مفهوم البدعة فى الشرع

February 1, 2016

مفهوم البدعة فى الشرع

كثير من الناس يعترضون على علماء ديوبند وأكابرهم، كمولانا رشيد أحمد الگنگوهي ومولانا التهانوي وغيرهما، لإنكارهم على عمل المولد، بمعنى الاحتفال الخاص على ولادة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقام به سنويا في شهر الربيع الأول. قد أنكروا على هذا الاحتفال الخاص في هذه المناسبة الخاصة وسموها بدعة ومكروهة

ينبغي لمن يريد إدراك وجه قولهم (رحمهم الله) هذا أن يدقق في معنى البدعة فى الشرع ومفهومها، لا سيما لدي هؤلاء الأكابر

فمعنى البدعة عندهم – ولهم دلائل وسلف – أن مفهوم البدعة هو

معاملة أمر – سواء كان عقيدة أو فعلا أو تركا أو قولا – ليس له قيمة ذاتية فى الدين (أي لا يقصد فى الدين لذاته) – إما في أصله أو في وصفه – كمعاملة ما له قيمة ذاتية فى الدين

وعكسه داخل في مفهوم البدعة أيضا، أي: معاملة ما له قيمة ذاتية فى الدين كمعاملة ما ليس له قيمة ذاتية فى الدين

وتعبير ((ما له قيمة ذاتية فى الدين)) يشير إلى ما يعرف بتعبير ((أمر تعبدي)) فى اصطلاح الغير

وهذه المعاملة إما مبني على الاعتقاد وإما مبني على الالتزام بأمر ما على هيئة توهم هذا الاعتقاد، والأول بدعة حقيقية والثاني بدعة حكمية

فمثال أمر ليس له قيمة ذاتية فى الدين في أصله صوم السكوت، فلو صام أحد صوم السكوت واعتقد أن له قيمة ذاتية فى الدين بحيث يثاب عليه ويطلب هو لذاته، فهو ارتكب بدعة حقيقية

ولو صام جماعة من المسلمين هذا الصوم مع أئمتهم ومقتديهم – مع أنه ليس له وجه عادي ظاهر – بحيث يوهم هذا الفعل أن هذا الصوم له أصل فى الدين، فهو بدعة حكمية لو لم يعتقدوا أن له قيمة ذاتية فى الدين

ومثال أمر ليس له قيمة ذاتية فى الدين في وصفه فالمولد النبوي، بمعنى الاحتفال الخاص سنويا فى المناسبة الخاصة، فإن أصل فعل المولد من ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح على ظهوره ثابت شرعا، ولكن هذه الهيئة المخصوصة له من فعله على التكرار في كل سنة في تاريخ معين مع الأئمة والمقتدين وتسميته ((عيدا)) ليس له قيمة ذاتية فى الدين، أي لا يطلب هذه الهيئة المخصوصة لذاتها فى الدين، فإنه لو كان مقصودا لذاته لكان الصحابة والسلف عليه حريصا ولسبقونا إليه، ولم يثبت هذه الهيئة المخصوصة منهم، وإن ثبت أصل ذكر الولادة الشريفة

فلو اعتقد أحد أن هذا الوصف لهذا الفعل له قيمة ذاتية فى الدين – بحيث يثاب على هذه الهيئة والوصف لذاتيهما إضافة إلى ثواب الأصل المشروع – فهذا بدعة حقيقية، ولو لم يكن هذا اعتقاد المحتفلين به فهو عند علماء ديوبد لا يزال بدعة بدعة حكمية (لا حقيقية) لأن كثيرا من العامة لا يرون الهيئة المذكورة المخصوصة شيئا عاديا أو انتظاميا فقط، بل تدين بهذه الهيئة المخصوصة، وصورة الفعل توهم وتؤيد هذا الاعتقاد الباطل فإنه يقام به كما يقام بشيء تعبدي، بالالتزام به والإنكار على من لا يحضر وبمشاركة الأئمة والمقتدين واتخاذه شعارا للاسلام وعيدا إلى غير ذلك

فهذا هو الأصل في إنكار علماء ديوبند عمل المولد على الهيئة المذكورة المعروفة بين الناس، وهو أن كل ما يفعل على رؤوس الأشهاد مع الأئمة والمقتدين بحيث يوهم هو أن هذا الأصل أو هذا الوصف ثابت فى السنة وله قيمة ذاتية فى الدين – مع أنه ليس كذلك – فهو بدعة سيئة منكرة

وإليكم بعض النقول لإثبات هذا الأصل

روي عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يضرب ((الرجبيين)) الذين يصومون رجب كله، فوجه الإمام ابن وضاح فعله هذا بقوله: ((إنما معناه خوف أن يتخذوه سنة مثل رمضان)). (البدع والنهي عنها، دار الصفا، ص٥١

أقول: لا شك أن التطوع بالصوم من أفضل الأعمال، وأن فيه سعة فمن شاء فله أن يكثر منه ومن شاء فله أن يقلل منه، لكن تخصيص يوم أو شهر للتطوع بالصوم على هيئة الاجتماع – مع أنه لم يثبت تخصيص هذا اليوم أو الشهر من الشارع – يوهم كون هذا اليوم أو الشهر مطلوبا لذاته، وهذا وجه المنع

سئل الإمام النووي عن فعل بعض المصلين في صلاة التراويح من قراءة سورة الأنعام جملة فى الركعة الأخيرة من التراويح فى الليلة السابعة من شهر رمضان، فأجاب: ((هذا الفعل المذكور ليس بسنة بل هو بدعة مكروهة ولكراهتها أسباب. منها: إيهام كونها سنة، ومنها تطويل الركعة الثانية…فينبغي لكل مصل اجتناب هذا الفعل وينبغي إشاعة إنكار هذا فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة فى النهي عن محدثات الأمور، وأن كل بدعة ضلالة، ولم ينقل هذا الفعل عن أحد من السلف)) (فتاوى الإمام النووي، ص. ٢٥-٦

أقول: فأحد وجوه المنع عند الإمام النووي إيهام هذا الفعل بسنيتها

قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام في إنكاره على صلاة الرغائب: ((العالم إذا صلى كان موهما للعامة أنها من السنن فيكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان الحال ولسان الحال قد يقوم مقام لسان المقال)) وقال: ((صلاة الرغائب بخصوصياتها توهم العامة أنها سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الواقع)) وقال: ((وأما حديث أنس وعتبان بن مالك رضي الله عنهما: فالفرق بينهما وبين صلاة الرغائب أن الاقتداء في صلاة الرغائب توهم العامة أنها سنة وشعار فى الدين بخلاف ما وقع في حديث أنس وعتبان رضي الله عنهما فإنه نادر فلا يوهم العامة أنه سنة بل يوهم الجواز)) (النقول من: مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة

أقول: فكل ما يوهم العامة أنه بخصوصيته سنة ومطلوبا لذاته أو شعارا فى الدين مع أنه ليس كذلك لا يجوز عند الإمام العز بن عبد السلام

قال الإمام الشاطبي: ((كل عمل أصله ثابت شرعا إلا أن في إظهار العمل به أو المداومة عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة فتركه مطلوب فى الجملة من باب سد الذرائع)) (الإعتصام، ج٢ ص٣٣٣

قال خاتمة المحققين عند السادة الحنفية الإمام ابن عابدين رحمه الله: ((وقد صرح بعض علمائنا وغيرهم بكراهة المصافحة المعتادة عقب الصلوات مع أن المصافحة سنة، وما ذاك إلا لكونها لم تؤثر في خصوص هذا الموضع فالمواظبة عليها فيه توهم العوام بأنها سنة فيه)) وقال: ((ولذا منعوا عن الاجتماع لصلاة الرغائب التي أحدثها بعض المتعبدين لأنها لم تؤثر على هذه الكيفية في تلك الليالي المخصوصة، وإن كانت الصلاة خير موضوع)) وقال الحصكفي فى الدر عن سجدة الشكر بعد الصلاة المكتبوبة: ((لكنها تكره بعد الصلاة لأن الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة وكل مباح يؤدي إليه فمكروه)) ونقل ابن عابدين عن الطحطاوي في شرح هذه العبارة: ((فمكروه الظاهر أنها تحريمية لأنه يدخل فى الدين ما ليس منه)) (النقول من رد المحتار للشامي

وقال الإمام برهان الدين الحنفي البخاري من أئمة القرن السادس عن سجدة الشكر: ((وجه الكراهة على قول النخعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على ما ذكره القدوري أنه لو فعلها من كان منظورا إليه وظن ظان أنه واجب أو سنة متبعة عند حدوث نعمة فقد أدخل فى الدين ما ليس منه وقد قال عليه السلام: من أدخل فى الدين ما ليس منه فهو مكروه)) (المحيط البرهاني

ومن المنقول عن أئمة المذهب (أبي حنيفة وأصحابه) أنه يكره اتخاذ شيء مخصوص من القرآن لركعة خاصة من الصلوات، ووجهه على ما قاله الإمام أبو بكر الجصاص من القرن الرابع: ((ويكره أن يتخذ شيء من القرآن لشيء من الصلوات، وذلك لأنه لو أبيح ذلك لم يؤمن على مرور الأوقات أن يظنه الناس مسنونا أو واجبا كما قد سبق الآن إلى ظن كثير من الجهال في مثله)) (شرح مختصر الطحاوي، دار السراج، ج٨ ص٥٢٥

أقول: صيغ الأذكار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم (ك: سبحن الله، والحمد لله إلخ) والأعداد المأثورة عنه فى الأوقات الخاصة يتعبد بها، ويطلب هذه الصيغ وهذه الأعداد لذاتها لأن لها قيمة ذاتية فى الدين، أما لو استعمل صيغ غير مأثورة أو أعداد غير مأثورة فلا بأس به من حيث أن الذكر أمر عادي بمعنى أنه معقول المعنى، أي: المقصود منه: حضور ذكر الله فى القلب، ولك أن تقيس عليه باختيار ما يساعدك فيه، ففيه سعة، ولكن لا يتعبد بصيغ وأعداد غير مأثورة، أي: لا يطلب هي لذاتها، وهذا هو وجه منع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جماعة من التابعين الذين اختاروا أعدادا مخصوصة غير مأثورة وحملوا الغير على هذه الأعداد، فإن هذا الحمل يوهم كون هذه الأعداد مطلوبة لذاتها، فأنكر عليهم ابن مسعود أشد الإنكار. أنظر: سنن الدارمي، دار المغني، ج١ ص٢٨٧

أقول: ومن المعلوم أنه ما ليس فيه هذا الإيهام ليس ببدعة ، كأمر له سبب عادي معلوم ظاهر عند العامة والخاصة، مثل نشر العلم فى المدارس وتعيين بعض الكتب للدراسة والتدريس، لا يوهم العامة أن هذه الأشياء مطلوبة لذاتها فى الدين، بل هي أسباب ووسائل عادية، وكذلك تدوين العلم وغير ذلك، ومنها التداوي والصدقة وحفظ الشرع والرقية والتعويذ، كل هذه الأمور مما هو مطلوب في أصله وله معنى معقول، فبناء على المعنى المعقول لك أن تختار وسيلة وصورة تدخل في عموم هذه الأشياء ما دام في حدود الشرع، أما لو اتخذ هيئة وصورة خاصة من هذه الأشياء على وجه يوهم العامة أنها مطلوبة لذاتها فى الدين فممنوع من هذا الوجه، لا في أصل العمل

وبهذا التقرير اندفع كثير من الإشكالات في هذا الباب، وحاصله: أن التعبد بشيء (سواء كان ذلك الشيء أصل أمر أو وصفه)، بمعنى جعل ذلك الشيء أمرا مطلوبا لذاته فى الدين، مع أنه ليس كذلك، من البدع المنكرة، وهذا إما من حيث الإعتقاد وإما من حيث المعاملة معه بحيث يوهم العامة والجهال كونه مطلوبا لذاته

فهذا هو سبب إنكار علماء ديوبند عمل المولد على الهيئة المعروفة بين الناس، فإن هذا العمل وفعله على الدوام في كل سنة في تاريخ معين يوهم العوام بكون هذه الهيئة مطلوبة لذاتها فى الدين

وهذا الرأي مما ينبغي أن يحترم ويعتبر، وله سلف من أئمة أهل السنة

قال الشيخ العلوي المالكي رحمه الله دفاعا عن عمل المولد ((إن الإجتماع لأجل المولد النبوي الشريف ما هو إلا أمر عادي، وليس من العبادة في شيء، وهذا ما نعتقده وندين الله تعالى به)) ثم قال: ((ونحن ننادي بأن تخصيص الإجتماع بليلة واحدة دون غيرها هو الجفوة للرسول صلى الله عليه وسلم)) انتهى

فأجاب عنه المفتي محمد تقي العثماني: ((ولا شك أن ذكر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبيان سيرته من أعظم البركات وأفضل السعادات إذا لم يتقيد بيوم أو تاريخ، ولا صحبه اعتقاد العبادة فى اجتماع يوم مخصوص بهيئة مخصوصة، فالإجتماع لذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الشروط جائز فى الأصل، لا يستحق الإنكار ولا الملامة. ولكن هناك اتجاه آخر ذهب إليه كثير من العلماء المحققين المتورعين، وهو أن هذا الإجتماع، وإن كان جائزا في نفس الأمر، غير أن كثيرا من الناس يزعمون أنه من العبادات المقصودة، أو من الواجبات الدينية، ويخصون له أياما معينة على ما يشوبه بعضهم باعتقادات واهية وأعمال غير مشروعة، ثم من الصعب على عامة الناس أن يراعوا الفروق الدقيقة بين العادة والعبادة. فلو ذهب هؤلاء العلماء – نظرا إلى هذه الأمور التي لا ينكر أهميتها – إلى أن يمتنعوا من مثل هذه الإجتماعات رعاية لأصل سد الذرائع وعلما بأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإنهم متمسكون بدليل شرعي فلا يستحقون إنكارا ولا ملامة. والسبيل في مثل هذه المسائل كالسبيل فى المسائل المجتهد فيها، يحمل كل رجل ويفتي بما يراه صوابا ويدين الله عليه، ولا يفوق سهام الملامة إلى المجتهد الآخر الذي يخالفه في رأيه.)) انتهى

تكملة

هناك من الأسباب العديدة الظاهرة التي توهم العامة بأن لشهر الربيع والليلة الثاني عشر منه فضيلة خاصة للاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعل غيره من الأعمال الصالحة، بحيث يطلب هذه الأيام لذاتها فى الدين، أذكر بعض الأمثلة

يقوم كثير من المحتفلين به ببيان فضائل الربيع وفضائل ليلة المولد، لا أعنى الربيع الوحيد الذي وقع فيه الولادة الشريفة أو فضيلة تلك الليلة الخاصة منه، بل كلما تكرر هذا الشهر وتكرر هذه الليلة فى السنة تثبت هذه الفضيلة عندهم، مع أنه ليس له دليل شرعي، بل الدليل خلافه، فإن ترك عمل يقصد لذاته مع ثبوت الدوافع وعدم الموانع في زمن السلف دليل المنع

فعلى سبيل المثال: قد حض أحد علماء المغرب الناس بأن يكثروا من الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم المولد (أي: ١٢ ربيع الأول) من كل سنة فإن هذا العمل ((في هذا اليوم المعظم تعدل عبادة الثقلين كلها)) (كتاب شراب أهل الصفا). ولا يزال المحتفلون به يذكرون فضائل هذه الليلة وهذا اليوم، والناس لا يفهمون منه إلا كون هذا اليوم أفضل من غيره لحصول الثواب والتقرب عند الله تعالى، وقد سمعت بأذني في محضر عالم عربي مشهور فى الغرب يتكلم فى مسجد كبير يقول: إن هذه الليلة مما يحتفل به أهل السماء أيضا، فضلا عن أهل الأرض! ومقصده كما ظهر للسامعين: ليلة المولد من الربيع في كل سنة. فهذا مما يتسبب في إيهام العوام بأن هذا الشهر وهذا اليوم مطلوب لذاته فى الدين. وأما اجتماعات التبليغ فلا يذكر أحد – فيما أعلم – فضيلة يوم خاصة لها فى الدين

ومع ذلك يتخذ هذا اليوم عند كثير من الناس ((عيدا))، وعيد شعار من شعائر الإسلام، ولو كان قصد أول مسميه به معناه اللغوي أو العرفي لا يفيده فإنه من الواضح أنه يتسبب في اعتقاد الناس أن هذا اليوم له فضيلة خاصة فى الدين ويطلب لذاته. ولذلك أدخل الشاطبي ((اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدا)) في جملة البدعة، وقال: ((إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة وكل بدعة ضلالة)) انتهى


Detailed Arabic Refutation of Barelwis

February 17, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

انحراف البريلوية عن أهل السنة والجماعة

الجماعة المنتستبون إلى أحمد رضا خان البريلوي، المسماة ب’البريلوية’، يزعمون أنهم هم الذابون عن عقيدة أهل السنة والجماعة بشبه القارة الهندية، وأن مخالفيهم من الديوبندية وأهل الحديث (غير المقلدين/اللامذهبيين) منحرفون عن منهج أهل السنة، وأنهم ليسوا على الحق، بل فيهم نزعة البغض على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيسيئون الأدب معه ويميلون إلى تنقيص شأنه

والحق خلافه، فإن الذابين الحقيقيين عن عقيدة أهل السنة والجماعة بالقارة الهندية هم: السادة الديوبندية، من العلامة الفقيه رشيد أحمد الگنگوهي والعلامة الفيلسوف قاسم النانوتوي وتلامذتهم وتلامذة تلامذتهم، وهم المسمون ب’أكابر علماء ديوبند’، الذين خدمتهم لإحياء علوم السنة ولنشر العلوم الشرعية معروفة لدي أهل العرب أيضا، وجهودهم فى الدفاع عن اتباع المذاهب الأربعة ولا سيما مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة قد وقعت موقع القبول فى عامة الناس من العرب والعجم، وحركة العلامة المحدث الصوفي الجليل مولانا محمد إلياس الكاندهلوي – من أرشد أصحاب العلامة رشيد أحمد الگنگوهي والمحدث خليل أحمد السهارنپوري – المعروفة باسم ‘جماعة التبليغ’ قد أثرت في عوام الناس وخواصهم في جميع أنحاء العالم، وأحيت فيهم عواطف الدين وانفعالاته، وهذا كله من ثمرات ما زرعه قاسم العلوم النانوتوي والإمام الرباني الگنگوهي رحمهما الله تعالى

والديوبندية صرحوا في عدة من مؤلفاتهم أنهم على عقيدة أهل السنة، وأنهم منتسبون إلى مذهب الأشاعرة والماتريدية، كما صرح به العلامة خليل أحمد السهارنپوري فى ‘المهند على المفند’ الذي وقع عليه أكثر كبار الديوبندية في ذلك العصر، وصرح به العلامة محمد طيب القاسمي والعلامة ظفر أحمد العثماني والعلامة إدريس الكاندهلوي وغيرهم أيضا من أكابر علماء ديوبند. الحاصل: أن الديوبندية هم قلعة أهل السنة بالهند، فجاهدوا في إعلاء كلمة الله بها، وحملوا لواء السنة وعلومها، وزكوا بواطنهن على طريقة الصوفية، وقاموا بدعوة الناس إلى الدين الخالص وإلى محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم

أما البريلوية فقاموا بمعاداة أهل الحق ومعاداة أولياء الرحمن، فكفروا أكابر الديوبندية ونسبوا إليهم أقوالا شنيعة بهتانا وزورا، ورموهم بتهم هم عنها برآء، ومع هذا كله تغالوا في تظاهر المحبة للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ووصفوه بما ليس فيه، وبالغوا في هذا الأمر، حتى دخلوا في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)). وقال عليه السلام: ((لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)) من مسند أحمد ج٢٠ ص٢٣، مؤسسة الرسالة، وإسناده صحيح على شرط مسلم

قال العلامة الإمام الفقيه عبد الحي بن مولانا عبد الحليم اللكنوي رحمهما الله تعالى: ((كذلك نسبة فضيلة أو مرتبة لم تثبت وجودها فى الذات المقدسة النبوية بالآيات أو الأحاديث المعتبرة إلى ذاته المطهرة أيضا من أكبر الكبائر، فليتيقظ الوعاظ المذكورون وليحذر القصاص والخطباء الآمرون الزاجرون حيث ينسبون كثيرا من الأمور إلى الحضرة المقدسة التي لم يثبت وجودها فيها، ويظنون أن في ذلك أجرا عظيما لإثبات فضل الذات المقدسة وعلو قدرها، ولا يعلمون أن فى الفضائل النبوية التي تثبت بالأحاديث الصحيحة غنية عن تلك الأكاذيب الواهية. ولعمري! فضائله صلى الله عليه وسلم خارجة عن حد الإحاطة والإحصاء ومناقبه التي فاق بها على جميع الورى كثيرة جدا من غير انتهاء، فأي حاجة إلى تفضيله بالأباطيل؟! بل هو موجب للإثم العظيم وضلالة عن سواء السبيل)). انتهى من الآثار المرفوعة فى الأخبار الموضوعة، دار الكتب العلمية، ص٣٦

ونريد هنا بيان بعض هذه الإنحرافات للبريلوية عن أهل السنة والجماعة فيما يعتقدونه بالنسبة إلى ذات الرسول صلى الله عليه وسلم المقدسة وصفاته، فإن البريلوية قالوا فيه صلى الله عليه وسلم أنه يعلم وقت الساعة بالضبط، وأن له علما محيطا بجميع كوائن الدنيا من بدء الخلق إلى وقت الساعة بالتفصيل، وأنه ليس من جنس البشر فى الحقيقة بل جنسه مختلف من جنس البشر. وهذا كله انحراف عن منهج السنة بلا ريب، وواجب على العلماء مخالفتهم فيها والإنكار عليهم وبيان فساد عقائدهم

سنتعرض فيما يلي لكل من هذه العقائد الباطلة الفاسدة، ولا يظن القارئ الكريم أن انحرافات البريلوية منحصرة في هذه الأمور، فإنما نذكر هذه المسائل الخاصة تمثيلا لضلالاتهم، لا استقصاء وحصرا. وسنثبت بإذن الله تعالى أنهم قائلون بها، ولا تكاد تجد منهم أحدا ينكرها، وسنذكر بالإختصار – إن شاء الله تعالى – مدى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة

*******************************

العقيدة الأولى للبريوية: قد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم العلم بتعين وقت الساعة

صرح به إمامهم أحمد رضا خان البريلوي في بعض مؤلفاته، فقال فى ‘الدولة المكية بالمادة الغيبية’: ((فثبت حصول العلم به [أي: وقت الساعة] قبل قيامها له صلى الله تعالى عليه وسلم)). واتبعه فيه جماعته، فقال أحد كبار البريلوية أحمد يار خان النعيمي (١٣١٤ – ١٣٩١ ه) ما ترجمته: ((إن الرب تعالى قد أعطى هذا العلم [أي: بوقت الساعة] أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم)). انتهى من جاء الحق مع سعيد الحق، مكتبة غوثية، ص٢٩٠

وهذا من أشنع البدع ومن أنكر الخرافات. فإن الله تعالى استأثر بعلم وقت الساعة لذاته العلية، فلا يظهر عليه أحدا من خلقه إلا عند وقوعها. وقول البريلوية هذا قد قال به البعض الغير المعروفون من المتقدمين وبعض من عرف بالعلم من المتأخرين كالصاوي المالكي. لكنه قول باطل شاذ خلاف للنصوص الشرعية الصريحة، بل كفر بعض المتقدمين من قال به

قال الله تعالى: ((إن الساعة آتية أكاد أخفيها)) [سورة طه، ٢٠:١٥] روى الطبري بإسناد صحيح عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة تحت هذه الآية: ((وهي في بعض القراءة: أخفيها من نفسي. ولعمري! لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء المرسلين)) [تفسير الطبري، مكتبة هجر، ج١٦ ص٣٥] وروى ابن أبي حاتم عن التابعي الجليل إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: ((ليس من أهل السماوات والأرض أحد إلا أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي. يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت)) [تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة نزار مصطفى الباز، ص٢٤١٩] وذهب الإمام الطبري رحمه الله تعالى أن هذا التفسير للآية – أي: أن معناه: أكاد أخفيها من نفسي مبالغة في إرادته تعالى إخفاءه عن الخلق – متعين، ولا يجوز تفسيرها بغيره لما صح فيه من الآثار المروية عن الصحابة وغيرهم

وانظروا مع هذا تفاسير الأئمة للآيات التالية: ٧:١٨٧، ٦٧:٢٥، ١٠:٤٨، ١٧:٥١، ٢١:١٠٨، ٧٢:٢٥، ٦:٢، ٢٧:٦٥، ٤١:٤٧، ٤٣:٨٥، ٧٩:٤٢، ٦:٥٩، ٣١:٣٤، فترون أن هذا الأمر ثابت فى القرآن ومن أقوال الأئمة غاية الثبوت، لا يجوز خلافه لمن آمن بكلام الله سبحانه وتعالى

وهذا هو مذهب أئمتنا الحنفية الماتريدية. فقال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره: ((فجائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام…إلا الساعة فإنه لا يطلع عليه أحدا)) [تأويلات أهل السنة، مؤسسة الرسالة، ج٤ ص٨٠] وقال أيضا: ((وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن يكون لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم)) انتهى

قال الإمام الطحاوي في عقيدته: ((وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل)) قال الإمام سراج الدين الغزنوي المصري الحنفي (٧٠٤ – ٧٧٣ ه) في شرحه عليها: ((القدر: جعل كل ما هو واقع فى العالم على ما هو عليه من خير وشر ونفع وضر، وبيان ما وقع عن سنن القضاء في كل زمان ومكان، وهو تأويل الحكمة والعناية السابقة الأزلية…فتكون عقول البشر قاصرة عن الإحاطة بكنه الحكم الإلهية والبصائر قاصرة عن إدراك الأسرار الربانية، فيكون القدر من الغيب الذي استأثر الله بعلمه وجعله سرا مكتوما عن خلقه، لم يظهر ذلك لملك مقرب ولا نبي مرسل)) [شرح عقيدة الإمام الطحاوي للغزنوي، دار الكرز، ص٩٩] ثم قال تحت قول الإمام الطحاوي: ((لأن العلم علمان: علم فى الخلق موجود وعلم فى الخلق مفقود فإنكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر)): ((إن العلم الموجود فى العالم والخلق هو ما علم بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة كالعلم بالصانع بما نصت عليه دلائل الوحدانية وقدمه وكماله وعلمه وحكمته وبراءته من سمات النقص وأمارات الحدوث…وأما العلم المفقود فيهم فهو: العلم الذي أخفاه الله عن خلقه كعلم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، كعلم [أصل] القضاء والقدر و[وقت] قيام الساعة، كما قال تعالى: قل لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا الله، وقال تعالى: لا يجليها لوقتها إلا هو، فادعاء هذا العلم وطلبه كفر أيضا، لأنه دعوى المشاركة مع الله عز وجل فيما استأثره)) انتهى من المصدر السابق، ص١٠٠

فهذا نص من إمام حنفي ماتريدي في كفر من ادعى علم وقت الساعة لأحد من الخلق

وقال العلامة المفتي أبو السعود محمد بن محمد الرومي (٨٩٨ – ٩٨٢ ه) في تفسيره المشهور: ((لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته، كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول، تعلقا تاما، إما لكونه من مبادئ رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون وكيفيات أعمالهم وأجزيتها المترتبة عليها فى الآخرة وما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها [نفس] قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة، وأما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر عليه أحدا أبدا على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة)) [إرشاد العقل السليم، مكتب الرياض، ج٥ ص٤٠٩] ونقل هذه العبارة العلامة ابن عابدين الشامي وأقره كما في مجموعة رسائل ابن عابدين، ج٢ ص٣١٣-٣١٤

وقال الإمام كمال الدين أحمد بن الحسن البياضي الحنفي الماتريدي (١٠٤٤ – ١٠٩٧): ((فإن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، ووقت الساعة ليس منه)) انتهى من إشارات المرام، دار الكتب العلمية، ص٥٠

فهذه نصوص صريحة من أئمتنا الحنفية – الذين ادعى البريلوية أنهم يتبعونهم ويقلدونهم – في عدم دخول علم وقت الساعة فيما أطلعه الله تبارك وتعالى على نبيه المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم. والقول بخلافه قريب من الكفر إن لم يكنه

*******************************

العقيدة الثانية للبريلوية: قد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم علم جميع الحوادث من بدء الخلق إلى قيام الساعة بالتفصيل

صرح به إمامهم أيضا فى ‘الدولة المكية’ فقال: ((وأما نحن معاشر أهل الحق فقد علمنا – ولله الحمد – أن هذا الذي ذكرنا من تفاصيل كل ما كان من أول يوم [للخلق] وما يكون إلى آخر الأيام [قبل قيام الساعة] ليس بجنب علوم نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إلا شيئا قليلا)) واتبعه فيه جماعته أيضا، فقالوا فى علم النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قيل في علم الله: لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموت ولا فى الأرض

وهذه العقيدة أيضا تنافي النصوص الصريحة. فقد ذكر الله عز وجل أشياء خمسة التي لا يعلمها إلا هو، وهي: علم الساعة، والعلم بالمطر، والعلم بما فى الأرحام، والعلم بما فى الغد، والعلم بأحوال وفيات الناس (سورة لقمان، آية ٣٤). ويجوز أن يطلع الله على البعض بعض هذه الأشياء، لكن لا يطلع على أحد كليات أحد من هذه الأشياء. فقال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى تحت هذه الآية: ((ويعلم ما فى الأرحام: من انتقال النطفة إلى العلقة وانتقال العلقة إلى المضغة وتحول ما فى الأرحام من حال إلى حال أخرى وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله، وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضا.)) فهذا النص يدل على أنه لا يجوز العلم بكليات أحد من هذه الأشياء الخمسة لأحد من الخلق، وإن جاز الإطلاع على الجزئيات منه. فقال الملا علي القارئ فى المرقاة: ((والمعنى لا يعلم كلياتها غير الله، وقد يطلع بعض أصفيائه على جزئيات منهن)) وقال: ((فإن قلت: قد أخبر الأنبياء، والأولياء بشيء كثير من ذلك فكيف الحصر؟ قلت: الحصر باعتبار كلياتها دون جزئياتها)) وأما تأويل البريلوي بأن الحصر من جهة العلم الذاتي لا العلم العطائي، فهذا تأويل بعيد، فإنه جاء في حديث رواه أحمد وصححه الحافظ ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قد علم الله خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله: الخمس))، فهذا الحديث ينافي تعليم الخمس أيضا من جهة الله تعالى، فيتعين كون الحصر المذكور فى الآية في كليات هذه الخمس. وقول البريلوية بإحاطة علم النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الكوائن المستقبلة إلى قيام الساعة يلزم منه القول بأنه عالم بكليات هذه الأمور من نزول الغيث ومما فى الأرحام ومن أماكن وأوقات الوفيات. ويلزم منه أيضا القول بأنه صلى الله عليه وسلم عالم بوقت الساعة – وهو باطل قطعا كما علمت – فإن من تفصيلات العلم بالحوادث تواريخها وأوقاتها، فإذا كان عالما بما يقع إلى الساعة بالتفصيل يلزم كونه عالما بوقت الساعة بعينه

وبالتالي، قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجيء أناس ممن صحبه إلى حوضه فيمنعهم الملائكة من التقدم إلى الحوض، فيقول صلى الله عليه وسلم: أصحابي، هم مني، إلى غير ذلك، فأخبره الله تعالى والملائكة بأنه لا علم له بما أحدث هؤلاء بعده من الإرتداد عن دينه، فيقول صلى الله عليه وسلم – كما جاء في رواية –: ((وكنت علهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم.)) فهذا الدليل القطعي الثبوت يدل على بطلان قول البريلوية هذا، والتأويل فيه بعيد جدا. أما ما قد يشكل على البعض من حديث عرض الأعمال على النبي صلى لله عليه وسلم، فقال ابن الملقن في شرحه على البخاري وغيره من الشراح أن العرض المذكور في ذلك الحديث مخصوص بأعمال المؤمنين لا أعمال المرتدين والزنادقة والكفار، فهذا وجه الجمع بين الحديثين ووجه دفع هذا الإشكال

وهذا بيان تواتر حديث الحوض المذكور

ابن عباس رضي الله عنهما

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ “: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} – إِلَى قَوْلِهِ – {العَزِيزُ الحَكِيمُ} – متفق عليه، واللفظ للبخاري

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – متفق عليه، واللفظ لمسلم

أنس بن مالك رضي الله عنه

حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – متفق عليه، واللفظ للبخاري

حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما

وحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ” تَابَعَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَقَالَ حُصَيْنٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صحيح البخاري

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقَّامُ، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلُوسِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ أَقْوَامٌ، فَأَعْرِفُهُمْ، فَيَخْتَلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – المعجم الأوسط

سهل بن سعد رضي الله عنه

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: ” فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي – متفق عليه، واللفظ للبخاري

أبو هريرة رضي الله عنه

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الحَبَطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى – متفق عليه، واللفظ للبخاري

أبو سعيد الخدري رضي الله عنه

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: ” فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي – صحيح البخاري

عائشة رضي الله عنها

وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ ” إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَوَاللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» – صحيح مسلم

أم سلمة رضي الله عنها

وحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا، حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ» فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي، قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ، فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا – صحيح مسلم

أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما

حدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: لاَ تَدْرِي، مَشَوْا عَلَى القَهْقَرَى – متفق عليه، واللفظ للبخاري)

أبو بكرة رضي الله عنه

حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيَرِدَنَّ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي فَلَأَقُولَنَّ: رَبِّ , أَصْحَابِي , فَلَيُقَالَنَّ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ – مصنف ابن أبي شيبة

أبو الدرداء رضي الله عنه

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا أُلْفِيَنَّ مَا نُوزِعْتُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: هَذَا مِنْ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «لَسْتَ مِنْهُمْ»

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني ممسك بحجزكم: هلم عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي رب، قومي، أي رب أمتي فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم. انتهى من تفسير ابن كثير

قال ابن كثير تحته: وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي. قلت: بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح. ووثقه النسائي وابن حبان. انتهى من تفسير ابن كثير

هذا، وقد قال الإمام الفقيه أبو القاسم أحمد بن عصمة الصفار (ت: ٣٣٦) من متقدمي الحنفية أن الذي أشهد الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم على نكاحه كفر، فإنه يدعى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب – أي ما لا طريقة له إلى حصوله. ونقل هذا القول من الإمام أبى القاسم كثير من أصحاب الفتاوى، فالمسألة منقولة فى الفاتوى الولوالجية (ج ٥ ص٤٢٢) وخلاصة الفتاوى والمحيط البرهاني والفتاوى البزازية والفتاوى التتارخانية وغيرها. لكن أورد صاحب الفتاوى التتارخانية على قول أبى القاسم الصفار هذا أن صاحب الملتقط (لعله أبو القاسم السمرقندي من علماء القرن السادس) قال بأنه لا يكفر فإنه يحتمل أن يكون هذا النكاح من الأشياء التي عرضت على روح النبي صلى الله عليه وسلم. ففى التتارخانية (ج٤ ص٣٨-٣٩): [تزوج امرأة بشهادة الله ورسوله لا يجوز، وعن الشيخ الإمام أبى القاسم الصفار أنه قال: يكفر من فعل هذا لأنه اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الغيب. وفى الحجة: ذكر فى الملتقط أنه لا يكفر لأن الأشياء تعرض على روح النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الرسل يعرفون بعض الغيب. قال الله تعالى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول] وفي مجمع الأنهر نحو هذه العبارة: (وَ) شُرِطَ أَيْضًا (حُضُورُ) شَاهِدَيْنِ فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ وَعَنْ أبى القَاسِمٍ الصَّفَّارِ وَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهَذَا كُفْرٌ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُعْرَضُ عَلَى رُوحِهِ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – فَيَعْرِفُ بِبَعْضِ الْغَيْبِ. انتهى كلامه

فذهب بعض المتقدمين من فقهاء الحنفية إلى تكفير من ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم علما بجزئية بعينها من الحوادث الواقعة بعده فإنه مما لا يثبت له طريق إلى وصوله، وذهب آخرون إلى عدم كفره لاحتمال كون هذه الجزئية مما عرض على روحه صلى الله عليه وسلم. لكن الجميع متفقون على أنه لا يعلم جميع الكوائن المسقبلة إلى وقت الساعة. فهذا إذن رأي المذهب الحنفي فى المسألة، وخالفه البريلوية كما خالف المذهب فى المسألة السابقة

*******************************

العقيدة الثالثة للبريلوية: النبي صلى الله عليه وسلم في حقيقته ليس من جنس البشر

أشار إليه أحمد رضا خان البريلوي في ترجمته للقرآن المسماة ب’كنز الإيمان’ فترجم قول الله تعالى: ((قل: إنما أنا بشر مثلكم)) هكذا: ((قل: أنا مثلكم في ظاهر الصورة البشرية)) [كنز الإيمان، ص٤٤١]. وصرح به أئمة جماعة البريلوية، فقال مناظرهم وإمامهم محمد عمر الإجهروي (١٣١٩ – ١٣٩١ ه) ما ترجمته: ((فثبت من هذه الآية أن حقيقة المصطفى صلى الله عليه وسلم لم تكن بشريا، بل كان حقيقته نوريا)) [مقياس النور، ص٢٤] وقال: ((قلت: المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحقيقة نور، وبعثته القدرة الإليهية فى الدنيا من واسطة الوالد والوالدة إعطاء للنور جسما إنسانيا نوريا، وغلب نور الحقيقة المحمدية على جسمه، فعلى سبيل المثال: الملائكة أيضا من المخلوقات التي خلقت من النور، لكن لما جاء حضرة جبريل الأمين عليه السلام ملبوسا فى الجسم الإنساني غلب جسمانيته على نورانيته إلى الحد الذي لا يستيطيع أن يطير في هذه الهيئة الجسمانية الكذائية إلى السدرة المنتهى، بل لا يستطيع أن يعلو إلى السماء الدنيا، ولكن نور المصطفى صلى الله عليه وسلم الحقيقي غلب على الجسم الإنساني فمع الجسمية النورانية بلغ إلى ‘لا مكان’ عبورا السماوات كلها وتجاوزا السدرة المنتهى)) انتهى من المصدر السابق، ص٢٦-٢٧

وقال أحمد يار خان في كتابه ‘جاء الحق’ ما حاصله: النبي صلى الله عليه وسلم من البشر، لكن هذا بالنسبة إلى أحكام الدنيا، أما في نفس الأمر وفى الواقع ليس هو من البشر ولا من الجن ولا من الملائكة، بل هو نور خلقه الله تعالى قبل خلق آدم، بدليل أن البشرية إنما بدأت من آدم عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وسلم كان نبيا وآدم بين الروح والجسد، فهذا يعني أنه لم يكن من البشر آنذاك، بل كان خلقا آخر، وإنما ظهر فى الدنيا في صورة الإنسان، وبناء على هذا لا يجوز لأحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم القول بأنه بشر أو إنسي، بل يجب التحرز عن مثل هذا فإنه من جنس قول الكفار: ((إن أنتم إلا بشر مثلنا)) ومن قول إبليس الذي رأى الظاهر فقط في قوله: ((أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين))، وأما قول الله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم، فهذا تسويغ للنبي صلى الله عليه وسلم فقط من قبل التواضع، ومن قبل تأليف قلوب الكافرين، فإن شخصا يتنافر مما لا يعرف ومما هو ليس من جنسه، فهذا القول كصنيع الصائد إذا حاكى صوت الصيد لتقريبه منه حتى يتمكن من قبضه. ملخص من جاء الحق مع سعيد الحق، ص ٣٩٢-٣٩٤

وهذه العقيدة خطيرة إلى الغاية، فإن بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم من ضروريات الدين، فإنكارها كفر، فقال الولي العراقي رحمه الله تعالى: ((أما العلم بكونه عليه الصلاة والسلام بشرا وهو من العرب فهو شرط في صحة الإيمان، فلو قال شخص: أؤمن برسالة محمد إلى جميع الخلق ولكني لا أدري هو هو من البشر أو الملائكة أو الجن…فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن العظيم)) انتهى من الأجوبة المرضية، مكتبة التوعية الإسلامية، ص٢٨

ولم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم القول بأنه بشر مثلنا (أي مثلنا فى البشرية) إلى الكفار فقط كما زعمه أحمد يار خان، بل قاله للمؤمنين أيضا في أحاديث كثيرة مشهورة. فروى ابن مسعود رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون)) [صحيح مسلم] وروت عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أضيق بما يضيق به البشر)) [مسند أحمد] وروى أبو هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر)) [صحيح مسلم] وروى سلمان الفارسي رضي الله عنه قوله: ((إنما أنا من ولد آدم، أًغضب كما يغضبون)) [مسند أحمد] وروت أم سلمة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا بشر أقضي له على نحو ما أسمع به)) [صحيح مسلم] وروى طلحة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما هو ظن ظننته إن كان يغني شيئا فاصنعوا فإنما أنا بشر والظن يخطئ ويصيب)) مسند أحمد

وأفتى حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى فيمن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بشرا في ظاهره فقط، أما فى الحقيقة فهو ليس ببشر، بأن هذه الدعوى كفر، كما في إمداد الفتاوى له

*******************************

فعقائد البريلوية هذه وغيرها – كقولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ‘مختار الكل’ وأن الإختيارات كلها بيده يفعل ما يشاء فى الكون ويتصرف فيه كيف يشاء وقولهم بأنه ليس بأمي حقيقة بل يقرأ ويكتب وقولهم بأن له سماعا محيطا وهو في قبره فيسمع من البعيد كما يسمع من القريب إلى غير ذلك من العقائد الباطلة الفاسدة – كلها ضلالات وانحرافات، وتبطل زعمهم أنهم أهل السنة والجماعة وأنهم قائمون بنصرة الحق بالقارة الهندية، والحق – كما ترى – أن البريلوية فرقة ضالة مبتدعة خارجة من دائرة أهل السنة، يضاهون الوهابية في توسعهم فى التكفير، وجمعوا الشواذ والغرائب من أقوال المتصوفين المتأخرين. ما أحسن ما روي عن الإمام المجتهد المحدث عبد الرحمن الأوزاعي رحمه الله من قوله: ((من أخذ بنوادر العلماء فقد خرج من الإسلام))، فكيف بمن أخذ بنوادر الجهلاء؟ وجعلوها كأنها من أصول الدين وأسسه التي جاءت الأنبياء والرسل لدعوة الناس إليها؟! أعاذنا الله من هذه الفتن والخرافات والمخالفات، وجعلنا أمة وسطا عدلا، سائرين على النهج القويم بين إفراط الغلاة المبتدعين وتفريط الأغبياء المتشددين، آمين يا رب العلمين.

وصلى الله تعالى على سيدنا ونبينا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم