهو أنه إنما يصح التمدح على ترك الشيء القبيح إذا كان بالإختيار والإرادة – بأن الله يقول: ((لا تأخذه سنة ولا نوم)) وهذا بناء على عدم القدرة كما يتفق عليه الجميع. والجواب عنه أن الصفات السلبية إما هو فى الذات أو فى الصفات أو فى الأفعال، فالتمدح يصح فى القسمين الأولين بانتفاء القدرة من وجه لا فى القسم الثالث. قال أحد المحققين: ((الحق أن امتناع الشيء لا يمنع التمدح بنفيه إذا كان من صفات النقص، بل الإمتناع يدل على كمال المدح، فإنه إذا كان من المنفي من صفات النقص فكلما كان النفي أقوى كان التمدح أقوى)). وليس معنى هذا الكلام أنه يصح التمدح من الإنتفاء المحض مطلقا، بل إذا كان يدل على أمر آخر، أما في قوله: ((لا تأخذه سنة ولا نوم))، فالمدح فيه من جهة كون الله تعالى سميعا بصيرا في جميع الأحيان وكل الأزمان كما قاله الرازي في تفسيره، وإلا يجب مدح الجامدات بعدم السنة والنوم! قال الرازي: ((نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبا للمدح والثناء والعلم به ضروري بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة))، وقال أيضا: ((إن تمدح الشيء بالشيء لا يصح إلا إذا كان صالحا لضده وقادرا عليه))، وهذا صريح في تأييد الدليل الذي اعترضوا عليه

المبحث الرابع

استدل الخصم على امتناع الكذب فى الكلام اللفظي بانطباقه على الكلام النفسي، وبما أن الصدق فيه واجب ضروري فهو واجب ضروري فى الكلام اللفظي. قد تقدم الإشارة إلى الجواب عن هذا الاستدلال، وهو أنه إن كان مرادهم بالكلام النفسي هنا الكلام القائم بذات الله تعالى فلا يصح انطباق الكلام اللفظي عليه من حيث الصدق والكذب فإنه لا يتصور الصدق والكذب فيه كما تقدم، وإن كان مرادهم به مدلولات اللفظ فيصح انطباق الكلام اللفظي عليه من حيث الصدق والكذب، ويصح أيضا قولهم بأن الكذب فيه ممتنع، ولكن لا دليل على كون هذا الإمتناع بسبب عدم دخوله فى القدرة كما هو دعواهم

————————————————

هذا آخر ما أردت تلخيصه من كتاب ‘جهد المقل’ للشيخ الإمام مولانا محمود حسن الديوبندي رحمه الله تعالى. ولم أستوعب جميع مباحث الكتاب اعراضا عن الإطالة، ولم أتعرض للباب الثالث من الكتاب لأنني لم أطلع عليه، ولم ألخص المباحث التي قمت بتلخيصها كما هو ينبغي وكما هو حقه لقلة بضاعتي فى اللغة العربية وفى العلوم الشرعية، ولكن أرجو أن يكون هذا العمل المتواضع كافيا في بيان مذهب علماء الديوبند في هذه المسألة المتنازعة فيها، والمؤلف الذي قمنا بلتخيص تأليفه هو أول خريج دار العلوم ديوبند على الإطلاق

* قاله في سياق الرد على الظن الفاسد الذي يتخيله بعض الناس بالنسبة للشفاعة عند الله من أنها ‘شفاعة الوجاهة’، أي: من الخلق من حصل على منزلة عند الله تعالى تجبره هذه المنزلة على قمع غضبه وغفران العاصي المشفوع له الذي يستحق العذاب في نفس الأمر، وهذا الإعتقاد عن الشفاعة لا يصح، فإنه لا غالب على أمر الله تعالى، فهذا هو سياق ذكره هذه الجملة


Detailed Arabic Refutation of Barelwis

February 17, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

انحراف البريلوية عن أهل السنة والجماعة

الجماعة المنتستبون إلى أحمد رضا خان البريلوي، المسماة ب’البريلوية’، يزعمون أنهم هم الذابون عن عقيدة أهل السنة والجماعة بشبه القارة الهندية، وأن مخالفيهم من الديوبندية وأهل الحديث (غير المقلدين/اللامذهبيين) منحرفون عن منهج أهل السنة، وأنهم ليسوا على الحق، بل فيهم نزعة البغض على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيسيئون الأدب معه ويميلون إلى تنقيص شأنه

والحق خلافه، فإن الذابين الحقيقيين عن عقيدة أهل السنة والجماعة بالقارة الهندية هم: السادة الديوبندية، من العلامة الفقيه رشيد أحمد الگنگوهي والعلامة الفيلسوف قاسم النانوتوي وتلامذتهم وتلامذة تلامذتهم، وهم المسمون ب’أكابر علماء ديوبند’، الذين خدمتهم لإحياء علوم السنة ولنشر العلوم الشرعية معروفة لدي أهل العرب أيضا، وجهودهم فى الدفاع عن اتباع المذاهب الأربعة ولا سيما مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة قد وقعت موقع القبول فى عامة الناس من العرب والعجم، وحركة العلامة المحدث الصوفي الجليل مولانا محمد إلياس الكاندهلوي – من أرشد أصحاب العلامة رشيد أحمد الگنگوهي والمحدث خليل أحمد السهارنپوري – المعروفة باسم ‘جماعة التبليغ’ قد أثرت في عوام الناس وخواصهم في جميع أنحاء العالم، وأحيت فيهم عواطف الدين وانفعالاته، وهذا كله من ثمرات ما زرعه قاسم العلوم النانوتوي والإمام الرباني الگنگوهي رحمهما الله تعالى

والديوبندية صرحوا في عدة من مؤلفاتهم أنهم على عقيدة أهل السنة، وأنهم منتسبون إلى مذهب الأشاعرة والماتريدية، كما صرح به العلامة خليل أحمد السهارنپوري فى ‘المهند على المفند’ الذي وقع عليه أكثر كبار الديوبندية في ذلك العصر، وصرح به العلامة محمد طيب القاسمي والعلامة ظفر أحمد العثماني والعلامة إدريس الكاندهلوي وغيرهم أيضا من أكابر علماء ديوبند. الحاصل: أن الديوبندية هم قلعة أهل السنة بالهند، فجاهدوا في إعلاء كلمة الله بها، وحملوا لواء السنة وعلومها، وزكوا بواطنهن على طريقة الصوفية، وقاموا بدعوة الناس إلى الدين الخالص وإلى محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم

أما البريلوية فقاموا بمعاداة أهل الحق ومعاداة أولياء الرحمن، فكفروا أكابر الديوبندية ونسبوا إليهم أقوالا شنيعة بهتانا وزورا، ورموهم بتهم هم عنها برآء، ومع هذا كله تغالوا في تظاهر المحبة للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووصفوه بما ليس فيه، وبالغوا في هذا الأمر، حتى دخلوا في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)). وقال عليه السلام: ((لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)) من مسند أحمد ج٢٠ ص٢٣، مؤسسة الرسالة، وإسناده صحيح على شرط مسلم

قال العلامة الإمام الفقيه عبد الحي بن مولانا عبد الحليم اللكنوي رحمهما الله تعالى: ((كذلك نسبة فضيلة أو مرتبة لم تثبت وجودها فى الذات المقدسة النبوية بالآيات أو الأحاديث المعتبرة إلى ذاته المطهرة أيضا من أكبر الكبائر، فليتيقظ الوعاظ المذكورون وليحذر القصاص والخطباء الآمرون الزاجرون حيث ينسبون كثيرا من الأمور إلى الحضرة المقدسة التي لم يثبت وجودها فيها، ويظنون أن في ذلك أجرا عظيما لإثبات فضل الذات المقدسة وعلو قدرها، ولا يعلمون أن فى الفضائل النبوية التي تثبت بالأحاديث الصحيحة غنية عن تلك الأكاذيب الواهية. ولعمري! فضائله صلى الله عليه وسلم خارجة عن حد الإحاطة والإحصاء ومناقبه التي فاق بها على جميع الورى كثيرة جدا من غير انتهاء، فأي حاجة إلى تفضيله بالأباطيل؟! بل هو موجب للإثم العظيم وضلالة عن سواء السبيل)). انتهى من الآثار المرفوعة فى الأخبار الموضوعة، دار الكتب العلمية، ص٣٦

ونريد هنا بيان بعض هذه الإنحرافات للبريلوية عن أهل السنة والجماعة فيما يعتقدونه بالنسبة إلى ذات الرسول صلى الله عليه وسلم المقدسة وصفاته، فإن البريلوية قالوا فيه صلى الله عليه وسلم أنه يعلم وقت الساعة بالضبط، وأن له علما محيطا بجميع كوائن الدنيا من بدء الخلق إلى وقت الساعة بالتفصيل، وأنه ليس من جنس البشر فى الحقيقة بل جنسه مختلف من جنس البشر. وهذا كله انحراف عن منهج السنة بلا ريب، وواجب على العلماء مخالفتهم فيها والإنكار عليهم وبيان فساد عقائدهم

سنتعرض فيما يلي لكل من هذه العقائد الباطلة الفاسدة، ولا يظن القارئ الكريم أن انحرافات البريلوية منحصرة في هذه الأمور، فإنما نذكر هذه المسائل الخاصة تمثيلا لضلالاتهم، لا استقصاء وحصرا. وسنثبت بإذن الله تعالى أنهم قائلون بها، ولا تكاد تجد منهم أحدا ينكرها، وسنذكر بالإختصار – إن شاء الله تعالى – مدى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة

*******************************

العقيدة الأولى للبريوية: قد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم العلم بتعين وقت الساعة

صرح به إمامهم أحمد رضا خان البريلوي في بعض مؤلفاته، فقال فى ‘الدولة المكية بالمادة الغيبية’: ((فثبت حصول العلم به [أي: وقت الساعة] قبل قيامها له صلى الله تعالى عليه وسلم)). واتبعه فيه جماعته، فقال أحد كبار البريلوية أحمد يار خان النعيمي (١٣١٤ – ١٣٩١ ه) ما ترجمته: ((إن الرب تعالى قد أعطى هذا العلم [أي: بوقت الساعة] أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم)). انتهى من جاء الحق مع سعيد الحق، مكتبة غوثية، ص٢٩٠

وهذا من أشنع البدع ومن أنكر الخرافات. فإن الله تعالى استأثر بعلم وقت الساعة لذاته العلية، فلا يظهر عليه أحدا من خلقه إلا عند وقوعها. وقول البريلوية هذا قد قال به البعض الغير المعروفون من المتقدمين وبعض من عرف بالعلم من المتأخرين كالصاوي المالكي. لكنه قول باطل شاذ خلاف للنصوص الشرعية الصريحة، بل كفر بعض المتقدمين من قال به

قال الله تعالى: ((إن الساعة آتية أكاد أخفيها)) [سورة طه، ٢٠:١٥] روى الطبري بإسناد صحيح عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة تحت هذه الآية: ((وهي في بعض القراءة: أخفيها من نفسي. ولعمري! لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء المرسلين)) [تفسير الطبري، مكتبة هجر، ج١٦ ص٣٥] وروى ابن أبي حاتم عن التابعي الجليل إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: ((ليس من أهل السماوات والأرض أحد إلا أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي. يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت)) [تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة نزار مصطفى الباز، ص٢٤١٩] وذهب الإمام الطبري رحمه الله تعالى أن هذا التفسير للآية – أي: أن معناه: أكاد أخفيها من نفسي مبالغة في إرادته تعالى إخفاءه عن الخلق – متعين، ولا يجوز تفسيرها بغيره لما صح فيه من الآثار المروية عن الصحابة وغيرهم

وانظروا مع هذا تفاسير الأئمة للآيات التالية: ٧:١٨٧، ٦٧:٢٥، ١٠:٤٨، ١٧:٥١، ٢١:١٠٨، ٧٢:٢٥، ٦:٢، ٢٧:٦٥، ٤١:٤٧، ٤٣:٨٥، ٧٩:٤٢، ٦:٥٩، ٣١:٣٤، فترون أن هذا الأمر ثابت فى القرآن ومن أقوال الأئمة غاية الثبوت، لا يجوز خلافه لمن آمن بكلام الله سبحانه وتعالى

وهذا هو مذهب أئمتنا الحنفية الماتريدية. فقال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره: ((فجائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام…إلا الساعة فإنه لا يطلع عليه أحدا)) [تأويلات أهل السنة، مؤسسة الرسالة، ج٤ ص٨٠] وقال أيضا: ((وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن يكون لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم)) انتهى

قال الإمام الطحاوي في عقيدته: ((وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل)) قال الإمام سراج الدين الغزنوي المصري الحنفي (٧٠٤ – ٧٧٣ ه) في شرحه عليها: ((القدر: جعل كل ما هو واقع فى العالم على ما هو عليه من خير وشر ونفع وضر، وبيان ما وقع عن سنن القضاء في كل زمان ومكان، وهو تأويل الحكمة والعناية السابقة الأزلية…فتكون عقول البشر قاصرة عن الإحاطة بكنه الحكم الإلهية والبصائر قاصرة عن إدراك الأسرار الربانية، فيكون القدر من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وجعله سرا مكتوما عن خلقه، لم يظهر ذلك لملك مقرب ولا نبي مرسل)) [شرح عقيدة الإمام الطحاوي للغزنوي، دار الكرز، ص٩٩] ثم قال تحت قول الإمام الطحاوي: ((لأن العلم علمان: علم فى الخلق موجود وعلم فى الخلق مفقود فإنكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر)): ((إن العلم الموجود فى العالم والخلق هو ما علم بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة كالعلم بالصانع بما نصت عليه دلائل الوحدانية وقدمه وكماله وعلمه وحكمته وبراءته من سمات النقص وأمارات الحدوث…وأما العلم المفقود فيهم فهو: العلم الذي أخفاه الله عن خلقه كعلم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، كعلم [أصل] القضاء والقدر و[وقت] قيام الساعة، كما قال تعالى: قل لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا الله، وقال تعالى: لا يجليها لوقتها إلا هو، فادعاء هذا العلم وطلبه كفر أيضا، لأنه دعوى المشاركة مع الله عز وجل فيما استأثره)) انتهى من المصدر السابق، ص١٠٠

فهذا نص من إمام حنفي ماتريدي في كفر من ادعى علم وقت الساعة لأحد من الخلق

وقال العلامة المفتي أبو السعود محمد بن محمد الرومي (٨٩٨ – ٩٨٢ ه) في تفسيره المشهور: ((لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته، كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول، تعلقا تاما، إما لكونه من مبادئ رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون وكيفيات أعمالهم وأجزيتها المترتبة عليها فى الآخرة وما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها [نفس] قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة، وأما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر عليه أحدا أبدا على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة)) [إرشاد العقل السليم، مكتب الرياض، ج٥ ص٤٠٩] ونقل هذه العبارة العلامة ابن عابدين الشامي وأقره كما في مجموعة رسائل ابن عابدين، ج٢ ص٣١٣-٣١٤

وقال الإمام كمال الدين أحمد بن الحسن البياضي الحنفي الماتريدي (١٠٤٤ – ١٠٩٧): ((فإن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، ووقت الساعة ليس منه)) انتهى من إشارات المرام، دار الكتب العلمية، ص٥٠

فهذه نصوص صريحة من أئمتنا الحنفية – الذين ادعى البريلوية أنهم يتبعونهم ويقلدونهم – في عدم دخول علم وقت الساعة فيما أطلعه الله تبارك وتعالى على نبيه المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم. والقول بخلافه قريب من الكفر إن لم يكنه

*******************************

العقيدة الثانية للبريلوية: قد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم علم جميع الحوادث من بدء الخلق إلى قيام الساعة بالتفصيل

صرح به إمامهم أيضا فى ‘الدولة المكية’ فقال: ((وأما نحن معاشر أهل الحق فقد علمنا – ولله الحمد – أن هذا الذي ذكرنا من تفاصيل كل ما كان من أول يوم [للخلق] وما يكون إلى آخر الأيام [قبل قيام الساعة] ليس بجنب علوم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إلا شيئا قليلا)) واتبعه فيه جماعته أيضا، فقالوا فى علم النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قيل في علم الله: لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموت ولا فى الأرض

وهذه العقيدة أيضا تنافي النصوص الصريحة. فقد ذكر الله عز وجل أشياء خمسة التي لا يعلمها إلا هو، وهي: علم الساعة، والعلم بالمطر، والعلم بما فى الأرحام، والعلم بما فى الغد، والعلم بأحوال وفيات الناس (سورة لقمان، آية ٣٤). ويجوز أن يطلع الله على البعض بعض هذه الأشياء، لكن لا يطلع على أحد كليات أحد من هذه الأشياء. فقال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى تحت هذه الآية: ((ويعلم ما فى الأرحام: من انتقال النطفة إلى العلقة وانتقال العلقة إلى المضغة وتحول ما فى الأرحام من حال إلى حال أخرى وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله، وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضا.)) فهذا النص يدل على أنه لا يجوز العلم بكليات أحد من هذه الأشياء الخمسة لأحد من الخلق، وإن جاز الإطلاع على الجزئيات منه. فقال الملا علي القارئ فى المرقاة: ((والمعنى لا يعلم كلياتها غير الله، وقد يطلع بعض أصفيائه على جزئيات منهن)) وقال: ((فإن قلت: قد أخبر الأنبياء، والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر؟ قلت: الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها)) وأما تأويل البريلوي بأن الحصر من جهة العلم الذاتي لا العلم العطائي، فهذا تأويل بعيد، فإنه جاء في حديث رواه أحمد وصححه الحافظ ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قد علم الله خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله: الخمس))، فهذا الحديث ينافي تعليم الخمس أيضا من جهة الله تعالى، فيتعين كون الحصر المذكور فى الآية في كليات هذه الخمس. وقول البريلوية بإحاطة علم النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الكوائن المستقبلة إلى قيام الساعة يلزم منه القول بأنه عالم بكليات هذه الأمور من نزول الغيث ومما فى الأرحام ومن أماكن وأوقات الوفيات. ويلزم منه أيضا القول بأنه صلى الله عليه وسلم عالم بوقت الساعة – وهو باطل قطعا كما علمت – فإن من تفصيلات العلم بالحوادث تواريخها وأوقاتها، فإذا كان عالما بما يقع إلى الساعة بالتفصيل يلزم كونه عالما بوقت الساعة بعينه

وبالتالي، قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجيء أناس ممن صحبه إلى حوضه فيمنعهم الملائكة من التقدم إلى الحوض، فيقول صلى الله عليه وسلم: أصحابي، هم مني، إلى غير ذلك، فأخبره الله تعالى والملائكة بأنه لا علم له بما أحدث هؤلاء بعده من الإرتداد عن دينه، فيقول صلى الله عليه وسلم – كما جاء في رواية –: ((وكنت علهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم.)) فهذا الدليل القطعي الثبوت يدل على بطلان قول البريلوية هذا، والتأويل فيه بعيد جدا. أما ما قد يشكل على البعض من حديث عرض الأعمال على النبي صلى لله عليه وسلم، فقال ابن الملقن في شرحه على البخاري وغيره من الشراح أن العرض المذكور في ذلك الحديث مخصوص بأعمال المؤمنين لا أعمال المرتدين والزنادقة والكفار، فهذا وجه الجمع بين الحديثين ووجه دفع هذا الإشكال

وهذا بيان تواتر حديث الحوض المذكور

ابن عباس رضي الله عنهما

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ “: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} – إِلَى قَوْلِهِ – {العَزِيزُ الحَكِيمُ} – متفق عليه، واللفظ للبخاري

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – متفق عليه، واللفظ لمسلم

أنس بن مالك رضي الله عنه

حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – متفق عليه، واللفظ للبخاري

حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما

وحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ” تَابَعَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَقَالَ حُصَيْنٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صحيح البخاري

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقَّامُ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلُوسِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ أَقْوَامٌ، فَأَعْرِفُهُمْ، فَيَخْتَلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – المعجم الأوسط

سهل بن سعد رضي الله عنه

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: ” فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي – متفق عليه، واللفظ للبخاري

أبو هريرة رضي الله عنه

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الحَبَطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى – متفق عليه، واللفظ للبخاري

أبو سعيد الخدري رضي الله عنه

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: ” فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي – صحيح البخاري

عائشة رضي الله عنها

وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ ” إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» – صحيح مسلم

أم سلمة رضي الله عنها

وحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا، حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ» فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا – صحيح مسلم

أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما

حدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: لاَ تَدْرِي، مَشَوْا عَلَى القَهْقَرَى – متفق عليه، واللفظ للبخاري)

أبو بكرة رضي الله عنه

حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي فَلَأَقُولَنَّ: رَبِّ , أَصْحَابِي , فَلَيُقَالَنَّ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – مصنف ابن أبي شيبة

أبو الدرداء رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أُلْفِيَنَّ مَا نُوزِعْتُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: هَذَا مِنْ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «لَسْتَ مِنْهُمْ»

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني ممسك بحجزكم: هلم عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي رب، قومي، أي رب أمتي فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم. انتهى من تفسير ابن كثير

قال ابن كثير تحته: وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي. قلت: بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح. ووثقه النسائي وابن حبان. انتهى من تفسير ابن كثير

هذا، وقد قال الإمام الفقيه أبو القاسم أحمد بن عصمة الصفار (ت: ٣٣٦) من متقدمي الحنفية أن الذي أشهد الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم على نكاحه كفر، فإنه يدعى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب – أي ما لا طريقة له إلى حصوله. ونقل هذا القول من الإمام أبى القاسم كثير من أصحاب الفتاوى، فالمسألة منقولة فى الفاتوى الولوالجية (ج ٥ ص٤٢٢) وخلاصة الفتاوى والمحيط البرهاني والفتاوى البزازية والفتاوى التتارخانية وغيرها. لكن أورد صاحب الفتاوى التتارخانية على قول أبى القاسم الصفار هذا أن صاحب الملتقط (لعله أبو القاسم السمرقندي من علماء القرن السادس) قال بأنه لا يكفر فإنه يحتمل أن يكون هذا النكاح من الأشياء التي عرضت على روح النبي صلى الله عليه وسلم. ففى التتارخانية (ج٤ ص٣٨-٣٩): [تزوج امرأة بشهادة الله ورسوله لا يجوز، وعن الشيخ الإمام أبى القاسم الصفار أنه قال: يكفر من فعل هذا لأنه اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الغيب. وفى الحجة: ذكر فى الملتقط أنه لا يكفر لأن الأشياء تعرض على روح النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الرسل يعرفون بعض الغيب. قال الله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول] وفي مجمع الأنهر نحو هذه العبارة: (وَ) شُرِطَ أَيْضًا (حُضُورُ) شَاهِدَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَعَنْ أبى القَاسِمٍ الصَّفَّارِ وَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهَذَا كُفْرٌ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُعْرَضُ عَلَى رُوحِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – فَيَعْرِفُ بِبَعْضِ الْغَيْبِ. انتهى كلامه

فذهب بعض المتقدمين من فقهاء الحنفية إلى تكفير من ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم علما بجزئية بعينها من الحوادث الواقعة بعده فإنه مما لا يثبت له طريق إلى وصوله، وذهب آخرون إلى عدم كفره لاحتمال كون هذه الجزئية مما عرض على روحه صلى الله عليه وسلم. لكن الجميع متفقون على أنه لا يعلم جميع الكوائن المسقبلة إلى وقت الساعة. فهذا إذن رأي المذهب الحنفي فى المسألة، وخالفه البريلوية كما خالف المذهب فى المسألة السابقة

*******************************

العقيدة الثالثة للبريلوية: النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقته ليس من جنس البشر

أشار إليه أحمد رضا خان البريلوي في ترجمته للقرآن المسماة ب’كنز الإيمان’ فترجم قول الله تعالى: ((قل: إنما أنا بشر مثلكم)) هكذا: ((قل: أنا مثلكم في ظاهر الصورة البشرية)) [كنز الإيمان، ص٤٤١]. وصرح به أئمة جماعة البريلوية، فقال مناظرهم وإمامهم محمد عمر الإجهروي (١٣١٩ – ١٣٩١ ه) ما ترجمته: ((فثبت من هذه الآية أن حقيقة المصطفى صلى الله عليه وسلم لم تكن بشريا، بل كان حقيقته نوريا)) [مقياس النور، ص٢٤] وقال: ((قلت: المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحقيقة نور، وبعثته القدرة الإليهية فى الدنيا من واسطة الوالد والوالدة إعطاء للنور جسما إنسانيا نوريا، وغلب نور الحقيقة المحمدية على جسمه، فعلى سبيل المثال: الملائكة أيضا من المخلوقات التي خلقت من النور، لكن لما جاء حضرة جبريل الأمين عليه السلام ملبوسا فى الجسم الإنساني غلب جسمانيته على نورانيته إلى الحد الذي لا يستيطيع أن يطير في هذه الهيئة الجسمانية الكذائية إلى السدرة المنتهى، بل لا يستطيع أن يعلو إلى السماء الدنيا، ولكن نور المصطفى صلى الله عليه وسلم الحقيقي غلب على الجسم الإنساني فمع الجسمية النورانية بلغ إلى ‘لا مكان’ عبورا السماوات كلها وتجاوزا السدرة المنتهى)) انتهى من المصدر السابق، ص٢٦-٢٧

وقال أحمد يار خان في كتابه ‘جاء الحق’ ما حاصله: النبي صلى الله عليه وسلم من البشر، لكن هذا بالنسبة إلى أحكام الدنيا، أما في نفس الأمر وفى الواقع ليس هو من البشر ولا من الجن ولا من الملائكة، بل هو نور خلقه الله تعالى قبل خلق آدم، بدليل أن البشرية إنما بدأت من آدم عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم كان نبيا وآدم بين الروح والجسد، فهذا يعني أنه لم يكن من البشر آنذاك، بل كان خلقا آخر، وإنما ظهر فى الدنيا في صورة الإنسان، وبناء على هذا لا يجوز لأحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم القول بأنه بشر أو إنسي، بل يجب التحرز عن مثل هذا فإنه من جنس قول الكفار: ((إن أنتم إلا بشر مثلنا)) ومن قول إبليس الذي رأى الظاهر فقط في قوله: ((أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين))، وأما قول الله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم، فهذا تسويغ للنبي صلى الله عليه وسلم فقط من قبل التواضع، ومن قبل تأليف قلوب الكافرين، فإن شخصا يتنافر مما لا يعرف ومما هو ليس من جنسه، فهذا القول كصنيع الصائد إذا حاكى صوت الصيد لتقريبه منه حتى يتمكن من قبضه. ملخص من جاء الحق مع سعيد الحق، ص ٣٩٢-٣٩٤

وهذه العقيدة خطيرة إلى الغاية، فإن بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم من ضروريات الدين، فإنكارها كفر، فقال الولي العراقي رحمه الله تعالى: ((أما العلم بكونه عليه الصلاة والسلام بشرا وهو من العرب فهو شرط في صحة الإيمان، فلو قال شخص: أؤمن برسالة محمد إلى جميع الخلق ولكني لا أدري هو هو من البشر أو الملائكة أو الجن…فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن العظيم)) انتهى من الأجوبة المرضية، مكتبة التوعية الإسلامية، ص٢٨

ولم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم القول بأنه بشر مثلنا (أي مثلنا فى البشرية) إلى الكفار فقط كما زعمه أحمد يار خان، بل قاله للمؤمنين أيضا في أحاديث كثيرة مشهورة. فروى ابن مسعود رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون)) [صحيح مسلم] وروت عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أضيق بما يضيق به البشر)) [مسند أحمد] وروى أبو هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر)) [صحيح مسلم] وروى سلمان الفارسي رضي الله عنه قوله: ((إنما أنا من ولد آدم، أًغضب كما يغضبون)) [مسند أحمد] وروت أم سلمة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا بشر أقضي له على نحو ما أسمع به)) [صحيح مسلم] وروى طلحة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما هو ظن ظننته إن كان يغني شيئا فاصنعوا فإنما أنا بشر والظن يخطئ ويصيب)) مسند أحمد

وأفتى حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى فيمن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بشرا في ظاهره فقط، أما فى الحقيقة فهو ليس ببشر، بأن هذه الدعوى كفر، كما في إمداد الفتاوى له

*******************************

فعقائد البريلوية هذه وغيرها – كقولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ‘مختار الكل’ وأن الإختيارات كلها بيده يفعل ما يشاء فى الكون ويتصرف فيه كيف يشاء وقولهم بأنه ليس بأمي حقيقة بل يقرأ ويكتب وقولهم بأن له سماعا محيطا وهو في قبره فيسمع من البعيد كما يسمع من القريب إلى غير ذلك من العقائد الباطلة الفاسدة – كلها ضلالات وانحرافات، وتبطل زعمهم أنهم أهل السنة والجماعة وأنهم قائمون بنصرة الحق بالقارة الهندية، والحق – كما ترى – أن البريلوية فرقة ضالة مبتدعة خارجة من دائرة أهل السنة، يضاهون الوهابية في توسعهم فى التكفير، وجمعوا الشواذ والغرائب من أقوال المتصوفين المتأخرين. ما أحسن ما روي عن الإمام المجتهد المحدث عبد الرحمن الأوزاعي رحمه الله من قوله: ((من أخذ بنوادر العلماء فقد خرج من الإسلام))، فكيف بمن أخذ بنوادر الجهلاء؟ وجعلوها كأنها من أصول الدين وأسسه التي جاءت الأنبياء والرسل لدعوة الناس إليها؟! أعاذنا الله من هذه الفتن والخرافات والمخالفات، وجعلنا أمة وسطا عدلا، سائرين على النهج القويم بين إفراط الغلاة المبتدعين وتفريط الأغبياء المتشددين، آمين يا رب العلمين.

وصلى الله تعالى على سيدنا ونبينا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم


Refutation of the False Allegation against Shaykh al-Thanawi [Arabic]

February 4, 2015

مولانا أشرف علي التهانوي وبحثه عن مسألة علم الغيب في رسالة حفظ الإيمان

قد زعم أحمد رضا خان البريلوي في كتابه ‘حسام الحرمين’ وغيره من الكتب أن مولانا أشرف علي التهانوي سوى في رسالته ‘حفظ الإيمان’ بين علم النبي صلى الله عليه وسلم وبين علم الصبيان والمجانين والبهائم – والعياذ بالله. فقال البريلوي:((وصرح (أي: مولانا التهانوي) فيها (أي: في رسالته ‘حفظ الإيمان’) بأن العلم الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، فإن مثله حاصل لكل صبي وكل مجنون بل لكل حيوان وكل بهيمة.)) ثم التقط عبارة لمولانا المذكور وقام بنقلها إلى العربية (مع ما فيها من الحذف والنقص)، ثم قال: ((فانظروا…كيف يسوي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كذا وكذا.)) انتهى كلامه

وقد أجاب عن هذا الإتهام مولانا التهانوي نفسه في حياة البريلوي بما تعريبه: ((ما كتبت هذا المضمون الخبيث (في تسوية علم النبي صلى الله عليه وسلم بعلم غيره) في أي كتاب، ولم يخطر هذا المعنى على قلبي فضلا عن كتابته، ولا يلزم هذا المعنى من أي عبارة لي، فالمعروض أخيرا: بما أني أرى هذا المعنى خبيثا ولم يخطر هو على قلبي كما ذكرت آنفا فكيف يكون هو مرادي؟! من اعتقد هذا، أو تكلم به من غير اعتقاد، صراحة أو إشارة، أرى أنه خرج من الإسلام فإنه كذب النصوص القطعية وطعن في حضرة فخر العالم وفخر بني آدم صلى الله عليه وسلم.)) هذا الكلام من أول رسالته ‘بسط البنان’ التي صنفها مولانا التهانوي لتوضيح مراده من الفقرة التي التقطها البريلوي وقام بنقلها إلى العربية

وها أنا أقدم للقارئين ترجمة لفظية كاملة للجواب الثالث من رسالة ‘حفظ الإيمان’ الذي بحث فيه مولانا التهانوي عن مسألة علم الغيب بحثا مختصرا، حتى يتحقق المنصف مدى تحريف البريلوي لكلام مولانا التهانوي؛ فهل يتصور عن مسلم فضلا عن علامة كبير كمولانا التهانوي أنه يسوي بين علم الرسول صلى الله عليه وسلم وبين علم المجانين والبهائم؟! وسيلاحظ القارئ اللبيب – بإذن الله تعالى – أن مراد مولانا التهانوي من قوله: ‘مثل هذا العلم بالغيب’ – الذي أثبته لزيد وعمرو إلخ – ليس هو العلم الثابت الحاصل للنبي صلى الله عليه وسلم كما حرفه البريلوي، بل مراده: العلم ببعض العلوم الغيبية كما يتضح من السياق والسباق

قال في حفظ الإيمان

السؤال الثالث: وقال (زيد): إن علم الغيب قسمان: (أحدهما) بالذات، وعلى هذا المعنى لا يمكن لأحد غير الله أن يكون عالم الغيب؛ و(ثانيهما) بالواسطة، وعلى هذا المعنى كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالم الغيب. ما هو حقيقة استدلال زيد وعقيدته وعمله؟ بينوا توجروا

الجواب عن السؤال الثالث

المراد بمطلق الغيب في إطلاقات الشريعة هو: ذاك الغيب الذي لا يقوم عليه دليل، ولا واسطة ولا سبيل إلى إدراكه، وبناء على هذا ورد (فى القرآن): ‘لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله’ و’لو كنت أعلم الغيب’ وغيرهما من الآيات

وإطلاق (لفظ) ‘الغيب’ على العلم الذي يكون بواسطة (شيء ما) يحتاج إلى قرينة، فإطلاق ‘علم الغيب’ على المخلوق بلا قرينة ممنوع وغير جائز لكونه موهما للشرك، وورد المنع من لفظ ‘راعنا’ فى القرآن ومن ‘عبدي’ و’أمتي’ و’ربي’ في حديث صحيح مسلم لهذا المعنى (أي لكونه موهما لمعنى ممنوع). وبناء على هذا لا يجوز إطلاق ‘علم الغيب’ على حضرة فخر العالم صلى الله عليه وسلم

ولو جاز إطلاق هذه الألفاظ انطلاقا من مثل هذه التأويلات لجاز إطلاق ‘خالق’ و’رازق’ وغيرهما بتأويل الإسناد إلى السبب، لأنه (صلى الله عليه وسلم) سبب لإيجاد العالم وبقائه ١، بل لصح إطلاق ‘خذا’ بمعنى مالك وإطلاق ‘معبود’ بمعنى مطاع

ومن هذا الوجه بعينه الذي يبنى عليه صحة إطلاق ‘عالم الغيب’ عليه (صلى الله عليه وسلم) انطلاقا من هذا التأويل الخاص، يصح نفي هذه الصفة عن الحق جل وعلا شأنه انطلاقا من تأويل آخر! أعني: لم يثبت علم الغيب بالمعنى الثاني – أي: بالواسطة – لله تعالى، فلو استحضر أحد المعنى الثاني في ذهنه ثم قال: ‘إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الغيب والحق تعالى شأنه ليس بعالم الغيب’ – نعوذ بالله منه – هل يستطيع عاقل متدين أن يتحمل تجويز خروج مثل هذه الجملة من الفم؟ وبناء على هذا (الرأي الفاسد) لم يعد جميع الدعوات الفاحشة لبني أفقر٢ مخالفا للشرع. فما هو الشرع؟ أهو لعب للصبيان؟ إذا شاؤوا قاموا بالبناء وإذا شاؤوا قاموا بالتدمير؟!

ثم لو صح الحكم على ذاته المقدسة بعلم الغيب في قول زيد يحقق هذا الأمر: هل المراد بهذا الغيب: بعض المغيبات أو جميع المغيبات؟ إن كان المراد بعض العلوم الغيبية فأي خصوصية فيه لحضرته صلى الله عليه وسلم؟ قد حصل على مثل هذا العلم بالغيب زيد وعمرو، بل كل صبي ومجنون، بل جميع الحيوانات والبهائم، فإن كل شخص له علم بشيء من الأشياء الذي يخفى على غيره، فينبغي تسمية الكل ب’عالم الغيب’! ولو التزم بهذا زيد (فيقول): ‘إني أسمي الكل بعالم الغيب’، فما هو وجه اندراج الغيب في جملة الكمالات النبوية؟ كيف يكون الأمر الذي لا يختص به مؤمن – بل ولا يختص به إنسان – من الكمالات النبوية؟ وإن لم يلتزم به يلزم عليه بيان وجه الفرق بين نبي وبين غير نبي. وإن كان المراد جميع العلوم الغيبية بحيث لا يخرج منه فرد واحد فإنه ثبت بطلانه من أدلة النقل والعقل ٣

الدلائل النقلية خارج عن العد. ذكر فى القرآن نفسه على وجه واضح صريح نفي علم الغيب عنه – في آية ‘ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير’ – ونفي العلم بالوقت المعين لقيام الساعة عنه ونفي علوم كثيرة. وورد فى الأحاديث ألوف واقعات من إرساله (صلى الله عليه وسلم) كتب ورسائل ليتحقق الأخبار الغائبة من المخبرين والجواسيس

وإن ادعي أنه حصل له جميع العلوم الغيبية ولكن استحضارها يتوقف على توجهه، وبما أنه لم يتوجه تماما على بعض الأمور لم يستحضرها في بعض الواقعات، فجوابه: هناك كثير من الأمور التي بالرغم من توجهه الخاص عليها، بل وقوعه فى الحزن والقلق (منها)، ثبت كونها مخفية عليه. ورد فى الصحاح: تفتيشه واستكشافه في قصة الإفك بأبلغ الوجوه، ولكن لم ينكشف الأمر بمجرد توجهه، إنما اطمئن بعد شهر كامل بذريعة الوحي

والدليل العقلي أن العلوم غير متناهية، وقد ثبت وتقرر استحالة اجتماع الأمور الغير المتناهية بما هو متناه

ولو اشتبه (على أحد) مثل هذه الألفاظ التي وردت من قول حضرته (صلى الله عليه وسلم) – كما روي فى المشكاة عن الدارمي –: ‘فعلمت ما فى السموات والأرض’، فينبغي أن يتفطن بأن المراد هنا ليس العموم والإستغراق الحقيقيين، فإن استحالته قد أثبتت آنفا من أدلة النقل والعقل، بل المراد العموم والإستغراق الإضافيان، أعني: باعتبار بعض العلوم – وهي العلوم الضرورية المتعلقة بالنبوة – قد أوتيها عموما. فمقتضىاه إنما هو حصوله على جميع العلوم التي هي ضرورة ولازمة للنبوة. قد اشتهر استعمال ألفاظ العموم للعموم الإضافي في محاورات جميع الألسنة. ورد في حق بلقيس: ‘وأوتيت من كل شيء’، والظاهر أنه لم يكن عندها القطار والهاتف والغاز وآلة التصوير الشائعة في هذا الزمان وغيرها. والمراد هنا أيضا عموم الأشياء التي هي ضرورة ولازمة للسلطنة. فهذه العمومات لا تثبت بها مدعى زيد

كتبه الأحقر محمد أشرف علي عفي عنه. ٨ محرم الحرام ١٣١٩ ه

(انتهى الترجمة من رسالة حفظ الإيمان)

١ هذا بناء على صحة ما جاء في بعض الروايات أنه لو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلق الله تعالى الكون

٢  لم أقف على المراد بهم

٣ ونظير هذا الإلزام ما أورده متكلمو أهل السنة ردا على الفلاسفة في قولهم بكون الإطلاع على بعض العلوم الغيبية من ميزات النبوة. وقد نقل قول السيد الشريف الجرجاني مولانا التهانوي نفسه في رسالته ‘بسط البنان’ التي صنفها لتوضيح مراده من هذه الفقرة. قال السيد الشريف رحمه الله: [(وأما الفلاسفة فقالوا: هو) أي النبي (من اجتمع فيه خواص ثلاث) يمتاز بها عن غيره (إحداها) أي إحدى الأمور المختصة به (أن يكون له اطلاع على المغيبات) الكائنة والماضية والآتية…(قلنا:) ما ذكرتم (مردود) بوجوه (إذ الاطلاع على جميع المغيبات لا يجب للنبي اتفاقا) منا ومنكم، ولهذا قال سيد الأنبياء: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء (والبعض) أي الاطلاع على البعض (لا يختص به) أي بالنبي (كما أقررتم) حوث جوزتموه للمرتاضين والمرضى والنائمين فلا يتميز به النبي عن غيره] (شرح المواقف، دار الكتب العلمية، ج٨ ص٢٤٢-٣) وقال العلامة محمود الأصفهاني: [وأما فى الشريعة فذهب الحكماء إلى أن النبي من كان مختصا بخواص ثلث: الأولى أن يكون مطلعا على الغيب…وقد أورد على هذا بأنهم إن أرادوا بالإطلاع الإطلاع على جميع الغائبات فهو ليس بشرط في كون الشخص نبيا بالإتفاق، وإن أرادوا به الإطلاع على بعضها فلا يكون ذلك خاصة للنبي، إذ ما من أحد إلا ويجوز أن يطلع على بعض الغائبات] انتهى من مطالع الأنظار، ص٤٠٨

تنبيهات

ترجمت الكلمة الأردوية ‘ايسا‘ فى الفقرة التي نحن بصددها إلى ‘مثل’، ومعناه كما جاء فى المعاجم: ‘هذا النوع من’ (‘اس قسم كا’)؛ فمعنى ‘ايسا علم غيب’ هو: ‘هذا النوع من علم الغيب’ فالمراد في هذا السياق: العلم ببعض العلوم الغيبية

المهم: أن مولانا التهانوي لم يتعرض في هذه الفقرة لما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم من العلوم الغيبية كما أو كيفا. بل أثبت أنه حصل على بعض العلوم الغيبية بغض النظر عن كميته أو كيفيته، كما هو ظاهر من سياق كلامه، فلا يمكن أن يشك أحد أن مراد التهانوي من قوله: ‘مثل هذا العلم بالغيب’ هو: العلم ببعض العلوم الغيبية، وهذا يتضح بكمال الوضوح من تعليله في نفس الجملة، فإنه قال: ‘فإن كل شخص يعلم شيئا الذي يخفى على غيره’، ولم يقل: ‘فإن كل شخص حصل على مثل ما حصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلوم الغيبية’! وهذا التعليل مما حذفه البريلوي في ترجمته حتى يتمكن من تلبيس القارئ

ثم: مراد التهانوي بالغيب هنا: الغيب الإضافي، أي ما غاب عن الحواس مطلقا، وقد جاء فى القرآن أن أنباء الأمم السابقة من الغيب، ولا يشك أحد أن هذه الأنباء كانت معلومة لدي تلك الأقوام المتكلم عنها، فعند التهانوي: المراد بالغيب الإضافي هو ما يخفى على أحد أيا من كان، والإطلاع على بعض ما غاب عن آخر مما حصل لكل أحد

وأخيرا، إنه من إخلاص التهانوي أنه بعد تفسيره لتلك الفقرة وبعد تبيينه أنه لا يمكن لمنصف أن يتوهم ذلك المعنى الذي حمل البريلوي كلامه عليه، قد غير تلك الكلمات ونشره في رسالة سماها ‘تغيير العنوان في بعض عبارات حفظ الإيمان’؛ فبدل قوله ‘ قد حصل على مثل هذا العلم بالغيب زيد وعمرو إلخ’ إلى: ‘قد حصل على مطلق بعض العلوم الغيبية غير الأنبياء أيضا.’ فكيف ينسب إليه هذا القول – بعد هذا كله – من التسوية بين علم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم غيره؟


Refutation of the False Allegations against Shaykh Khalil Ahmad Saharanpuri [Arabic]

February 4, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

إتهامات البريلوي على العلامة خليل أحمد السهارنپوري والجواب عنها

قال أحمد رضا خان البريلوي في ‘حسام الحرمين’: [صرح (أي: العلامة خليل أحمد السهارنپوري صاحب بذل المجهود في حل أبي داود) في كتابه البراهين القاطعة…بأن شيخهم إبليس أوسع علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا نصه الشنيع بلفظه الفظيع: ((إن هذه السعة فى العلم ثبتت للشيطان وملك الموت بالنص، وأي نص قطعي في سعة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يرد به النصوص جميعا ويثبت شرك؟)) وكتب قبله: ((إن هذا الشرك ليس في حبة خردل من إيمان))]. ثم قال البريلوي: [وقد قال في نسيم الرياض كما تقدم: ((من قال فلان أعلم منه صلى الله عليه وسلم فقد عابه ونقصه فهو ساب، والحكم فيه حكم الساب من غير فرق لا نستثني منه صورة، وهذا كله إجماع من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.))]. وقال: [يؤمن (أي: السهارنپوري) بعلم الأرض المحيط لإبليس، وإذا جاء ذكر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا الشرك، وإنما الشرك إثبات الشريك لله تعالى، فالشيء إذا كان إثباته لأحد من المخلوقين شركا كان شركا قطعا لكل الخلائق، إذ لا يصح أن يكون أحد شريكا لله تعالى، فانظروا كيف آمن بأن إبليس شريك له سبحانه وإنما الشركة منتفية عن محمد صلى الله عليه وسلم]. وقال: [يطالب (أي: السهارنپوري) في علم محمد صلى الله عليه وسلم بالنص ولا يرضى به حتى يكون قطعيا، فإذا جاء على سلب علمه صلى الله عليه وسلم تمسك في هذا البيان نفسه على ص٤٦ بستة أسطر قبل هذا الكفر المهين بحديث باطل لا أصل له فى الدين وينسبه كذبا إلى من لم يروه بل رده بالرد المبين حيث قال: ((روى الشيخ عبد الحق قدس سره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أعلم ما وراء هذا الجدار.)) مع أن الشيخ قدس الله سره إنما قال في مدارح النبوة هكذا: ((يشكل ههنا بأن جاء في بعض الروايات أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا عبد لا أعلم ما وراء هذا الجدار، وجوابه أن هذا القول لا أصل له ولم تصح به الرواية….)) وكذلك قال الإمام ابن حجر العسقلاني: لا أصل له.]. انتهى كلامه

ففي كلامه هذا اتهم البريلوي صاحب ‘البراهين القاطعة’ العلامة خليل أحمد السهارنپوري بأربع اتهامات، وهي كالتالي

١. أنه جعل علم النبي صلى الله عليه وسلم أقل من علم الشيطان اللعين
٢. أنه جعل العلم المحيط بالأرض شركا إذا أثبته أحد للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أثبته للشيطان اللعين، فكأنه جعل الشيطان شريكا لله تعالى! نعوذ بالله منه.
٣. أنه طالب النص القطعي في إثبات علم النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه تمسك بما لا أصل له في نفيه
٤. وأنه قد كذب على الشيخ عبد الحق في نسبة رواية الحديث إليه، حيث لم يروه الشيخ عبد الحق، بل نقله للرد عليه والطعن فيه.

ويأتى الجواب التفصيلي عن هذه الإتهامات على الشيخ السهارنپوري فيما يلي، إن شاء الله تعالى

الجواب عن الإتهام الأول

أما قول البريلوي أن العلامة السهارنپوري جعل علم الشيطان أوسع من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا بهتان عظيم. ولا بد أولا أن يتنبه القارئ على أن كتاب ‘البراهين القاطعة’ ليس كتابا مستقلا، بل هو رد علمي على كتاب آخر اسمه: ‘الأنوار الساطعة’، لمؤلفه مولانا عبد السميع الرامپوري، وعلى هذا لا بد من قراءة ما أورده الرامپوري في كتابه لتتبع كلام السهارنپوري ولفهمه الصواب، ولهذا تجد ‘الأنوار الساطعة’ في أعلى كل صفحة من البراهين القاطعة، وجواب السهارنپوري يشرع عند كل بحث بقوله: ‘أقول’ بعد أن نقل من كلام الرامپوري بقوله: ‘قوله…’ أي: قول الرامپوري

البحث الذي نحن بصدده يبتدأ من ص٥٢ وينتهي إلى ص٥٧ من النسخة التي تتوفر على الرابط التالي

https://ia700504.us.archive.org/…/Braheen-e-QatiaByShaykhKh…

وكلام السهارنپوري في هذا البحث هو حول دفاع الرامپوري عن اعتقاد كثير من المحتفلين بالمولد النبوي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحضر هذه المجالس وله علم بما يقع فيها. قام الرامپوري فى ‘الأنوار الساطع’ بالرد على زعم الشيخ عبد الجبار العمپروري أحد علماء ‘أهل الحديث’ (غير المقلدين) فى الهند (وله ترجمة في ‘نزهة الخواطر’) القائل بأن هذا الإعتقاد للمحتفلين بالمولد النبوي هو من الشرك فإنما هو الله تعالى وحده الذي يوجد في كل مكان، أي: بعلمه. فرد على هذا القائل الرامپوري بما حاصله: العالم أكبر بكبير من مجالس المولد والأوقات أكثر بكثير من الأزمنة التي احتفل فيها بالمولد، والله تعالى يحضر بعلمه في جميع الأمكنة والأزمنة، فعلى هذا لا يلزم البتة من قول القائلون بحضور الرسول صلى الله عليه وسلم في مجالس المولد الشرك بالله في الصفات الخاصة به. من البراهين نقلا عن الأنوار، ص. ٥٣ – ٥٤

ثم قال الرامپوري: عقيدة أهل السنة هي أن الله تعالى يختص بما هو خاص له، ومعنى الخصوصية هو أنه يوجد فيه ولا يوجد في غيره، أما العلم بجميع الأمكنة على ظهر الأرض فليس هذا مما يختص به الله سبحانه. ونقل عن معالم التنزيل للبغوي وشرح الصدور للسيوطي والمواهب اللدنية للزرقاني ما يثبت أن ملك الموت يقبض أرواح جميع المخلوقات من الإنس والجن والبهائم وجعلت الأرض له مثل الطست فيقبض من ههنا وههنا. قد جاء هذه الروايات في تفسير قول الله تعالى: ‘قل يتوفاكم ملك الموت’. ثم ذكر حديثا آخر رواه الطبراني وابن منده الذي يثبت علم ملك الموت بأحوال جميع الناس. ثم ذكر الرامپوري أنه لو اشتبه على أحد أن هذه الصفة إنما حصلت لملك مقرب فينبغي أن يعلم أن مثل هذا العلم ثابت للشيطان، فنقل عن رد المحتار لابن عابدين قوله: إبليس مع ابن آدم بالنهار…وأقدره على ذلك كما أقدر ملك الموت على نظير ذلك. من البراهين نقلا عن الأنوار، ص. ٥٥

ثم مثل هذه القاعدة بالشمس والقمر الموجودين في نظر الناظرين في جميع الأمكنة، وقال: فلو وقع نظر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أعلى العليين على جميع الأمنكة أو على أمكنة مخصوصة، لا بعد فيه ولا استحالة. ثم أخذ الرامپوري في إثبات كون النبي صلى الله عليه وسلم موجودا في جميع الأمكنة كوجود الشمس والقمر – بمعنى أنهما مرئيان في جميع الأمكنة ويقع نورهما فيها. (البراهين نقلا عن الأنوار، ص. ٥٦) هذا حاصل كلام الرامپوري.

ويبدو من كلام الرامپوري أنه يثبت العلم المحيط بالأرض للنبي صلى الله عليه وسلم بناء على كونه أفضل وأعلى درجة من ملك الموت والشيطان اللعين الذين قد ثبتت سعة علمهما بأمور الدنيا بدلائل كثيرة صريحة. فقام العلامة خليل أحمد السهارنپوري بالرد على هذا القياس الفاسد، والبحث – كما ترى – محصور في العلم بحوادث الدنيا وأحوال من مشى عليها، وليس هو فى العلم المطلق والعلم الذي عليه مدار الفضيلة أي: العلم بذات الله تعالى وصفاته وأحكامه وشرائعه إلى غير ذلك من العلوم العالية الشرعية النافعة والعلوم اللازمة للنبوة والرسالة، فإنه لم يتعرض الرامپوري ولا السهارنپوري للعلم المطلق ولا العلم الذي يدار الفضيلة عليه

فقال السهارنپوري في ضمن رده: [الحاصل: ينبغي أن يتأمل: إثبات العلم المحيط بالدنيا لفخر العالم (صلى الله عليه وسلم) نظرا إلى حال الشيطان وملك الموت ومخالفة للنصوص القطعية بلا دليل وانطلاقا من قياس فاسد: إن لم يكن شركا فمن أي حصة الإيمان هو؟!] من البراهين، ص. ٥٥

أما قوله في حق هذا الإعتقاد أنه شرك فيأتى البيان عن مراده به فى الجواب عن الإتهام الثاني إن شاء الله تعالى. والآن فليركز القارئ نظره على قول السهارنپوري: [إثبات العلم المحيط بالدنيا]. فالكلام إنما هو فى العلم الدنيوي لا العلم المطلق ولا العلم الذي عليه مدار الفضيلة

ثم قال السهارنپوري في نفس البحث: [فحضور الروح المبارك عليه السلام في أعلى العليين وكونه أفضل من ملك الموت لا يثبت به البتة كون علمه مثل علم ملك الموت أو أكثر منه في هذه الأمور] من البراهين، ص. ٥٦

فلينظر القارئ قوله صراحة: [في هذه الأمور] (بالأردوية: ان أمور مين). أي فى الأمور الدنيوية من الحوادث والكوائن وأحوال الرجال والنساء

ومع هذا كله قال البريلوي: [صرح في كتابه البراهين القاطعة…بأن شيخهم إبليس أوسع علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم]! فهل هذا إنصاف؟

والعلم المعتبر ليس هو العلم بالدنيا وأحوالها، فلا يطلق أبدا القول بأن فلانا أعلم من فلان بناء على كونه حاصلا لعلوم من الأمور الدنيوية أكثر منه. قال القاضي عياض رحمه الله فى الشفاء: [فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه (صلى الله عليه وسلم) فيه ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوارح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية] (الشفاء، دار الحديث، ص٤٠٥) وقال الإمام الفخر الرازي: [يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها] من تفسير الفخر الرازي، دار الفكر، ج٢١ ص١٥٠

هذا، وقد رد على هذا الإتهام العلامة السهارنپوري نفسه في كتابه المختصر المفيد ‘المهند على المفند’. ودونكم نص الكتاب

السؤال: أ ترون أن إبليس اللعين أعلم من سيد الكائنات عليه السلام وأوسع علما منه مطلقا؟ و هل كتبتم ذلك في تصنيف ما؟ وبم تحكمون على من اعتقد ذلك؟

الجواب: قد سبق منا تحرير هذه المسألة: أن النبي عليه السلام أعلم الخلق على الإطلاق بالعلوم و الحكم و الأسرار و غيرها من ملكوت الآفاق، و نتيقن أن من قال: ‘إن فلانا أعلم من النبي عليه السلام’ فقد كفر وقد أفتى مشايخنا بتكفير من قال: ‘إن إبليس أعلم من النبي عليه السلام’، فكيف يمكن أن توجد هذه المسألة في تأليف ما من كتبنا؟ غير أن غيبوبة بعض الحوادث الجزئية الحقيرة عن النبي عليه السلام لعدم التفاته إليه لا تورث نقصا ما في أعلميته عليه السلام بعدما ثبت أنه أعلم الخلق بالعلوم الشريفة اللائقة بمنصبه الأعلى، كما لا يورث الاطلاع على أكثر تلك الحوادث الحقيرة لشدة التفات إبليس إليها شرفاً وكمالاً علمياً فيه، فإنه ليس عليها مدار الفضل و الكمال، ومن ههنا لا يصح أن يقال: ‘إن إبليس أعلم من سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم’، كما لا يصح أن يقال لصبي علم بعض الجزئيات: ‘إنه أعلم من عالم متبحر محقق في العلوم والفنون الذي غابت عنه تلك الجزئيات.’ ولقد تلونا عليك قصة الهدهد مع سليمان على نبينا وعليه السلام وقوله: ‘إني أحطت بما لم تحط به.’ ودواوين الحديث ودفاتر التفسير مشحونة بنظائرها المتكاثرة المشتهرة بين الأنام… ومبتدعة ديارنا يثبتون للذات الشريفة النبوية عليه ألف ألف تحية وسلام جميع علوم الأسافل الأراذل والأفاضل الأكابر قائلين: ‘إنه عليه السلام لما كان أفضل الخلق كافة فلا بد أن يحتوي على علومهم جميعها كل جزئي جزئي وكلي كلي’، ونحن أنكرنا إثبات هذا الأمر بهذا القياس الفاسد بغير نص من النصوص المعتدة بها، ألا ترى أن كل مؤمن أفضل و أشرف من إبليس فيلزم على هذا القياس أن يكون كل شخص من آحاد الأمة حاويا على علوم إبليس، ويلزم على ذلك أن يكون سليمان عليه السلام عالما بما علمه الهدهد …و اللوازم باطلة بأسرها كما هو المشاهد. وهذا خلاصة ما قلناه في البراهين القاطعة لعروق الأغبياء المارقين القاصمة لأعناق الدجالة المفترين، فلم يكن بحثنا فيه إلا عن بعض الجزئيات المستحدثة، ومن أجل ذلك أتينا فيه بلفظ الإشارة حتى تدل أن المقصود بالنفي و الإثبات هنالك تلك الجزئيات لا غير، لكن المفسدين يحرفون الكلام ولا يخافون محاسبة الملك العلام، وإنا جازمون أن من قال: ‘إن فلانا أعلم من النبي عليه السلام’ فهو كافر كما صرح به غير واحد من علمائنا الكرام، ومن افترى علينا بغير ما ذكرناه فعليه البرهان خائفا عن مناقشة الملك الديان و الله على ما نقول وكيل

فانظر إلى قوله: [ومن أجل ذلك أتينا فيه بلفظ الإشارة حتى تدل أن المقصود بالنفي و الإثبات هنالك تلك الجزئيات لا غير]، وهذا حق واضح يراه قارئ هذا البحث من البراهين القاطعة بالسهولة، وقد أشرنا إلى موضع منه الذي صرح فيه العلامة السهارنپوري أن كلامه هو ‘في هذه الأمور’. وحتى فى العبارة التي نقلها البرليوي في ‘حسام الحرمين’ يلاحظ القارئ اسم الإشارة، فقال السهارنپوري: [هذه السعة قد ثبتت للشيطان وملك الموت بالنص] (البراهين، ص. ٥٥) ولم يفسر السهارنپوري في هذه الجملة مراده ب’هذه السعة’ اعتمادا على تتبع القارئ لسياق الكلام، فالمراد ب’هذه السعة’ (ولم يقل ‘هذه السعة فى العلم’ كما في ترجمة البريلوي) هي: السعة في علوم الدنيا من الحوادث والكوائن وأحوال البشر كما قدمنا

والإلزام الذي أورده العلامة السهارنپوري على القياس المذكور بقوله: [ألا ترى أن كل مؤمن أفضل و أشرف من إبليس فيلزم على هذا القياس أن يكون كل شخص من آحاد الأمة حاويا على علوم إبليس] إلخ، فقد ذكره بعينه فى البراهين القاطعة ص. ٥٥

فهل يقول المنصف بعد هذا أن العلامة السهارنپوري جعل علم الشيطان اللعين أوسع من علم الرسول صلوات الله وسلامه عليه؟

الجواب عن الإتهام الثاني

وأما قول البريلوي أن العلامة السهارنپوري جعل إثبات العلم المحيط بالأرض من الشرك إذا أثبت للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أثبته هو للشيطان اللعين، فكأنه جعل الشيطان شريكا لله تعالى، فالجواب عنه بالإختصار أن العلامة السهارنپوري إنما جعل الشرك إثبات العلم الذاتي الغير المكتسب لغير الله تعالى، وأما ما أثبته للشيطان فإنما هو العلم المكتسب عن طريق الحواس

أما على وجه التفصيل فأقول أولا: لم يثبت العلامة السهارنپوري العلم المحيط بالأرض للشيطان كما زعمه البريلوي، وإنما أثبت للشيطان سعة العلم بأمور الدنيا بناء على الأدلة التي أوردها خصمه مولانا الرامپوري فى ‘الأنوار الساطعة’، وأنكر القول بإثبات ‘العلم المحيط بالأرض’ للنبي صلى الله عليه وسلم بناء على قياس أفضليته. فهذه هي عبارة السهارنپوري [الحاصل: ينبغي أن يتأمل: إثبات العلم المحيط بالدنيا لفخر العالم (صلى الله عليه وسلم) نظرا إلى حال الشيطان وملك الموت ومخالفة للنصوص القطعية بلا دليل وانطلاقا من قياس فاسد: إن لم يكن شركا فمن أي حصة الإيمان هو؟!] (البراهين، ص. ٥٥) وحال الشيطان وملك الموت التي يتكلم عنها هي ما أثبتها الرامپوري من سعة علمهما بأمور الدنيا، لا العلم المحيط، فإن الشيخ السهارنپوري لم يثبت مثل هذا العلم للشيطان قطعا.
ثم ينبغي للقارئ أن يتأمل: ما هو الجواب العام الذي أورده السهارنپوري على القياس المذكور؟ حتى يتمكن من الفهم الصحيح لمراد السهارنپوري من هذه العبارات. والحديث في هذا الجواب العام هو الذي استغرق معظم كلامه في هذا البحث، ولم يتعرض له البريلوي أصلا، فإن فيه ما يفضح تلبيساته وتحريفاته لكلام السهارنپوري

يقول السهارنپوري أولا ردا على قول الرامپوري: العالم أكبر بكبير من مجالس المولد إلخ: إن عقيدة الأمة الإسلامية هي أن العلم الذي آتاه الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من المخلوقات، فإثبات أكثر منه ولو بأقل قليل هو من الشرك. قال تعالى: ‘وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو’. وجاء فى البحر الرائق والفتاوى الهندية ورد المحتار وغيرها من كتب الفقه أن من أشهد الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم على نكاحه فقد كفر فإنه أثبت للرسول صلى الله عليه وسلم علم الغيب. وهذا إنما في إثبات العلم بمجلس النكاح، ولم يشترط أحد في كون هذا الإعتقاد كفرا أن يعتقد مساواة علمه بعلم الله تعالى كيفا وكما. من البراهين، ص. ٥٣

ثم قال السهارنپوري ردا على قول الرامپوري: عقيدة أهل السنة هي أن الله تعالى يختص بما هو خاص له إلخ: بل إن عقيدة أهل السنة هي أنه لا توجد صفة من صفات الله تعالى فى الخلق أصلا، وأما ما آتاه الله تعالى خلقه من ظل صفاته كالسمع والبصر والقدرة والعلم فلا يمكن لأحد منهم أن يزيد فيه بشيء، فما آتاه الله الشيطان وملك الموت من السعة (في علم الدنيا) وما خلق الله الشمس والقمر عليه (من سعة نورهما) ليس في قدرة هؤلاء أن يزيدوا على ذلك من شيء، ولا يتوقف الفضيلة على قلة هذه الأشياء ولا كثرتها. كان موسى عليه السلام أفضل من الخضر عليه السلام، ومع هذا لم يكن عنده ما كان عند الخضر من علم الكشف، وبالتالي لم يكن في قدرة الخضر أن يزيد على ما قد أوتيه من علم الكشف. من البراهين، ص. ٥٤-٥٥

ثم قال السهارنپوري ردا على قول الرامپوري: أما العلم بجميع الأمكنة على ظهر الأرض فليس هذا مما يختص به الله سبحانه إلخ: الذي يختص الله تعالى به في صفة علمه هو كون علمه ذاتيا وحقيقيا، ولازم كون صفة علمه هكذا: إحاطة علمه بكل شيء. أما علم جميع المخلوقات فهو مجازي ظلي، فإنه مستفاد من الله تعالى على قدر العطاء. فحضور الرسول صلى الله عليه وسلم في أعلى العليين وكونه أفضل من ملك الموت لا يثبت به البتة كون علمه مثل علم ملك الموت أو أكثر منه في هذه الأمور. وإثبات هذا العلم بناء على القياس هو جهل إن لم يكن شركا. من ص. ٥٦

هذا كله من كلام السهارنپوري، ولم أزد فيه شيئا من نفسي

فيرى القارئ الكريم أن ما يعتبره العلامة السهارنپوري من الشرك هو: إثبات العلم بشيء ما لمن لم يثبت له العلم به من طريق المشهادة أو من طريق الدلائل الصريحة النقلية، فإن إثبات مثل هذا العلم له هو إثبات العلم الذاتي الغير المكتسب لذلك الشخص، وهو خاص بالله تعالى ولا يشاركه فيه أحد. وإثباته بناء على كونه أفضل ممن ثبت له العلم بالشيء الفلاني، لا من طريق إثبات اكتسابه بالأدلة المعتبرة، هو من الشرك، فإن حاصله أن له علما ذاتيا غير مكتسب. هذا هو حاصل رد السهارنپوري على الرامپوري، وهو رد علمي دقيق

إنما أثبت السهارنپوري العلم المكتسب للشيطان، فقال في ص٥٤: [السعة التي أوتيها الشيطان وملك الموت]، وقال بعد أسطر: [وحال هذه السعة فى العلم التي أوتيها الشيطان وملك الموت قد ثبتت بطريق المشاهدة والنصوص القطعية] (البراهين، ص. ٥٥) فانظر كلمة: [أوتيها]. تنبيه: وليلاحظ القارئ وجود اسم الإشارة ‘هذه’ (بالأردوية: ‘يه’)، وهو يرجع إلى العلم بأمور الدنيا لا العلم المطلق كما زعمه البريلوي، وكما بيناه فى الجواب عن الإتهام الأول

وقد صرح العلامة السهارنپوري بأن مراده في إثبات الشرك لمن يعتقد العلم المحيط بالدنيا للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو لمن يعتقد كون هذا العلم علما ذاتيا. فقال السهارپوري عند اختتام بحثه هذا: [وهذا البحث إنما هو فيمن يعتقد أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم علما ذاتيا كما هو عقيدة الجهلاء، أما من يعتقد هذا وقال هو بإطلاع الله عليه فهو ليس بشرك ولكن لا يصح هذا القول بغير دليل يعتبر فى الشرع] من البراهين، ص. ٥٧)

فهل علينا أن نطول الكلام بعد تصريح السهارنپوري هذا؟

الجواب عن الإتهام الثالث

أما زعم البريلوي أن العلامة السهارنپوري طالب النص القطعي في إثبات علم النبي صلى الله عليه وسلم وتمسك بما لا أصل له في نفيه، فالجواب عنه أنه إنما أتى بحديث [ما أعلم ما خلف جداري هذا] تمثيلا لا حصرا، فادعى السهارنپوري أنه ثبت عدم إحاطة علمه الشريف صلوات الله عليه وسلامه بجميع الأمور الدنيوية بدلائل كثيرة ، وأتى بهذا الحديث تمثيلا بعد ما أورد آية من القرآن وهي قوله تعالى: [قل…وما أدري ما يفعل بي ولا بكم] (البراهين، ص.٥٥) والآية قطعية، وهي تفيد عند جمع من العلماء عدم علمه صلى الله عليه وسلم بما يفعل به على سبيل التفصيل وإن كان عنده العلم به على سبيل الإجمال. وهناك أدلة كثيرة التي تدل على عدم إحاطة علمه الشريف بجميع الحوادث الدنيوية كما لا يخفى على أهل العلم

الجواب عن الإتهام الرابع

أما قول البريلوي أن العلامة السهارنپوري كذب على الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي في نسبة رواية هذا الحديث إليه، حيث لم يروه الشيخ عبد الحق، بل نقله للرد عليه والطعن فيه، فالجواب عنه أن العلامة السهارنپوري إنما قال: [وروى الشيخ عبد الحق: ((ما أعلم ما خلف جداري هذا))] (البراهين، ص.٥٥) ولم يحل على كتاب معين للشيخ المذكور. وما نقله البريلوي من كلام الشيخ عبد الحق إنما هو من كتابه مدارج النبوة

والحقيقة أن العلامة السهارنپوري لم ينقل من كتابه هذا كما توهمه البريلوي، وإنما نقل عن شرحه على مشكاة المصابيح المسمى ب’أشعة اللمعات’، فعند حديث المشكاة: [ألا تتقى الله؟! ألا ترى كيف تصلي؟ إنكم ترون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون. والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي!] قال الشيخ عبد الحق ما ترجمته بالعربية: [ليعلم أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم أمامه وخلفه إنما وقع بطريق خرق العادة، من الوحي والإلهام، وإنما وقع في بعض الأحيان لا على سبيل الإستمرار، ويؤيده ما جاء فى الحديث أنه لما ضل ناقته ولم يدر مكانه قال المنافقون: زعم محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه يأتي بأخبار السماء ولم يدر مكان ناقته. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: والله ما أعلم إلا ما علمني الله تعالى، وقد أخبرني الله أن ناقتي هي فى الشعب كذا وقد تعلق زمامها بشجرة. وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: إنما أنا بشر، ما أعلم ما خلف جداري هذا. يعني: من غير إعلام الله تعالى إياي] من أشعة اللمعات، ج١ ص٣٩٢

ففي هذا الكتاب قد أرود هذا الحديث الشيخ عبد الحق في معرض الإحتجاج ولم يطعن فيه. وقال العلامة السخاوي عن هذا الحديث: [حديث: ما أعلم ما خلف جداري هذا، قال شيخنا (أي: الحافظ ابن حجر العسقلاني): لا أصل له، قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج الرافعي عند قوله فى الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه: هو فى الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك مقيدة بحالة الصلاة، وبذلك جمع بينه وبين قوله: لا أعلم ما وراء جداري. انتهى. وهذا مشعر بوروده] من المقاصد الحسنة، دار الكتب العلمية، ص٣٥٩

فلم يكذب السهارنپوري في نسبة رواية الحديث إلى الشيخ عبد الحق، والحمد لله تعالى

ولا غرابة في معنى هذا الحديث وإن لم يثبت، وقد جاء معناه في غيره من الأحاديث. منه ما جاء فى الصحيحين: [اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل  البصر»]، ففيه أنه لم يكن مطلعا على اطلاع هذا الرجل من الجحر مع كونه وراء الجدار

وهذا القدر يكفي للمنصف فى الجواب عن اتهامات البريلوي على العلامة السهارنپوري – بإذن الله تبارك وتعالى


Refutation of the False Allegation against Imam Nanotwi [Arabic]

February 4, 2015

اتهام البريلوي على الشيخ قاسم النانوتوي والجواب عنه

قال أحمد رضا خان البريلوي في كتابه ‘حسام الحرمين’: [والقاسمية المنسوبة إلى قاسم النانوتي، صاحب ‘تحذير الناس’ وهو القائل فيه: ((لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته، وإنما يتخيل العوام أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بمعنى آخر النبيين مع أنه لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم))، إلى آخر ما ذكر من الهذيانات. وقد قال فى التتمة والأشباه وغيرهما: ((إذا لم يعرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء فليس بمسلم لأنه من الضروريات))] انتهى كلامه

فغرض البريلوي من هذا الكلام – كما ترى – إثبات نسبة القول إلى الشيخ قاسم النانوتوي – مؤسس دار العلوم ديوبند – بإنكار ختم النبوة وتجويز مجيئ نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقل من كتابه ‘تحذير الناس’، وقام بالخيانة فى نقل هذه العبارة عنه غاية الخيانة، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى

أولا – نريد أن نقدم للقارئين الكرام بيانا مختصرا لما قرره الشيخ قاسم النانوتوي في كتابه ‘تحذير الناس من إنكار أثر ابن عباس’، فإنه خاض في غوامض التفسير وغاص في أسرار المقام المحمدي صلى الله عليه وسلم، بما لا يكاد أحد أن يفهم جملة منعزلة ملتقطة من كتابه هذا فهما صحيحا من غير النظر الدقيق في معظم أبحاثه وجل معانيه

وصورة الكتاب متوفرة على الرابط التالي

https://ia600500.us.archive.org/…/te…/tehzeer-un-naas-da.pdf

الكتاب فى الأصل جواب عن استفتاء قد ورد، وهو حول أثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي جاء فيه: [إن الله خلق سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسىكم ونبي كنبيكم]، فذهب فلان إلى صحة هذا الأثر، وأن في كل أرض من الأراضي السبعة خلائق الله تعالى، وفي كل منها خاتم لسلسلة الأنبياء كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم في أرضنا هذه، فسأل المستفتي: هل يحتمل هذا الحديث هذا المعنى الذي ذهب إليه الفلان المذكور؟ وهل يكفر هو أو يعصي أو يخرج من أهل السنة بناء على قوله هذا؟

فبدأ الشيخ النانوتوي جوابه عن هذا السؤال ببيان مفصل لتفسير كلمة [خاتم النبيين] حيث وردت فى القرآن الكريم، وزعم أن الفهم الصحيح لمعناها يفضي إلى كشف ما أشكل على السائل من المراد بالأثر المذكور فى السؤال. فأخذ النانوتوي في بيان ما ذهب إليه من تفسير هذه الكلمة، وهذا التفسير هو الذي ألخصه لكم فإنه ما يهمنا في هذا البحث

فقدم الشيخ النانوتوي للقارئين مشكلة تفسيرية حول هذه الصفة حيث وردت فى القرآن، فقال إن معناها عند عامة الناس هو ليس إلا كون النبي صلى الله عليه وسلم متأخرا عن جميع الأنبياء السابقين بحسب الزمان، ولكن التأخر والتقدم الزمانيان لا يفيدان الفضيلة بذاتيهما، ويجب أن تكون صفة ‘الخاتمية’ صفة مدح وكلمة ‘خاتم النبيين’ بيان فضيلته صلى الله عليه وسلم لسببين: الأول: الأوصاف التي ليس لها مدخل فى النبوة والمدح لا ذكر لها فى التنزيل كالطول والصورة واللون والنسب إلى غير ذلك، والثاني: لو لم تكن هي صفة مدح يتوهم من ذكرها تنقيص درجة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يكون الكمالات التي وصفت عند ذكر أهلها لا غير ١

ثم قال النانوتوي: ويمكن أن يكشف هذا الإشكال بأن يقال: إن هذه الشريعة هي آخر الشرائع، وهذا المعنى ل’خاتم النبيين’ يسد باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم واغترارهم بهم. فسلم النانوتوي أن هذا التوجيه محل للاعتبار في نفسه، لكن بقى مع هذا التوجيه مشكل آخر، وهو الإستدراك الموجود في هذه الآية. فإن الله تعالى قال: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين] (سورة الأحزاب) وكلمة ‘لكن’ تفيد الإستدراك على شبهة وقعت من الكلام السابق، فما هي الشبهة؟ وما هو توجيه هذا الإستدراك؟

فقال النانوتوي: إن قوله تعالى: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم] ينفى الأبوة الجسمانية عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل رجل من رجال الأمة، ولكن يمكن أن يتوهم من قرأه أن الأبوة المعنوية قد نفيت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا، ودفع الله تعالى هذا التوهم بقوله عز وجل: [ولكن رسول الله وخاتم النبيين]، فصفة ‘رسول الله’ تثبت أبوته المعنوية الروحانية لهذه الأمة المحمدية، وصفة ‘خاتم النبيين’ تثبت أبوته المعنوية لجميع الأنبياء السابقين وبواسطتهم ثبتت أبوته على أممهم أيضا

فصفة ‘رسول الله’ تفيد أن هذه الأمة استفادت صفة الإيمان بواسطته صلى الله عليه وسلم، فكما أن الوالد سبب لولادة المولود فهو الأب الجسماني له، فكذلك الرسول سبب لإيمان الأمتي فهو الأب المعنوي له. قد أطال النانوتوي الكلام في إثبات هذه الدعوى، ولكن بيانه هذا ليس مما يهمنا في هذا البحث فأقتصر على هذا القدر

أما عن تفسير كلمة ‘خاتم النبيين’ فهي تفيد – عند النانوتوي – أبوته المعنوية للأبنياء السابقين ومن طريقهم يثبت أبوته لأمم أولائك الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والدعوى التي يعرضها الشيخ النانوتوي على القارئين لإثبات هذا المعنى في كلمة ‘خاتم النبيين’ هي كالتالي: النبوة في حق النبي صلى الله عليه وسلم صفة ذاتية، أي ثابتة فيه من غير واسطة، والنبوة في حق غيره صلى الله عليه وسلم صفة عرضية، أي ثابتة فيهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما اتصف بصفة عرضية تنتهي صفته إلى ما اتصف بها ذاتيا. وهذا كما أن نور الشمس ذاتي، غير مستفاد من شيء آخر، ونور الأرض والشوارع والأبواب والحيطان كله من فيض نور الشمس، فصفة النور في هذه الأشياء صفة عرضية وتنتهي هذه الصفة لها إلى ما اتصف بها ذاتيا، وهو الشمس. فهكذا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فنبوة غيره إنما هي فيض نبوته، وبما أن نبوته ليست فيضا من نبوة غيره، بل ثبتت فيه ذاتيا، فتنتهي سلسلة النبوة إليه وتختم به. وبناء على هذه النسبة بينه وبين سائر الأنبياء يثبت كونه نبي الأنبياء كما أنه نبي هذه الأمة المحمدية، فتثبت أبوته المعنوية لهم بهذا التقرير، وتم توجيه الإاستدراك فى الآية المذكورة

ثم أخذ الشيخ النانوتوي في إثبات دعواه هذه من أدلة الشريعة ونصوص القرآن والسنة، وها أنا ألخصها لكم

فساق أولا قول الله تعالى: [وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: لما آتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه] (سورة آل عمران) فهذه الآية تفيد كونه صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، فإن كلا من الأنبياء قد أخذ عنه الميثاق بأنه لو جاء محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه لاتبعه، فنبوتهم ترجع إلى نبوته عليه الصلاة والسلام وتنتهي إليه، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [لو كان موسى حيا ما حل له إلا أن يتبعني]، ويحكم عيسى عليه السلام بعد نزوله على الشريعة المحمدية لا على شريعته. فهذا مما يمكن توجيهه بالتقرير الذي حرره النانوتوي، من كون نبوته ذاتية وغير مستفادة من غيره ونبوة سائر الأنبياء عرضية ومستفادة من نبوته. ويمكن توجيه الحديث: [كنت خاتم النبيين وآدم منجدل في طينته] هكذا أيضا، من أن نبوة غيره مستفادة منه، فهو أصل نبوتهم ومنبعها

ثم ساق النانوتوي الآية التالية تمهيدا للدليل الثاني على دعواه: [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصلحين] (سورة النساء) فإن فيها ذكر أربع طبقات من أهل الكمال، وكمال الأولين (الأول والثاني) منهم هو كمال علمي، وكمال الآخرين (الثالث والرابع) منهم هو كمال عملي. يدل على هذا أن لفظ ‘النبي’ مشتق من نبأ، ولفظ ‘الصديق’ مشتق من ‘صدق’، فالنبي منبع العلم وأصله والصديق مجمع العلم وملتقاه. وبما أن النبوة كمال علمي فعلوم الأنبياء تزيد على علوم غيرهم كما وكيفا، مع أن عملهم يجوز فيه أن يكون أقل من عمل غيرهم كما وإن زادوا على غيرهم فيه كيفا. وأطال النانوتوي الكلام في بيان كون الشهادة والصالحية من كمالات العمل. ثم زعم أن علوم النبي صلى الله عليه وسلم كاملة وجامعة وتامة وعلوم غيره من الأنبياء لم تكن كاملة بالنسبة إلى علومه، واستدل عليه بما جاء فى الحديث [أوتيت علم الأولين والآخرين]، أي: يشتمل علومي على علوم السابقين واللاحقين، ويدل عليه أيضا قوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا لسائر الأنبياء: [مصدق لما معكم]، وكلمة ‘ما’ عام تشتمل على جميع العلوم التي كانت مع الأنبياء السابقين. وهذا كما أن العلوم المستفادة من الحواس الخمس تجمع فى النفس الناطقة، والنفس الناطقة هي المدرك الحقيقي الذاتي، وحاسة السمع وحاسة البصر وغيرهما مدركة عرضية، فكذلك علوم الأولين والآخرين، ومنها علوم الأنبياء السابقين، تجمع كلها في العلوم الحاصلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي مستفادة من علومه صلى الله عليه وسلم، فإنه العالم الحقيقي الذاتي وغيره عالم عرضي. فهذا التقرير مما يدل على كون نبوة الأنبياء السابقين مستفادة منه صلى الله عليه وسلم

والدليل الثالث الذي استدل به النانوتوي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: [كنت نبيا وآدم بين الروح الجسد]٢ والوجه فيه ما أشرنا إليه فى الكلام عن الدليل الأول

وسمى النانوتوي هذا المقام المحمدي الذي أطال في البحث عنه: ب’الخاتمية الذاتية’ وزعم أن الخاتمية الذاتية تستلزم الخاتيمية الزمانية وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بحسب الزمان. ثم بين وجه اللزوم بين الخاتميتين بأنه لو قدر مجيئ نبي بعده صلى الله عليه وسلم فإنه إما أن يأتي بشريعة جديدة أو لا، فإن كان الأول فهذا ينافي قوله تعالى: [ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها] فإنه يفيد كون الناسخ أعلى من المنسوخ، والنبي المقدر هنا أدنى من النبي صلى الله عليه وسلم فكذا شريعته، وهذا لا يجوز؛ وإن لم يأت بشرع جديد فلا فائدة في هذه النبوة المقدرة، فإن النبوة كمال علمي وقد حفظت العلوم المحمدية فى القرآن الكريم الذي هو [تبيان لكل شيء] ومصدق لكل ما جاء به الأنبياء بأسرهم. فالخاتمية الزمانية والتأخر الزمني من لوازم الخاتمية الذاتية

لفظ ‘الخاتم’ يتضمن معنى التأخر، والتأخر قد يكون من حيث الزمن، وقد يكون من حيث الرتبة والمقام، وقد يكون من حيث المكان، ففي صفة خاتم النبيين تقدير، والمقدر إما ‘خاتم زمن النبيين’ وإما ‘خاتم رتبة النبيين’ وإما ‘خاتم مكان النبيين’. والراجح عند النانوتوي أنها تدل على كل من هذه المعاني الثلاثة دلالة مطابقية، فالنبي صلى الله عليه وسلم متأخر فى الزمن، وهو متأخر (أي: متعال) فى الرتبة من حهة التي بينها، وهو متأخر فى المكان بالنسبة إلى أنبياء الأرضي الستة الأخر، فإن أرضنا هذه هي فوق الأراضي الأخرى. وهذا كما في قول الله تعالى: [إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس من عمل الشيطان]، فالخمر رجس ظاهري والميسر والأنصاب رجس باطني، فكلمة ‘الرجس’ عام يشمل الرجس الظاهري والرجس الباطني، فكذلك لفظ ‘الخاتم’، هو عام يتضمن الخاتمية الذاتية والزمانية والمكانية. ويمكن أن يقال إن لفظ ‘الخاتم’ فيه عموم المجاز حتى يتضمن هذه المعاني الثلاثة، أو يقال: معناه الأصلي هو الخاتمية الذاتية ومن لوازمها خاتمية زمانية، فهي مدلول الآية بدلالة التزامية

وقال النانوتوي عن بيانه هذا ما تعريبه: [فتأمل الآن: أن في هذه الصورة قد يقع (وجه) العطف بين الجملتين والإاستدراك والإستثناء المذكروة تحت النظر بنهاية درجة المناسبة، وتثبت الخاتمية بأحسن الوجوه أيضا، مع أن الخاتمية الزمانية لا تخرج من اليد] من تحذير الناس، ص٥٧

فهذا خلاصة ما أردنا توضيحه وتلخيصه من كتاب تحذير الناس، وهذا يشمل تقريبا ثلث كتابه. وأخذ النانوتوي في باقي الكتاب في بيان أثر ابن عباس رضي الله عنهما المذكور فى السؤال من حيث صحته ومعناه. وليعلم أن العلامة عبد الحي اللكنوي – صاحب ‘الأجوبة الفاضلة’ و’الرفع والتكميل’ وغيرهما من المؤلفات الجليلة المشهورة المتلقاه بالقبول – ممن قرظ على كتاب النانوتوي هذا، وقد ألف هو أيضا رسائل في بيان صحة أثر ابن عباس رضي الله عنهما وبيان معناه عند العلماء، وأحد هذه الرسائل باللغة العربية، سماها اللكنوي: ‘زجر الناس على إنكار أثر ابن عباس’ فى الجزء الأول من مجموعة رسائله المتوفرة على الرابط التالي

https://ia700709.us.archive.org/…/…/Rasaellaknawi/LAKN01.pdf

تأييد كلام النانوتوي من المتقدمين

وللإمام تقي الدين السبكي رسالة ‘التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه’ في ضمن فتاويه (ج١ ص٣٨-٤٢)، فسر فيها آية آل عمران ، قال فيها: [وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: ((بعثت إلى الناس كافة)) لا يختص بالناس في زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا، ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد))، وإن فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيا لم يصل إلى هذا المعنى لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت…والنبي صلى الله عليه وسلم خير الخلق فلا كمال لمخلوق أعظم من كماله ولا محل أشرف من محله يعرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى، وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت، ثم أخذ له المواثيق على الأنبياء وعلى أممهم ليعلموا أنه المقدم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم…فإذا عرف ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الأنبياء، ولهذا ظهر ذلك فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه وهو فى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وأممهم الإيمان ونصرته وبذلك أخذ الميثاق عليهم، فنبوته عليه ورسالته إليهم معنى حاصل له، وإنما أثره يتوقف على اجتماعهم معه فتأخر ذلك لأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما تقتضيه…فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته وهو نبي كريم على حاته..وكذلك لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو في زمن موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم والنبي صلى الله عليه وسلم نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم] انتهى كلامه

وللصوفي الجليل والعالم الكبير الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ ه) ‘كتاب ختم الأولياء’ قال فيه: [قال له قائل: وما خاتم النبوة؟ قال: حجة الله على خلقه بحقيقة قوله تعالى: ((وبشر الذي آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)) فشهد الله له بصدق العبودية…فبذلك القدم الصدق الذي له يتقدم على جميع صفوف الأنبياء والمرسلين لأنه قد أتى بصدق العبودية لله تعالى، فيقبله الله منه ويبعثه إلى المقام المحمود عند الكرسي فيكشف الغطاء عن ذلك الختم فيحيطه النور وشعاع ذلك الختم يبين عليه…فصار محمد صلى الله عليه وسلم شفيعا للأنبياء والأولياء ومن دونهم، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام فيما يصف من شأن المقالم المحمود؟ ((حتى إن إبراهيم خليل الرحمن يحتاج إلي في ذلك اليوم…ويكشف الغطاء عن الختم فينقطع الكلام وتصير الحجة على جميع خلقه لأن الشيء المختوم محروس، وكذلك تدبير الله تعالى لنا في هذه الدنيا: إنه إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين. فجمع الله أجزاء النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم له، وختم عليها بختمه، فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إلى ولوج موضع النبوة من أجل ذلك الختم. ألا ترى إلى حديث الحسن البصري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث الشفاعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنه قال: ((فإذا أتوا آدم يسألونه أن يشفع لهم إلى ربه، قال لهم آدم: أرأيتم لو أن أحدكم جمع متاعه في غيبته ثم ختم عليها، فهل كان يؤتى المتاع إلا من قبل الختم؟ فأتوا محمدا، فهو خاتم النبيين.ومعناه عندنا: إن النبوة تمت بأجمعها لمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعل قلبه لكمال النبوة وعاء عليها ثم ختم. ينبئك هذا أن الكتاب المختوم والوعاء المختوم ليس لأحد عليه سبيل فى الإنتقاص منه ولا بالإزدياد فيه مما ليس منه، وإن سائر الأنبياء عليهم السلام لم يختم لهم على قلوبهم، فهم غير آمنين أن تجد النفس سبيلا إلى ما فيها…وهذا له شأن عظيم تطول قصته. فإن الذي عمي عن خبر هذا يظن إن خاتم النبيين تأويله أنه آخرهم مبعثا (أي: فقط)، فأي منقبة في هذا؟ وأي علم في هذا؟ هذا تأول البلة الجهلة!] من كتاب ختم الأولياء، ص٣٣٨-٣٤١

وهذا – كما ترى – يؤيد تقرير النانوتوي غاية التأييد

وبحث النانوتوي هذا من باب بيان أسرار الشريعة، وهو فن لطيف دقيق، يتوقع فيه اختلاف الأنظار، وهو ليس من باب بيان العقائد الإسلامية الضرورية، فأكثر من ينتسب إلى ديوبند – حتى خواصهم وعلماءهم – لم يطعلوا على كتابه هذا وليس لهم خبر بمضمونه، وممن يطلع عليه فليس كل منهم موافق للنانوتوي في رأيه هذا وتحريره، فلا يقال: هذا رأي علماء ديوبند أو رأي أكابرهم، بل يقال: هذا ما أفضى إليه دقة نظر الشيخ العلامة محمد قاسم النانوتوي، وهو يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر صلوات الله وسلامه عليه

الجواب عن اتهام البريلوي

وبعد، فنلفت الآن نظرنا إلى اتهام البريلوي على الشيخ قاسم النانوتوي بإنكار خاتمية الرسول صلى الله عليه وسلم وتجويز مجيئ نبي بعده. قد ثبت مما قررناه مراد النانوتوي من بحثه، ويلاحظ المتتبع لكلامه أنه لم ينكر الخاتمية الزمانية – أي تأخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن زمن سائر الأنبياء – في هذا التقرير، بل أقر به وأيده بمزيد التأييد، بل قد كفر في كتابه هذا من ينكر كونه آخر الأنبياء بحسب الزمان. قال في بداية كتابه بعد أسطر من العبارة الأخيرة التي نقلها البريلوي قبيل بيان التفسير الذي اختاره لكلمة ‘خاتم النبيين’ ما تعريبه: [والخاتمية مبنية على أمر آخر الذي يلزم منه – من حيث هو – التأخر الزماني وسد الباب المذكور (أي: باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويضاعف به الفضيلة النبوية صلى الله عليه وسلم] (تحذير الناس، ص. ٤٣)، وقدمنا نقل قوله عند اختتام تقريره عن التفسير الذي اختاره ل’خاتم النبيين’: [مع أن الخاتمية الزمانية لا تخرج من اليد]. انتهى

وقال أيضا ما تعريبه: [إن كان (لفظ الخاتم) على إطلاقه وعلى عمومه (كما هو الراجح عند النانوتوي) فإن ثبوت الخاتمية الزمانية ظاهر، وإلا يجب البتة تسليم لزوم الخاتمية الزمانية بدلالة التزامية (كما قرره قبل)، وهنا التصريحات النبوية ك ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) أو كما قال – الذي الظاهر فيه أنه مأخوذ من هذا اللفظ ‘خاتم النبيين’ بالطريقة المذكورة – تكفي في هذا الباب (أي: في إثبات الخاتمية الزمانية)، فإن هذا المعنى قد بلغ درجة التواتر، وقد انعقد الإجماع عليه. مع أن الألفاظ المذكورة ليست منقولة بأسانيد متواترة، ومع عدم هذا التواتر فى الألفاظ، يكون التواتر المعنوي ثابت هنا كتواتر عدد ركعات الفرائض والوتر وغيرها. ومع أن ألفاظ الحديث التي تشعر بعدد الركعات ليست متواترة، فكما أن منكره كافر، فكذلك منكر هذا (أي: الخاتمية الزمانية) كافر أيضا.] من تحذير الناس، ص٥٦

فانظر إلى هذا النص الصريح الذي يثبت فيه النانوتوي الخاتمية الزمانية بوجوه متعددة: من الحديث المتواتر وإجماع الأمة ودلالة الآية إما دلالة مطابقية أو دلالة التزامية، ثم صرح بأن منكرها يكفر كما أن منكر عدد ركعات الصلوات يكفر. وبغض النظر عن هذا كله اتهم البريلوي على النانوتوي بإنكار الخاتمية وتجويز مجيئ نبي بعد رسول الله صى الله عليه وسلم

أما العبارة التي نقلها البريلوي فإنه التقطها من ثلاثة مواضع من تحذير الناس، وساقها سياقا واحدا حتى يظن من يطالعها أنها كلام مسلسل، ولم يثبت هو في أصل كتابه ‘حسام الحرمين’ علامات التي تدل على كون هذه العبارة مركبة من كلمات مولانا النانوتوي من مواضع مختلفة من كتابه، وليست كلاما مسلسلا. وهذا من الخيانة فى النقل بلا شك.

أما الجملة الأولى التي نقلها البريلوي فهي مركبة من قطعتين من جملتين في كتاب تحذير الناس. فما نقله البريلوي هكذا: [لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته]. فالقطعة الأولى من هذه الجملة، أي قوله: [لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم] هي من صفحة ٨٥ والقطعة الثانية، أي قوله [بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته] هي من صفحة ٦٥.

فلينظر القارئ إلى سياق كلامه في هذين الموضعين

أما الموضع الأول فالشيخ قاسم النانوتوي بصدد بيان وجه ترجيح التفسير الذى اختاره لكلمة ‘خاتم النبيين’، فإنه لو اختير التأخر الزماني كمعنى أصلي أساسي لهذه الصفة قد يزعم الزاعم أن خواتيم باقي الأرضي هم مساوون له من حيث الفضيلة والرتبة وإن كانوا متقدمين عليه زمنا. وهذا الإحتمال لا ينشأ فى التفسير الذي اختاره هو. فقال النانوتوي ما ترجمته: [نعم، لو اختير الخاتمية بمعنى الإتصاف الذاتي بوصف النبوة كما قرره هذا الفقير، لا يمكن الزعم بأن الأفراد المقصودين بالخلق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم مماثل له صلى الله عليه وسلم، بل في هذه الصورة لا تثبت أفضليته على الأفراد الحقيقيين من الأنبياء فقط، بل تثبت أفضليته على الأفراد المقدرين أيضا، بل ولو فرض مجيئ نبي بعد الزمن النبوي صلى الله عليه وسلم لا يتطرق الفرق إلى الخاتمية المحمدية] من تحذير الناس، ص٨٤-٨٥

فيلاحظ القارئ أن مراده من هذا الكلام هو إثبات أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، فلو أقرت بالخاتمية الذاتية بالمعنى الذي ذهب إليه الشيخ النانوتوي، لا يكاد أحد يزعم أن فردا من أفراد الأنبياء أفضل منه، حتى ولو تصور فى الذهن نبي لم يكن مقصودا بالخلق تثبت أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أيضا بفضل خاتيميته هذه. فمنعى قوله: [ولو فرض مجيئ نبي بعد الزمن النبوي صلى الله عليه وسلم لا يتطرق الفرق إلى الخاتمية المحمدية] أنه لو قدر مجيئ نبي بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت الخاتمية بالمعنى المذكور وتثبت أفضليته صلى الله عليه وسلم. وهذا التقدير نظير ما قدره العلامة السبكي فى الكلام الذي نقلت منه من مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن من قبله من الأنبياء، فإنه يلزم بعثة غيره بعده. فهذا الكلام من باب التقدير والتصوير لتقريب المعنى المقصود، وليس فيه تجويز مجيئ نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء كما هو الظاهر

وأما الموضع الثاني فهو بصدد بيان نتيجة تقريره، فقال: [إطلاق لفظ الخاتم يقتضي ختم سلسلة نبوة سائر الأنبياء عليه، فكما أنه ثبتت حاجة الأنبياء السابقين إليه في وصف النبوة بحسب التقرير المسطور لهذا اللفظ ‘الخاتم’، ولا يحتاج هو إلى أحد في هذا الوصف، فكذلك لو كان نبي من الأنبياء السابقين أو ممن فرض من غيرهم حتى في زمانه، في أرضه أو في غير أرضه أو فى السماء ليحتاج هو إليه في وصف النبوة أيضا، ويختم هذه السلسلة النبوية عليه في كل حال…الحاصل: لو اختير الخاتمية بهذا المعنى الذي قررته، لا يختص خاتميته بالأنبياء السابقين، بل ولو فرض نبي آخر في زمنه تبقى خاتميته صحيحا] من تحذير الناس، ص٦٤-٦٥

بعد قراءة ما لخصته من تقرير النانوتوي، يتحقق القارئ أنه ليس في هذا الكلام تجويز منه لمجيئ نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، ويكون مراده رحمه الله واضحا غير محتاج إلى بيان

أما الجملة الأخيرة التي نقلها البريلوي وهي: [وإنما يتخيل العوام أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بمعنى آخر النبيين مع أنه لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم]، فهذه الجملة من بداية جواب النانوتوي. قال ما ترجمته: [الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على رسوله خاتم النبيين وسيد المرسلين وآله وأصحابه أجمعين. بعد الحمد والصلاة وقبل تحرير الجواب، يطلب أولا بأنه ينبغي بيان معنى خاتم النبيين حتى لا يستغرق فهم الجواب أي وقت. ففي رأي العوام يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما بمعنى كون زمانه بعد زمان الأنبياء السابقين وكونه آخر الأنبياء منهم، لكن يتبين لأهل الفهم أنه لا فضل فى التقدم والتأخر الزمانيين بذاتيهما…] من تحذير الناس، ص٤١

وقد أشرنا إلى هذا في التلخيص الذي قدمناه لتقرير النانوتوي، ومراد النانوتوي منه ظاهر، فإن أكثر الناس يفهمون معنى الخاتمية الزمانية من صفة ‘خاتم النبيين’، ولا ينكر النانوتوي هذا المعنى كما قدمناه، بل ينكر حصر معانيها فيها، وقال بأن معنى الخاتمية أوسع وأشمل. وقال بعد أسطر من هذه الجملة كما نقلناه قبل: [والخاتمية مبنية على أمر آخر الذي يلزم منه – من حيث هو – التأخر الزماني وسد الباب المذكور (أي: باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويضاعف به الفضيلة النبوية صلى الله عليه وسلم] (تحذير الناس، ص. ٤٣) فالظاهر أنه لا ينكر هذا المعنى، بل أثبت كونه مدلول الآية التي ذكرت فيها هذه الصفة من الوجوه التي شرحناها قبل

وليلاحظ القارئ الفرق بين الترجمة التي قدمتها لكم التي هي ترجمة لفظية وبين ترجمة البريلوي، فإن ترجمته هكذا: [لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم] وما قاله النانوتوي هكذا: [لكن يتبين لأهل الفهم أنه لا فضل في التقدم والتأخر الزمانيين بذاتيهما]، فكلام النانوتوي هو حول التقدم والتأخر كليهما، وإنما نفى الفضيلة الذاتية فيهما لا الفضيلة أصلا كما في ترجمة البريلوي.

فيظهر من هذا الجواب المفصل عن اتهام الربيلوي على الشيخ قاسم الناوتوي أن البريلوي لا يؤتمن في نقله، وهو خائن فيه، فيسقط الإعتماد عليه. ويظهر أيضا أنه لا مجال لتكفير الشيخ قاسم النانوتوي بناء على ما ذهب إليه في كتابه ‘تحذير الناس’، وإن كان فيه مجال النظر والإختلاف

١ قلت: ويؤيده حديث الشفاعة فإن فيه سرد كمالات الأنبياء، وورد في بعض رواياته: فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ من صحيح مسلم

٢ اللفظ الذي أورده النانوتوي هو: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين