براءة الشيخ إسماعيل الدهلوي من القول بكون تعظيم القبور شركا أكبر


قد اشتهر أن الشاه محمد إسماعيل بن الشاه عبد الغني الدهلوي – حفيد الشاه ولي الله الدهلوي – تغالى في رسالته ‘تقوية الإيمان’ فى تكفير المسلمين ورميهم بالشرك، حتى يقال إنه بلغ في هذا الأمر حد الوهابية، بل يدعى البعض أنه تأثر بالدعوة الوهابية مباشرة مع أنه لا دليل على هذه الدعوى أصلا، فإنه رحمه الله كان بعيدا من الوهابية وطنا وزمانا، وإنما دخل الحجاز بعدما تم جلاء الوهابية عنها، وصنف رسائل وكتيبات يتضح منها أنه ليس على منهج محمد بن عبد الوهاب وجماعته، ك:’العبقات’ باللغة العربية و’منصب إمامت’ باللغة الفارسية، وإنه صرح بكون الأشاعرة والماتريدية على الحق، وصرح في ‘تقوية الإيمان’ بجواز التوسل بالصالحين خلافا لما عليه الوهابية النجدية

وقال فيه العلامة شبير أحمد العثماني عند البحث عن التجلي على لسان الصوفية: [وما وجدنا تفصيل أحكام التجلي وتحقيق ماهيته بحيث يطمئن به القلب وينشرح به الصدر مع الفحص الشديد والتتبع البالغ في كتب القوم إلا ما حققه العلامة الجليل والعارف النبيل فقيد المثيل في زماني وعديم العديل في أقرانه سيدي وسندي محمد المدعو بإسماعيل الشهيد الدهلوي قدس الله روحه في كتابه ‘العبقات’ فإنه – جزى الله عنا وعن كل من استفاد من علومه – كفى وشفى حين بين الصبح لذي عينين] إلخ (فتح الملهم، دار إحياء التراث العربي، ج٢ ص٣١٥) وله ترجمة في ‘نزهة الخواطر’ للعلامة المؤرخ عبد الحي الحسني اللكنوي

وقد وقع في رسالته المذكورة أن بعض الأمور التى راجت وعمت فى الديار الهندية معدودة من ‘الشرك’، وقد يتوهم من يقرأها أن مراده بالشرك هو الشرك الأكبر المخرج من الملة الإسلامية، مع أن مراده هو الشرك الأصغر أو الشرك العملي كما صرح به المؤلف نفسه وسيأتى النقل عنه، وكان هذه الحدة فى العبارة دواء عالج بها الشاه إسماعيل الدهلوي الجهلة والعوام في ذلك الزمن الذين كان مبلغ علمهم وعملهم فى الأمور الدينية منحصرا فى العادات والتقاليد والرسوم الشائعة حول المقامات والقبور

أما الشبهات على كتابه هذا وغيره من المؤلفات – من أنه أنكر الشفاعة المحمدية وقال بأن الأرض قد أكلت جسد النبي صلى الله عليه وسلم المبارك وأنه جعل احترامه عليه السلام كاحترام الأخ الأصغر للأخ الأكبر وأنه شنع على من أنكر الجهة لله سبحانه وتعالى إلى غير ذلك – فقد أجاب عنها العلماء وأثبتوا أنها من الإفتراءات عليه، وليس هذا موضع البسط

أقدم للقارئين الكرام هنا ترجمة لجواب حرره الشاه محمد إسماعيل عن سؤال ورد حول استعماله لفظ الشرك في كتابه ‘تقوية الإيمان’. قد نقل جوابه هذا في الفتاوى الرشيدية للعلامة رشيد أحمد الگنگوهي، وعلق عليه العلامة المذكور، فأنقل الجواب والتعليق كليهما فيما يلي معربا

فهذا نص السؤال والجواب

السؤال: لو صدر عن زيد بعض الأعمال الشركية التي ذكرت في تقوية الإيمان كالنذر بغير الله وتقبيل القبر وإسدال الغلاف عليه والحلف باسم غير الله ومثل هذه الأمور، هل يستوجب زيد التسمية باسم ‘الكافر’، وهل يجوز استباحة دمه وماله، وهل يجوز معاملته كمعاملة سائر الكفار، أم لا؟

الجواب: لا يجوز عد زيد كافرا محضا، ومعاملته كمعاملة الكافرين، بناء على هذه الأعمال التي ذكرت فى السؤال فقط، ومن يعامله كمعاملة الكافرين بناء على صدور الأعمال المذكورة منه فهو عاص. وتفصيل ما ذكر في ‘تقوية الإيمان’ هو أنه: كما ورد فى الحديث الشريف أن الإيمان بضع وسبعون شعبة وأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وورد في روايات أخرى أن الحياء شعبة من الإيمان، وورد في عدة من الروايات أن الصبر والمروءة والخلق الحسن شعب من شعب الإيمان، وهذا مع أنه قد يلاحظ كثيرا أن هذه الأوصاف وجدت فى الكافرين، فعلى سبيل المثال: كثير من الكافرين لهم حياء وكثير منهم لهم خلق حسن؛ فبناء على مجرد وجود خصلة إيمانية في هذا الكافر لا يمكن تسميته مؤمنا ولا يعامل كمعاملة المؤمنين، ولكن يجب أن يعلم أن الحياء أحد شعب الإيمان وهي محبوب عند الله وإن لم يكن هذا الشخص بعينه محبوبا عند الله لكونه كافرا، ومع هذا إن خصلته هذه مستحبة، فكذلك الشرك، بما أنه مقابل للإيمان، يجب أن يكون له هذا التعدد في شعبه

لذا لا يسمى أحد مشركا بناء على مجرد حلفه بغير الله، وإن كان من الواجبات عد هذا العمل من أعمال الشرك، وإنكاره وإهانته. ومرتكبه يجب أن يعاتب بالهيئة المناسبة له، لأنه من الممكن أنه كما وجدت فيه هذه الشعبة من شعب الشرك قد وجد فيه كثير من شعب الإيمان أيضا، فيكون مقبولا عند الله بناء على هذه الشعب من الإيمان وإن كان عمله هذا مردودا

وينبغي أن يتذكر أن هذا التفصيل إنما يتأتى فى المرتكب (لهذه الأفعال) الذي لا ينكر الشريعة بواحا. فإنه لو أنكر الشريعة المحمدية – على صاحبها أفضل الصلوات وأكمل التحيات والتسليمات والزاكيات – بواحا، كأن يقول: إن هذا العمل ممنوع فى الشريعة ولكن الشريعة ليست منطبقة عليه وإنما هي منطبقة على غيره فإن دينه الطريقة وليست بالشريعة، فإنه يكون في هذه الصورة كافرا محضا، وتنهدم شعب الإيمان التي كانت فيه، ويكون هو محبوسا فى الغضب الإلهي

كتبه محمد إسماعيل، مصنف ‘تقوية الإيمان’، عفي عنه

جمادى الأولى، ١٢٤٠ ه

وعلق عليه الإمام الرباني الفقيه مولانا رشيد أحمد الگنگوهي بما يلي

جواب مولانا محمد إسماعيل صواب، فإن الأعمال الشركية منها ما هي شرك محض، ومنها ما يصدر من رجال ويحتمل فيها التأويل. النوع الأول منها هو كالسجود لصنم أو شد الزنار، قد صار مرتكب هذه الأفعال مشركا. وأما مرتكب النوع الثاني من الأعمال (الشركية) قد اكتسب هو كبيرة، ولكن لم يخرج من دائرة الإسلام. إن بعض الأمور الشركية شرك أصلي وبعضها أدنى منه، يسمى: شركا دون شرك، فهذه الدرجة الثانية من الشرك ليست شركا حقيقيا. وهذا كالحلف بغير الله الذي يسمى: شركا، ويسمى الرياء: شركا، ويسمى التسمية بغير الله (عند الذبح): شركا. بما أن هذه الأعمال في صورة الشرك تسمى شركا (توسعا). لا يصير الرجل مشركا حقيقيا بارتكابها. والله تعالى أعلم

العبد: رشيد أحمد الگنگوهي، عفي عنه

١٣٠١ ه

(التأليفات الرشيدية، ص ٨٦-٨٨)

ليعلم أن تقوية الإيمان ترجمة للقسم الأول من الكتاب الذي صنفه الشاه محمد إسماعيل باللغة العربية باسم رد الإشراك، الذي قسمه إلى قسمين: القسم الأول في رد الشرك وأنواعه والقسم الثاني في رد البدعة وأنواعها. فقام الشاه محمد إسماعيل بترجمة القسم الأول منه مع شرح وجيز تحت كل آية وكل حديث باللغة الأردوية فسماه تقوية الإيمان، وحذف مقدمته فى الترجمة

وهذا مقدمة كتابه الأصلي باللغة العربية، ويظهر من هذه المقدمة أنه لم يذهب إلى مذهب محمد بن عبد الوهاب وجماعته من تجريد مفهوم الشرك عن الإعتقاد الباطني، بل صرح بكون أصل الشرك مبنيا على الإعتقاد، وإن يتفرع عليه أفعال التعظيم التي هي داخلة في مفهوم الشرك تبعا لا أصلا

 قال رحمه الله

اعلم أن الإشراك – الذي أنزل الكتب الإلهية لإبطاله وبعث الأنبياء لمحقه – ليس مقصورا على أن يعتقد أحد أن معبوده مماثل للرب تبارك وتعالى في وجوب الوجود، أو إحاطة العلم بجميع الكائنات، أو الخالقية لأصول العوالم كالسماء والأرض، أو التصرف في جميع الممكنات، فإن هذا الإعتقاد ليس من شأن الإنسان أن يتلوث به، اللهم (إلا) أن كان ممسوخا كفرعون وأمثاله، وليس لأحد أن يذعن بأن الكتب الإلهية إنما نزلت والأنبياء إنما بعثت لأجل إصلاح أمثال هؤلاء الممسوخين فقط، كيف ومشركوا العرب الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين وقاتلهم وأراق دماءهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم لم يكونوا مذعنين بهذا الإعتقاد، بدليل قوله تعالى: ((قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون: الله، فل: فأنى تسحرون؟)) وأمثال هذه الآية كثيرة جدا. بل معناه أن يشرك أحدا من سوى الله معه تعالى فى الألوهية أو الربوبية. ومعنى الألوهية أن يعتقد في حقه أنه بلغ فى الإتصاف بصفات الكمال من العلم المحيط أو التصرف بمجرد القهر والإرادة مبلغا جل عن المماثلة والمجانسة مع سائر المخلوقين، وذلك بأن يعتقد أنه ما من أمر يحدث سواء كان من الجواهر أو الأعراض فى الأقوال أو الأفعال أو الإعتقاد أو العزائم والإرادات والنيات إلا وهو ممتنع أن يغيب من علمه وهو شاهد عليه أو يعتقد أنه يتصرف فى الأشياء بالقهر أي: ليس تصرفه فى الأشياء من جملة الأسباب بل هو قاهر على الأسباب. ومعنى الربوبية أنه بلغ في رجوع الحوائج واستحلال المشكلات واستدفاع البلايا بمجرد الإرادة والقهر على الأسباب مبلغا استحق به غاية الخضوع والتذلل، أي: ليس للتذلل لديه والخضوع عنده حد محدود، فما من تذلل وخضوع إلا وهو مستحسن بالنسبة إليه وهو مستحق له. فتحقق أن الإشراك على نوعين: إشراك فى العلم وإشراك فى التصرف. ويتفرع منهما: الإشراك فى العبادات، وذلك بأنه إذا اعتقد في أحد أن علمه محيط وتصرفه قاهر فلا بد أنه يتذلل عنده ويفعل لديه أفعال التعظيم والخضوع، ويعظمه تعظيما لا يكون من جنس التعظيمات المتعارفة فيما بين الناس، وهو المسمى بالعبادة. ثم يتفرع عليه: الإشراك فى العادات وذلك بأنه إذا اعتقد أن معبوده عالم بالعلم المحيط متصرف بالتصرف القهري لا جرم أنه يعظمه في أثناء مجارى عاداته بأن يميز ما ينتسب إليه كاسمه وبيته ونذره وأمثال ذلك من سائر الأمور بتعظيم ما. وقد رد الله تعالى في محكم كتابه أولا وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ثانيا على جميع أنواع الشرك على أصوله وفروعه وذرائعه وأبوابه ومجمله ومفصله

ثم سرد آيات وأحاديث في رد الشرك والبدعة لا يمازجه من كلامه إلا قليل

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: