Refutation of the False Allegation against Shaykh al-Thanawi [Arabic]


مولانا أشرف علي التهانوي وبحثه عن مسألة علم الغيب في رسالة حفظ الإيمان

قد زعم أحمد رضا خان البريلوي في كتابه ‘حسام الحرمين’ وغيره من الكتب أن مولانا أشرف علي التهانوي سوى في رسالته ‘حفظ الإيمان’ بين علم النبي صلى الله عليه وسلم وبين علم الصبيان والمجانين والبهائم – والعياذ بالله. فقال البريلوي:((وصرح (أي: مولانا التهانوي) فيها (أي: في رسالته ‘حفظ الإيمان’) بأن العلم الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمغيبات، فإن مثله حاصل لكل صبي وكل مجنون بل لكل حيوان وكل بهيمة.)) ثم التقط عبارة لمولانا المذكور وقام بنقلها إلى العربية (مع ما فيها من الحذف والنقص)، ثم قال: ((فانظروا…كيف يسوي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كذا وكذا.)) انتهى كلامه

وقد أجاب عن هذا الإتهام مولانا التهانوي نفسه في حياة البريلوي بما تعريبه: ((ما كتبت هذا المضمون الخبيث (في تسوية علم النبي صلى الله عليه وسلم بعلم غيره) في أي كتاب، ولم يخطر هذا المعنى على قلبي فضلا عن كتابته، ولا يلزم هذا المعنى من أي عبارة لي، فالمعروض أخيرا: بما أني أرى هذا المعنى خبيثا ولم يخطر هو على قلبي كما ذكرت آنفا فكيف يكون هو مرادي؟! من اعتقد هذا، أو تكلم به من غير اعتقاد، صراحة أو إشارة، أرى أنه خرج من الإسلام فإنه كذب النصوص القطعية وطعن في حضرة فخر العالم وفخر بني آدم صلى الله عليه وسلم.)) هذا الكلام من أول رسالته ‘بسط البنان’ التي صنفها مولانا التهانوي لتوضيح مراده من الفقرة التي التقطها البريلوي وقام بنقلها إلى العربية

وها أنا أقدم للقارئين ترجمة لفظية كاملة للجواب الثالث من رسالة ‘حفظ الإيمان’ الذي بحث فيه مولانا التهانوي عن مسألة علم الغيب بحثا مختصرا، حتى يتحقق المنصف مدى تحريف البريلوي لكلام مولانا التهانوي؛ فهل يتصور عن مسلم فضلا عن علامة كبير كمولانا التهانوي أنه يسوي بين علم الرسول صلى الله عليه وسلم وبين علم المجانين والبهائم؟! وسيلاحظ القارئ اللبيب – بإذن الله تعالى – أن مراد مولانا التهانوي من قوله: ‘مثل هذا العلم بالغيب’ – الذي أثبته لزيد وعمرو إلخ – ليس هو العلم الثابت الحاصل للنبي صلى الله عليه وسلم كما حرفه البريلوي، بل مراده: العلم ببعض العلوم الغيبية كما يتضح من السياق والسباق

قال في حفظ الإيمان

السؤال الثالث: وقال (زيد): إن علم الغيب قسمان: (أحدهما) بالذات، وعلى هذا المعنى لا يمكن لأحد غير الله أن يكون عالم الغيب؛ و(ثانيهما) بالواسطة، وعلى هذا المعنى كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالم الغيب. ما هو حقيقة استدلال زيد وعقيدته وعمله؟ بينوا توجروا

الجواب عن السؤال الثالث

المراد بمطلق الغيب في إطلاقات الشريعة هو: ذاك الغيب الذي لا يقوم عليه دليل، ولا واسطة ولا سبيل إلى إدراكه، وبناء على هذا ورد (فى القرآن): ‘لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله’ و’لو كنت أعلم الغيب’ وغيرهما من الآيات

وإطلاق (لفظ) ‘الغيب’ على العلم الذي يكون بواسطة (شيء ما) يحتاج إلى قرينة، فإطلاق ‘علم الغيب’ على المخلوق بلا قرينة ممنوع وغير جائز لكونه موهما للشرك، وورد المنع من لفظ ‘راعنا’ فى القرآن ومن ‘عبدي’ و’أمتي’ و’ربي’ في حديث صحيح مسلم لهذا المعنى (أي لكونه موهما لمعنى ممنوع). وبناء على هذا لا يجوز إطلاق ‘علم الغيب’ على حضرة فخر العالم صلى الله عليه وسلم

ولو جاز إطلاق هذه الألفاظ انطلاقا من مثل هذه التأويلات لجاز إطلاق ‘خالق’ و’رازق’ وغيرهما بتأويل الإسناد إلى السبب، لأنه (صلى الله عليه وسلم) سبب لإيجاد العالم وبقائه ١، بل لصح إطلاق ‘خذا’ بمعنى مالك وإطلاق ‘معبود’ بمعنى مطاع

ومن هذا الوجه بعينه الذي يبنى عليه صحة إطلاق ‘عالم الغيب’ عليه (صلى الله عليه وسلم) انطلاقا من هذا التأويل الخاص، يصح نفي هذه الصفة عن الحق جل وعلا شأنه انطلاقا من تأويل آخر! أعني: لم يثبت علم الغيب بالمعنى الثاني – أي: بالواسطة – لله تعالى، فلو استحضر أحد المعنى الثاني في ذهنه ثم قال: ‘إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الغيب والحق تعالى شأنه ليس بعالم الغيب’ – نعوذ بالله منه – هل يستطيع عاقل متدين أن يتحمل تجويز خروج مثل هذه الجملة من الفم؟ وبناء على هذا (الرأي الفاسد) لم يعد جميع الدعوات الفاحشة لبني أفقر٢ مخالفا للشرع. فما هو الشرع؟ أهو لعب للصبيان؟ إذا شاؤوا قاموا بالبناء وإذا شاؤوا قاموا بالتدمير؟!

ثم لو صح الحكم على ذاته المقدسة بعلم الغيب في قول زيد يحقق هذا الأمر: هل المراد بهذا الغيب: بعض المغيبات أو جميع المغيبات؟ إن كان المراد بعض العلوم الغيبية فأي خصوصية فيه لحضرته صلى الله عليه وسلم؟ قد حصل على مثل هذا العلم بالغيب زيد وعمرو، بل كل صبي ومجنون، بل جميع الحيوانات والبهائم، فإن كل شخص له علم بشيء من الأشياء الذي يخفى على غيره، فينبغي تسمية الكل ب’عالم الغيب’! ولو التزم بهذا زيد (فيقول): ‘إني أسمي الكل بعالم الغيب’، فما هو وجه اندراج الغيب في جملة الكمالات النبوية؟ كيف يكون الأمر الذي لا يختص به مؤمن – بل ولا يختص به إنسان – من الكمالات النبوية؟ وإن لم يلتزم به يلزم عليه بيان وجه الفرق بين نبي وبين غير نبي. وإن كان المراد جميع العلوم الغيبية بحيث لا يخرج منه فرد واحد فإنه ثبت بطلانه من أدلة النقل والعقل ٣

الدلائل النقلية خارج عن العد. ذكر فى القرآن نفسه على وجه واضح صريح نفي علم الغيب عنه – في آية ‘ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير’ – ونفي العلم بالوقت المعين لقيام الساعة عنه ونفي علوم كثيرة. وورد فى الأحاديث ألوف واقعات من إرساله (صلى الله عليه وسلم) كتب ورسائل ليتحقق الأخبار الغائبة من المخبرين والجواسيس

وإن ادعي أنه حصل له جميع العلوم الغيبية ولكن استحضارها يتوقف على توجهه، وبما أنه لم يتوجه تماما على بعض الأمور لم يستحضرها في بعض الواقعات، فجوابه: هناك كثير من الأمور التي بالرغم من توجهه الخاص عليها، بل وقوعه فى الحزن والقلق (منها)، ثبت كونها مخفية عليه. ورد فى الصحاح: تفتيشه واستكشافه في قصة الإفك بأبلغ الوجوه، ولكن لم ينكشف الأمر بمجرد توجهه، إنما اطمئن بعد شهر كامل بذريعة الوحي

والدليل العقلي أن العلوم غير متناهية، وقد ثبت وتقرر استحالة اجتماع الأمور الغير المتناهية بما هو متناه

ولو اشتبه (على أحد) مثل هذه الألفاظ التي وردت من قول حضرته (صلى الله عليه وسلم) – كما روي فى المشكاة عن الدارمي –: ‘فعلمت ما فى السموات والأرض’، فينبغي أن يتفطن بأن المراد هنا ليس العموم والإستغراق الحقيقيين، فإن استحالته قد أثبتت آنفا من أدلة النقل والعقل، بل المراد العموم والإستغراق الإضافيان، أعني: باعتبار بعض العلوم – وهي العلوم الضرورية المتعلقة بالنبوة – قد أوتيها عموما. فمقتضىاه إنما هو حصوله على جميع العلوم التي هي ضرورة ولازمة للنبوة. قد اشتهر استعمال ألفاظ العموم للعموم الإضافي في محاورات جميع الألسنة. ورد في حق بلقيس: ‘وأوتيت من كل شيء’، والظاهر أنه لم يكن عندها القطار والهاتف والغاز وآلة التصوير الشائعة في هذا الزمان وغيرها. والمراد هنا أيضا عموم الأشياء التي هي ضرورة ولازمة للسلطنة. فهذه العمومات لا تثبت بها مدعى زيد

كتبه الأحقر محمد أشرف علي عفي عنه. ٨ محرم الحرام ١٣١٩ ه

(انتهى الترجمة من رسالة حفظ الإيمان)

١ هذا بناء على صحة ما جاء في بعض الروايات أنه لو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلق الله تعالى الكون

٢  لم أقف على المراد بهم

٣ ونظير هذا الإلزام ما أورده متكلمو أهل السنة ردا على الفلاسفة في قولهم بكون الإطلاع على بعض العلوم الغيبية من ميزات النبوة. وقد نقل قول السيد الشريف الجرجاني مولانا التهانوي نفسه في رسالته ‘بسط البنان’ التي صنفها لتوضيح مراده من هذه الفقرة. قال السيد الشريف رحمه الله: [(وأما الفلاسفة فقالوا: هو) أي النبي (من اجتمع فيه خواص ثلاث) يمتاز بها عن غيره (إحداها) أي إحدى الأمور المختصة به (أن يكون له اطلاع على المغيبات) الكائنة والماضية والآتية…(قلنا:) ما ذكرتم (مردود) بوجوه (إذ الاطلاع على جميع المغيبات لا يجب للنبي اتفاقا) منا ومنكم، ولهذا قال سيد الأنبياء: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء (والبعض) أي الاطلاع على البعض (لا يختص به) أي بالنبي (كما أقررتم) حوث جوزتموه للمرتاضين والمرضى والنائمين فلا يتميز به النبي عن غيره] (شرح المواقف، دار الكتب العلمية، ج٨ ص٢٤٢-٣) وقال العلامة محمود الأصفهاني: [وأما فى الشريعة فذهب الحكماء إلى أن النبي من كان مختصا بخواص ثلث: الأولى أن يكون مطلعا على الغيب…وقد أورد على هذا بأنهم إن أرادوا بالإطلاع الإطلاع على جميع الغائبات فهو ليس بشرط في كون الشخص نبيا بالإتفاق، وإن أرادوا به الإطلاع على بعضها فلا يكون ذلك خاصة للنبي، إذ ما من أحد إلا ويجوز أن يطلع على بعض الغائبات] انتهى من مطالع الأنظار، ص٤٠٨

تنبيهات

ترجمت الكلمة الأردوية ‘ايسا‘ فى الفقرة التي نحن بصددها إلى ‘مثل’، ومعناه كما جاء فى المعاجم: ‘هذا النوع من’ (‘اس قسم كا’)؛ فمعنى ‘ايسا علم غيب’ هو: ‘هذا النوع من علم الغيب’ فالمراد في هذا السياق: العلم ببعض العلوم الغيبية

المهم: أن مولانا التهانوي لم يتعرض في هذه الفقرة لما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم من العلوم الغيبية كما أو كيفا. بل أثبت أنه حصل على بعض العلوم الغيبية بغض النظر عن كميته أو كيفيته، كما هو ظاهر من سياق كلامه، فلا يمكن أن يشك أحد أن مراد التهانوي من قوله: ‘مثل هذا العلم بالغيب’ هو: العلم ببعض العلوم الغيبية، وهذا يتضح بكمال الوضوح من تعليله في نفس الجملة، فإنه قال: ‘فإن كل شخص يعلم شيئا الذي يخفى على غيره’، ولم يقل: ‘فإن كل شخص حصل على مثل ما حصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من العلوم الغيبية’! وهذا التعليل مما حذفه البريلوي في ترجمته حتى يتمكن من تلبيس القارئ

ثم: مراد التهانوي بالغيب هنا: الغيب الإضافي، أي ما غاب عن الحواس مطلقا، وقد جاء فى القرآن أن أنباء الأمم السابقة من الغيب، ولا يشك أحد أن هذه الأنباء كانت معلومة لدي تلك الأقوام المتكلم عنها، فعند التهانوي: المراد بالغيب الإضافي هو ما يخفى على أحد أيا من كان، والإطلاع على بعض ما غاب عن آخر مما حصل لكل أحد

وأخيرا، إنه من إخلاص التهانوي أنه بعد تفسيره لتلك الفقرة وبعد تبيينه أنه لا يمكن لمنصف أن يتوهم ذلك المعنى الذي حمل البريلوي كلامه عليه، قد غير تلك الكلمات ونشره في رسالة سماها ‘تغيير العنوان في بعض عبارات حفظ الإيمان’؛ فبدل قوله ‘ قد حصل على مثل هذا العلم بالغيب زيد وعمرو إلخ’ إلى: ‘قد حصل على مطلق بعض العلوم الغيبية غير الأنبياء أيضا.’ فكيف ينسب إليه هذا القول – بعد هذا كله – من التسوية بين علم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم غيره؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: