Refutation of the False Allegation against Imam Nanotwi [Arabic]


اتهام البريلوي على الشيخ قاسم النانوتوي والجواب عنه

قال أحمد رضا خان البريلوي في كتابه ‘حسام الحرمين’: [والقاسمية المنسوبة إلى قاسم النانوتي، صاحب ‘تحذير الناس’ وهو القائل فيه: ((لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته، وإنما يتخيل العوام أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بمعنى آخر النبيين مع أنه لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم))، إلى آخر ما ذكر من الهذيانات. وقد قال فى التتمة والأشباه وغيرهما: ((إذا لم يعرف أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء فليس بمسلم لأنه من الضروريات))] انتهى كلامه

فغرض البريلوي من هذا الكلام – كما ترى – إثبات نسبة القول إلى الشيخ قاسم النانوتوي – مؤسس دار العلوم ديوبند – بإنكار ختم النبوة وتجويز مجيئ نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقل من كتابه ‘تحذير الناس’، وقام بالخيانة فى نقل هذه العبارة عنه غاية الخيانة، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى

أولا – نريد أن نقدم للقارئين الكرام بيانا مختصرا لما قرره الشيخ قاسم النانوتوي في كتابه ‘تحذير الناس من إنكار أثر ابن عباس’، فإنه خاض في غوامض التفسير وغاص في أسرار المقام المحمدي صلى الله عليه وسلم، بما لا يكاد أحد أن يفهم جملة منعزلة ملتقطة من كتابه هذا فهما صحيحا من غير النظر الدقيق في معظم أبحاثه وجل معانيه

وصورة الكتاب متوفرة على الرابط التالي

https://ia600500.us.archive.org/…/te…/tehzeer-un-naas-da.pdf

الكتاب فى الأصل جواب عن استفتاء قد ورد، وهو حول أثر ابن عباس رضي الله عنهما الذي جاء فيه: [إن الله خلق سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسىكم ونبي كنبيكم]، فذهب فلان إلى صحة هذا الأثر، وأن في كل أرض من الأراضي السبعة خلائق الله تعالى، وفي كل منها خاتم لسلسلة الأنبياء كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم خاتم في أرضنا هذه، فسأل المستفتي: هل يحتمل هذا الحديث هذا المعنى الذي ذهب إليه الفلان المذكور؟ وهل يكفر هو أو يعصي أو يخرج من أهل السنة بناء على قوله هذا؟

فبدأ الشيخ النانوتوي جوابه عن هذا السؤال ببيان مفصل لتفسير كلمة [خاتم النبيين] حيث وردت فى القرآن الكريم، وزعم أن الفهم الصحيح لمعناها يفضي إلى كشف ما أشكل على السائل من المراد بالأثر المذكور فى السؤال. فأخذ النانوتوي في بيان ما ذهب إليه من تفسير هذه الكلمة، وهذا التفسير هو الذي ألخصه لكم فإنه ما يهمنا في هذا البحث

فقدم الشيخ النانوتوي للقارئين مشكلة تفسيرية حول هذه الصفة حيث وردت فى القرآن، فقال إن معناها عند عامة الناس هو ليس إلا كون النبي صلى الله عليه وسلم متأخرا عن جميع الأنبياء السابقين بحسب الزمان، ولكن التأخر والتقدم الزمانيان لا يفيدان الفضيلة بذاتيهما، ويجب أن تكون صفة ‘الخاتمية’ صفة مدح وكلمة ‘خاتم النبيين’ بيان فضيلته صلى الله عليه وسلم لسببين: الأول: الأوصاف التي ليس لها مدخل فى النبوة والمدح لا ذكر لها فى التنزيل كالطول والصورة واللون والنسب إلى غير ذلك، والثاني: لو لم تكن هي صفة مدح يتوهم من ذكرها تنقيص درجة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يكون الكمالات التي وصفت عند ذكر أهلها لا غير ١

ثم قال النانوتوي: ويمكن أن يكشف هذا الإشكال بأن يقال: إن هذه الشريعة هي آخر الشرائع، وهذا المعنى ل’خاتم النبيين’ يسد باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم واغترارهم بهم. فسلم النانوتوي أن هذا التوجيه محل للاعتبار في نفسه، لكن بقى مع هذا التوجيه مشكل آخر، وهو الإستدراك الموجود في هذه الآية. فإن الله تعالى قال: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين] (سورة الأحزاب) وكلمة ‘لكن’ تفيد الإستدراك على شبهة وقعت من الكلام السابق، فما هي الشبهة؟ وما هو توجيه هذا الإستدراك؟

فقال النانوتوي: إن قوله تعالى: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم] ينفى الأبوة الجسمانية عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل رجل من رجال الأمة، ولكن يمكن أن يتوهم من قرأه أن الأبوة المعنوية قد نفيت عنه صلى الله عليه وسلم أيضا، ودفع الله تعالى هذا التوهم بقوله عز وجل: [ولكن رسول الله وخاتم النبيين]، فصفة ‘رسول الله’ تثبت أبوته المعنوية الروحانية لهذه الأمة المحمدية، وصفة ‘خاتم النبيين’ تثبت أبوته المعنوية لجميع الأنبياء السابقين وبواسطتهم ثبتت أبوته على أممهم أيضا

فصفة ‘رسول الله’ تفيد أن هذه الأمة استفادت صفة الإيمان بواسطته صلى الله عليه وسلم، فكما أن الوالد سبب لولادة المولود فهو الأب الجسماني له، فكذلك الرسول سبب لإيمان الأمتي فهو الأب المعنوي له. قد أطال النانوتوي الكلام في إثبات هذه الدعوى، ولكن بيانه هذا ليس مما يهمنا في هذا البحث فأقتصر على هذا القدر

أما عن تفسير كلمة ‘خاتم النبيين’ فهي تفيد – عند النانوتوي – أبوته المعنوية للأبنياء السابقين ومن طريقهم يثبت أبوته لأمم أولائك الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والدعوى التي يعرضها الشيخ النانوتوي على القارئين لإثبات هذا المعنى في كلمة ‘خاتم النبيين’ هي كالتالي: النبوة في حق النبي صلى الله عليه وسلم صفة ذاتية، أي ثابتة فيه من غير واسطة، والنبوة في حق غيره صلى الله عليه وسلم صفة عرضية، أي ثابتة فيهم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما اتصف بصفة عرضية تنتهي صفته إلى ما اتصف بها ذاتيا. وهذا كما أن نور الشمس ذاتي، غير مستفاد من شيء آخر، ونور الأرض والشوارع والأبواب والحيطان كله من فيض نور الشمس، فصفة النور في هذه الأشياء صفة عرضية وتنتهي هذه الصفة لها إلى ما اتصف بها ذاتيا، وهو الشمس. فهكذا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فنبوة غيره إنما هي فيض نبوته، وبما أن نبوته ليست فيضا من نبوة غيره، بل ثبتت فيه ذاتيا، فتنتهي سلسلة النبوة إليه وتختم به. وبناء على هذه النسبة بينه وبين سائر الأنبياء يثبت كونه نبي الأنبياء كما أنه نبي هذه الأمة المحمدية، فتثبت أبوته المعنوية لهم بهذا التقرير، وتم توجيه الإاستدراك فى الآية المذكورة

ثم أخذ الشيخ النانوتوي في إثبات دعواه هذه من أدلة الشريعة ونصوص القرآن والسنة، وها أنا ألخصها لكم

فساق أولا قول الله تعالى: [وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: لما آتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه] (سورة آل عمران) فهذه الآية تفيد كونه صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، فإن كلا من الأنبياء قد أخذ عنه الميثاق بأنه لو جاء محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه لاتبعه، فنبوتهم ترجع إلى نبوته عليه الصلاة والسلام وتنتهي إليه، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم [لو كان موسى حيا ما حل له إلا أن يتبعني]، ويحكم عيسى عليه السلام بعد نزوله على الشريعة المحمدية لا على شريعته. فهذا مما يمكن توجيهه بالتقرير الذي حرره النانوتوي، من كون نبوته ذاتية وغير مستفادة من غيره ونبوة سائر الأنبياء عرضية ومستفادة من نبوته. ويمكن توجيه الحديث: [كنت خاتم النبيين وآدم منجدل في طينته] هكذا أيضا، من أن نبوة غيره مستفادة منه، فهو أصل نبوتهم ومنبعها

ثم ساق النانوتوي الآية التالية تمهيدا للدليل الثاني على دعواه: [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصلحين] (سورة النساء) فإن فيها ذكر أربع طبقات من أهل الكمال، وكمال الأولين (الأول والثاني) منهم هو كمال علمي، وكمال الآخرين (الثالث والرابع) منهم هو كمال عملي. يدل على هذا أن لفظ ‘النبي’ مشتق من نبأ، ولفظ ‘الصديق’ مشتق من ‘صدق’، فالنبي منبع العلم وأصله والصديق مجمع العلم وملتقاه. وبما أن النبوة كمال علمي فعلوم الأنبياء تزيد على علوم غيرهم كما وكيفا، مع أن عملهم يجوز فيه أن يكون أقل من عمل غيرهم كما وإن زادوا على غيرهم فيه كيفا. وأطال النانوتوي الكلام في بيان كون الشهادة والصالحية من كمالات العمل. ثم زعم أن علوم النبي صلى الله عليه وسلم كاملة وجامعة وتامة وعلوم غيره من الأنبياء لم تكن كاملة بالنسبة إلى علومه، واستدل عليه بما جاء فى الحديث [أوتيت علم الأولين والآخرين]، أي: يشتمل علومي على علوم السابقين واللاحقين، ويدل عليه أيضا قوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا لسائر الأنبياء: [مصدق لما معكم]، وكلمة ‘ما’ عام تشتمل على جميع العلوم التي كانت مع الأنبياء السابقين. وهذا كما أن العلوم المستفادة من الحواس الخمس تجمع فى النفس الناطقة، والنفس الناطقة هي المدرك الحقيقي الذاتي، وحاسة السمع وحاسة البصر وغيرهما مدركة عرضية، فكذلك علوم الأولين والآخرين، ومنها علوم الأنبياء السابقين، تجمع كلها في العلوم الحاصلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي مستفادة من علومه صلى الله عليه وسلم، فإنه العالم الحقيقي الذاتي وغيره عالم عرضي. فهذا التقرير مما يدل على كون نبوة الأنبياء السابقين مستفادة منه صلى الله عليه وسلم

والدليل الثالث الذي استدل به النانوتوي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: [كنت نبيا وآدم بين الروح الجسد]٢ والوجه فيه ما أشرنا إليه فى الكلام عن الدليل الأول

وسمى النانوتوي هذا المقام المحمدي الذي أطال في البحث عنه: ب’الخاتمية الذاتية’ وزعم أن الخاتمية الذاتية تستلزم الخاتيمية الزمانية وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بحسب الزمان. ثم بين وجه اللزوم بين الخاتميتين بأنه لو قدر مجيئ نبي بعده صلى الله عليه وسلم فإنه إما أن يأتي بشريعة جديدة أو لا، فإن كان الأول فهذا ينافي قوله تعالى: [ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها] فإنه يفيد كون الناسخ أعلى من المنسوخ، والنبي المقدر هنا أدنى من النبي صلى الله عليه وسلم فكذا شريعته، وهذا لا يجوز؛ وإن لم يأت بشرع جديد فلا فائدة في هذه النبوة المقدرة، فإن النبوة كمال علمي وقد حفظت العلوم المحمدية فى القرآن الكريم الذي هو [تبيان لكل شيء] ومصدق لكل ما جاء به الأنبياء بأسرهم. فالخاتمية الزمانية والتأخر الزمني من لوازم الخاتمية الذاتية

لفظ ‘الخاتم’ يتضمن معنى التأخر، والتأخر قد يكون من حيث الزمن، وقد يكون من حيث الرتبة والمقام، وقد يكون من حيث المكان، ففي صفة خاتم النبيين تقدير، والمقدر إما ‘خاتم زمن النبيين’ وإما ‘خاتم رتبة النبيين’ وإما ‘خاتم مكان النبيين’. والراجح عند النانوتوي أنها تدل على كل من هذه المعاني الثلاثة دلالة مطابقية، فالنبي صلى الله عليه وسلم متأخر فى الزمن، وهو متأخر (أي: متعال) فى الرتبة من حهة التي بينها، وهو متأخر فى المكان بالنسبة إلى أنبياء الأرضي الستة الأخر، فإن أرضنا هذه هي فوق الأراضي الأخرى. وهذا كما في قول الله تعالى: [إنما الخمر والميسر والأنصاب رجس من عمل الشيطان]، فالخمر رجس ظاهري والميسر والأنصاب رجس باطني، فكلمة ‘الرجس’ عام يشمل الرجس الظاهري والرجس الباطني، فكذلك لفظ ‘الخاتم’، هو عام يتضمن الخاتمية الذاتية والزمانية والمكانية. ويمكن أن يقال إن لفظ ‘الخاتم’ فيه عموم المجاز حتى يتضمن هذه المعاني الثلاثة، أو يقال: معناه الأصلي هو الخاتمية الذاتية ومن لوازمها خاتمية زمانية، فهي مدلول الآية بدلالة التزامية

وقال النانوتوي عن بيانه هذا ما تعريبه: [فتأمل الآن: أن في هذه الصورة قد يقع (وجه) العطف بين الجملتين والإاستدراك والإستثناء المذكروة تحت النظر بنهاية درجة المناسبة، وتثبت الخاتمية بأحسن الوجوه أيضا، مع أن الخاتمية الزمانية لا تخرج من اليد] من تحذير الناس، ص٥٧

فهذا خلاصة ما أردنا توضيحه وتلخيصه من كتاب تحذير الناس، وهذا يشمل تقريبا ثلث كتابه. وأخذ النانوتوي في باقي الكتاب في بيان أثر ابن عباس رضي الله عنهما المذكور فى السؤال من حيث صحته ومعناه. وليعلم أن العلامة عبد الحي اللكنوي – صاحب ‘الأجوبة الفاضلة’ و’الرفع والتكميل’ وغيرهما من المؤلفات الجليلة المشهورة المتلقاه بالقبول – ممن قرظ على كتاب النانوتوي هذا، وقد ألف هو أيضا رسائل في بيان صحة أثر ابن عباس رضي الله عنهما وبيان معناه عند العلماء، وأحد هذه الرسائل باللغة العربية، سماها اللكنوي: ‘زجر الناس على إنكار أثر ابن عباس’ فى الجزء الأول من مجموعة رسائله المتوفرة على الرابط التالي

https://ia700709.us.archive.org/…/…/Rasaellaknawi/LAKN01.pdf

تأييد كلام النانوتوي من المتقدمين

وللإمام تقي الدين السبكي رسالة ‘التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه’ في ضمن فتاويه (ج١ ص٣٨-٤٢)، فسر فيها آية آل عمران ، قال فيها: [وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: ((بعثت إلى الناس كافة)) لا يختص بالناس في زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا، ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد))، وإن فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيا لم يصل إلى هذا المعنى لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت…والنبي صلى الله عليه وسلم خير الخلق فلا كمال لمخلوق أعظم من كماله ولا محل أشرف من محله يعرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال من قبل خلق آدم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى، وأنه أعطاه النبوة من ذلك الوقت، ثم أخذ له المواثيق على الأنبياء وعلى أممهم ليعلموا أنه المقدم عليهم وأنه نبيهم ورسولهم…فإذا عرف ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الأنبياء، ولهذا ظهر ذلك فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه وهو فى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وأممهم الإيمان ونصرته وبذلك أخذ الميثاق عليهم، فنبوته عليه ورسالته إليهم معنى حاصل له، وإنما أثره يتوقف على اجتماعهم معه فتأخر ذلك لأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافه بما تقتضيه…فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته وهو نبي كريم على حاته..وكذلك لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو في زمن موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم والنبي صلى الله عليه وسلم نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم] انتهى كلامه

وللصوفي الجليل والعالم الكبير الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ ه) ‘كتاب ختم الأولياء’ قال فيه: [قال له قائل: وما خاتم النبوة؟ قال: حجة الله على خلقه بحقيقة قوله تعالى: ((وبشر الذي آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)) فشهد الله له بصدق العبودية…فبذلك القدم الصدق الذي له يتقدم على جميع صفوف الأنبياء والمرسلين لأنه قد أتى بصدق العبودية لله تعالى، فيقبله الله منه ويبعثه إلى المقام المحمود عند الكرسي فيكشف الغطاء عن ذلك الختم فيحيطه النور وشعاع ذلك الختم يبين عليه…فصار محمد صلى الله عليه وسلم شفيعا للأنبياء والأولياء ومن دونهم، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام فيما يصف من شأن المقالم المحمود؟ ((حتى إن إبراهيم خليل الرحمن يحتاج إلي في ذلك اليوم…ويكشف الغطاء عن الختم فينقطع الكلام وتصير الحجة على جميع خلقه لأن الشيء المختوم محروس، وكذلك تدبير الله تعالى لنا في هذه الدنيا: إنه إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين. فجمع الله أجزاء النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم له، وختم عليها بختمه، فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إلى ولوج موضع النبوة من أجل ذلك الختم. ألا ترى إلى حديث الحسن البصري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث الشفاعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنه قال: ((فإذا أتوا آدم يسألونه أن يشفع لهم إلى ربه، قال لهم آدم: أرأيتم لو أن أحدكم جمع متاعه في غيبته ثم ختم عليها، فهل كان يؤتى المتاع إلا من قبل الختم؟ فأتوا محمدا، فهو خاتم النبيين.ومعناه عندنا: إن النبوة تمت بأجمعها لمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعل قلبه لكمال النبوة وعاء عليها ثم ختم. ينبئك هذا أن الكتاب المختوم والوعاء المختوم ليس لأحد عليه سبيل فى الإنتقاص منه ولا بالإزدياد فيه مما ليس منه، وإن سائر الأنبياء عليهم السلام لم يختم لهم على قلوبهم، فهم غير آمنين أن تجد النفس سبيلا إلى ما فيها…وهذا له شأن عظيم تطول قصته. فإن الذي عمي عن خبر هذا يظن إن خاتم النبيين تأويله أنه آخرهم مبعثا (أي: فقط)، فأي منقبة في هذا؟ وأي علم في هذا؟ هذا تأول البلة الجهلة!] من كتاب ختم الأولياء، ص٣٣٨-٣٤١

وهذا – كما ترى – يؤيد تقرير النانوتوي غاية التأييد

وبحث النانوتوي هذا من باب بيان أسرار الشريعة، وهو فن لطيف دقيق، يتوقع فيه اختلاف الأنظار، وهو ليس من باب بيان العقائد الإسلامية الضرورية، فأكثر من ينتسب إلى ديوبند – حتى خواصهم وعلماءهم – لم يطعلوا على كتابه هذا وليس لهم خبر بمضمونه، وممن يطلع عليه فليس كل منهم موافق للنانوتوي في رأيه هذا وتحريره، فلا يقال: هذا رأي علماء ديوبند أو رأي أكابرهم، بل يقال: هذا ما أفضى إليه دقة نظر الشيخ العلامة محمد قاسم النانوتوي، وهو يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر صلوات الله وسلامه عليه

الجواب عن اتهام البريلوي

وبعد، فنلفت الآن نظرنا إلى اتهام البريلوي على الشيخ قاسم النانوتوي بإنكار خاتمية الرسول صلى الله عليه وسلم وتجويز مجيئ نبي بعده. قد ثبت مما قررناه مراد النانوتوي من بحثه، ويلاحظ المتتبع لكلامه أنه لم ينكر الخاتمية الزمانية – أي تأخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن زمن سائر الأنبياء – في هذا التقرير، بل أقر به وأيده بمزيد التأييد، بل قد كفر في كتابه هذا من ينكر كونه آخر الأنبياء بحسب الزمان. قال في بداية كتابه بعد أسطر من العبارة الأخيرة التي نقلها البريلوي قبيل بيان التفسير الذي اختاره لكلمة ‘خاتم النبيين’ ما تعريبه: [والخاتمية مبنية على أمر آخر الذي يلزم منه – من حيث هو – التأخر الزماني وسد الباب المذكور (أي: باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويضاعف به الفضيلة النبوية صلى الله عليه وسلم] (تحذير الناس، ص. ٤٣)، وقدمنا نقل قوله عند اختتام تقريره عن التفسير الذي اختاره ل’خاتم النبيين’: [مع أن الخاتمية الزمانية لا تخرج من اليد]. انتهى

وقال أيضا ما تعريبه: [إن كان (لفظ الخاتم) على إطلاقه وعلى عمومه (كما هو الراجح عند النانوتوي) فإن ثبوت الخاتمية الزمانية ظاهر، وإلا يجب البتة تسليم لزوم الخاتمية الزمانية بدلالة التزامية (كما قرره قبل)، وهنا التصريحات النبوية ك ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) أو كما قال – الذي الظاهر فيه أنه مأخوذ من هذا اللفظ ‘خاتم النبيين’ بالطريقة المذكورة – تكفي في هذا الباب (أي: في إثبات الخاتمية الزمانية)، فإن هذا المعنى قد بلغ درجة التواتر، وقد انعقد الإجماع عليه. مع أن الألفاظ المذكورة ليست منقولة بأسانيد متواترة، ومع عدم هذا التواتر فى الألفاظ، يكون التواتر المعنوي ثابت هنا كتواتر عدد ركعات الفرائض والوتر وغيرها. ومع أن ألفاظ الحديث التي تشعر بعدد الركعات ليست متواترة، فكما أن منكره كافر، فكذلك منكر هذا (أي: الخاتمية الزمانية) كافر أيضا.] من تحذير الناس، ص٥٦

فانظر إلى هذا النص الصريح الذي يثبت فيه النانوتوي الخاتمية الزمانية بوجوه متعددة: من الحديث المتواتر وإجماع الأمة ودلالة الآية إما دلالة مطابقية أو دلالة التزامية، ثم صرح بأن منكرها يكفر كما أن منكر عدد ركعات الصلوات يكفر. وبغض النظر عن هذا كله اتهم البريلوي على النانوتوي بإنكار الخاتمية وتجويز مجيئ نبي بعد رسول الله صى الله عليه وسلم

أما العبارة التي نقلها البريلوي فإنه التقطها من ثلاثة مواضع من تحذير الناس، وساقها سياقا واحدا حتى يظن من يطالعها أنها كلام مسلسل، ولم يثبت هو في أصل كتابه ‘حسام الحرمين’ علامات التي تدل على كون هذه العبارة مركبة من كلمات مولانا النانوتوي من مواضع مختلفة من كتابه، وليست كلاما مسلسلا. وهذا من الخيانة فى النقل بلا شك.

أما الجملة الأولى التي نقلها البريلوي فهي مركبة من قطعتين من جملتين في كتاب تحذير الناس. فما نقله البريلوي هكذا: [لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم، بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته]. فالقطعة الأولى من هذه الجملة، أي قوله: [لو فرض في زمنه صلى الله عليه وسلم] هي من صفحة ٨٥ والقطعة الثانية، أي قوله [بل لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم نبي جديد، لم يخل ذلك بخاتميته] هي من صفحة ٦٥.

فلينظر القارئ إلى سياق كلامه في هذين الموضعين

أما الموضع الأول فالشيخ قاسم النانوتوي بصدد بيان وجه ترجيح التفسير الذى اختاره لكلمة ‘خاتم النبيين’، فإنه لو اختير التأخر الزماني كمعنى أصلي أساسي لهذه الصفة قد يزعم الزاعم أن خواتيم باقي الأرضي هم مساوون له من حيث الفضيلة والرتبة وإن كانوا متقدمين عليه زمنا. وهذا الإحتمال لا ينشأ فى التفسير الذي اختاره هو. فقال النانوتوي ما ترجمته: [نعم، لو اختير الخاتمية بمعنى الإتصاف الذاتي بوصف النبوة كما قرره هذا الفقير، لا يمكن الزعم بأن الأفراد المقصودين بالخلق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم مماثل له صلى الله عليه وسلم، بل في هذه الصورة لا تثبت أفضليته على الأفراد الحقيقيين من الأنبياء فقط، بل تثبت أفضليته على الأفراد المقدرين أيضا، بل ولو فرض مجيئ نبي بعد الزمن النبوي صلى الله عليه وسلم لا يتطرق الفرق إلى الخاتمية المحمدية] من تحذير الناس، ص٨٤-٨٥

فيلاحظ القارئ أن مراده من هذا الكلام هو إثبات أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، فلو أقرت بالخاتمية الذاتية بالمعنى الذي ذهب إليه الشيخ النانوتوي، لا يكاد أحد يزعم أن فردا من أفراد الأنبياء أفضل منه، حتى ولو تصور فى الذهن نبي لم يكن مقصودا بالخلق تثبت أفضلية الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أيضا بفضل خاتيميته هذه. فمنعى قوله: [ولو فرض مجيئ نبي بعد الزمن النبوي صلى الله عليه وسلم لا يتطرق الفرق إلى الخاتمية المحمدية] أنه لو قدر مجيئ نبي بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم تثبت الخاتمية بالمعنى المذكور وتثبت أفضليته صلى الله عليه وسلم. وهذا التقدير نظير ما قدره العلامة السبكي فى الكلام الذي نقلت منه من مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن من قبله من الأنبياء، فإنه يلزم بعثة غيره بعده. فهذا الكلام من باب التقدير والتصوير لتقريب المعنى المقصود، وليس فيه تجويز مجيئ نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء كما هو الظاهر

وأما الموضع الثاني فهو بصدد بيان نتيجة تقريره، فقال: [إطلاق لفظ الخاتم يقتضي ختم سلسلة نبوة سائر الأنبياء عليه، فكما أنه ثبتت حاجة الأنبياء السابقين إليه في وصف النبوة بحسب التقرير المسطور لهذا اللفظ ‘الخاتم’، ولا يحتاج هو إلى أحد في هذا الوصف، فكذلك لو كان نبي من الأنبياء السابقين أو ممن فرض من غيرهم حتى في زمانه، في أرضه أو في غير أرضه أو فى السماء ليحتاج هو إليه في وصف النبوة أيضا، ويختم هذه السلسلة النبوية عليه في كل حال…الحاصل: لو اختير الخاتمية بهذا المعنى الذي قررته، لا يختص خاتميته بالأنبياء السابقين، بل ولو فرض نبي آخر في زمنه تبقى خاتميته صحيحا] من تحذير الناس، ص٦٤-٦٥

بعد قراءة ما لخصته من تقرير النانوتوي، يتحقق القارئ أنه ليس في هذا الكلام تجويز منه لمجيئ نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، ويكون مراده رحمه الله واضحا غير محتاج إلى بيان

أما الجملة الأخيرة التي نقلها البريلوي وهي: [وإنما يتخيل العوام أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بمعنى آخر النبيين مع أنه لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم]، فهذه الجملة من بداية جواب النانوتوي. قال ما ترجمته: [الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على رسوله خاتم النبيين وسيد المرسلين وآله وأصحابه أجمعين. بعد الحمد والصلاة وقبل تحرير الجواب، يطلب أولا بأنه ينبغي بيان معنى خاتم النبيين حتى لا يستغرق فهم الجواب أي وقت. ففي رأي العوام يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم خاتما بمعنى كون زمانه بعد زمان الأنبياء السابقين وكونه آخر الأنبياء منهم، لكن يتبين لأهل الفهم أنه لا فضل فى التقدم والتأخر الزمانيين بذاتيهما…] من تحذير الناس، ص٤١

وقد أشرنا إلى هذا في التلخيص الذي قدمناه لتقرير النانوتوي، ومراد النانوتوي منه ظاهر، فإن أكثر الناس يفهمون معنى الخاتمية الزمانية من صفة ‘خاتم النبيين’، ولا ينكر النانوتوي هذا المعنى كما قدمناه، بل ينكر حصر معانيها فيها، وقال بأن معنى الخاتمية أوسع وأشمل. وقال بعد أسطر من هذه الجملة كما نقلناه قبل: [والخاتمية مبنية على أمر آخر الذي يلزم منه – من حيث هو – التأخر الزماني وسد الباب المذكور (أي: باب افتتان الناس بمن يدعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويضاعف به الفضيلة النبوية صلى الله عليه وسلم] (تحذير الناس، ص. ٤٣) فالظاهر أنه لا ينكر هذا المعنى، بل أثبت كونه مدلول الآية التي ذكرت فيها هذه الصفة من الوجوه التي شرحناها قبل

وليلاحظ القارئ الفرق بين الترجمة التي قدمتها لكم التي هي ترجمة لفظية وبين ترجمة البريلوي، فإن ترجمته هكذا: [لا فضل فيه أصلا عند أهل الفهم] وما قاله النانوتوي هكذا: [لكن يتبين لأهل الفهم أنه لا فضل في التقدم والتأخر الزمانيين بذاتيهما]، فكلام النانوتوي هو حول التقدم والتأخر كليهما، وإنما نفى الفضيلة الذاتية فيهما لا الفضيلة أصلا كما في ترجمة البريلوي.

فيظهر من هذا الجواب المفصل عن اتهام الربيلوي على الشيخ قاسم الناوتوي أن البريلوي لا يؤتمن في نقله، وهو خائن فيه، فيسقط الإعتماد عليه. ويظهر أيضا أنه لا مجال لتكفير الشيخ قاسم النانوتوي بناء على ما ذهب إليه في كتابه ‘تحذير الناس’، وإن كان فيه مجال النظر والإختلاف

١ قلت: ويؤيده حديث الشفاعة فإن فيه سرد كمالات الأنبياء، وورد في بعض رواياته: فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ من صحيح مسلم

٢ اللفظ الذي أورده النانوتوي هو: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: